العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026
سكة السلامة خير مثال
(سكة السلامة فى أسيوط)
1998
ـ فى شتاء 1997 كانت أسيوط تستقبل واحدًا من رواد المسرح المصرى الحديث وأحد فروع شجرة الثقافة المصرية التى أينعت وأزهرت عقب ثورة يوليو 1952.
ـ وفى زيارة صديق جهاده صلاح شريت أول مدير قصر وأول رئيس إقليم فى تاريخ الصعيد.. والذى أسهم بدور بارز، إلى جانب الراحل سعد الدين وهبة، فى ترسيخ وتأسيس دعائم العمل الثقافى الجماهيرى فى صعيد مصر.
ـ وأيضًا فى ضيافة محافظ أسيوط الأستاذ الدكتور رجائى الطحلاوى أو رئيس جامعة فى تاريخ مصر يعين محافظًا.
ـ ورغم أن أسيوط تعتبر المركز الرئيسى للجماعات التكفيرية.. والعمليات الإرهابية كانت على أشدها وذلك الوقت.. وخاصة بعد وفاة أحد قادتها فى أحد السجون.. لكن الاستقبال الجماهيرى لسعد الدين وهبة كان مبهرا.. ولم يتوقع احد أن هذا هو أخر لقاء له مع شعب أسيوط.. لتتوفاه المنية فى نوفمبر 1997
ـ فى هذه الأثناء كانت فرقة أسيوط القومية المسرحية العريقة.. أقدم فرقة مسرحية فى صعيد مصر.. تستقبل الشاب الطموح.. حمدى حسين بكرى
ـ أول مخرج يعتمد فى مشروع نادى المسرح فى التاريخ وصاحب أول عرض فى هذا المشروع (الموت على الأسفلت) ديوان شعر لعبد الرحمن الأبنودى.
ـ مخرج مفعم بالتجريب والتجديد منذ نشأت تجربته المسرح.. حيث إن (مشروع نادى المسرح) أصلًا.. ابتكرا للتجديد والتجريب فى المسرح المصرى.
ـ ليواجه المخرج قيادة واعية مثقفة (رئيس الإقليم/المحافظ) مع بيئة تعانى من الإرهاب وشعب متعطش للفن ومحاصر من الجماعات التكفيرية.
ـ ثم يصطدم المخرج باختيار النص.. الفرقة تعلن الحداد على سعد الدين وهبة.. ويجب تأبينه من الفرقة لمكانته.. الإنسانية والأدبية والسياسية لأسيوط.. ينتهى النقاش بواحد من أهم وأصعب نصوص سعد الدين وهبة.. مسرحية سكة السلامة.
ـ ثم يفاجئ المخرج بالأعمار السنية للفريق.. ممثل واحد كبير فقط عمنا وأستاذنا.
(إبراهيم فؤاد ثابت) الذى تحدى تهديد الإرهاب وأصر على ممارسة المسرح.. وباقى أعضاء الفريق.. شباب أغلبه لم يمارس المسرح من قبل فى حياته.. والنص يحتاج إلى ممثلين كبار السن والخبرة.
ـ ثم يعانى من شخصية سوسو فى النص.. شخصية تحتاج إلى ممثلة محترفة.. والصعيد فى هذه الظروف صعب أن تجد امرأة تقف على المسرح أصلًا.. فى وجود مثل هذه الجماعات والتهديدات
ـ وتغلق الدائرة على المخرج الشاب.. أولًا تجربة تستحق التقدير للقيادات الواعية.. ثانيا فريق من الشباب يستحق الرعاية والاهتمام.. ثالثا المحافظة على رسالة الفن كقوة ناعمة فى مثل هذه البيئة والظروف الأمنية.. رابعًا الرؤية الإخراجية والتحفظ السياسى والأمني فى هذه الحقبة من التاريخ.. وأخيرًا عقوبة المقارنة بين العرض الكبير بالنجوم العظام على المسرحى القومى 1964.. وشباب أسيوط على مسرح قصر ثقافة أسيوط 1998
ـ ثم تبدأ المعركة.. بعمل حصار امنى للفريق اثناء البروفات
ـ ثم عمل تدريبات إعداد ممثل للشباب والراغبين فى الحضور من خارج الفريق ومحبى المسرح
ـ ثم الاستعانة بالممثل القديرة (لمياء الأمير) من نجوم الصف الثانى فى هذا الوقت
ـ ثم استعان بفريق عمل من شباب المبدعين فى أسيوط (ديكور/ ناصر عبد الحافظ) (ألحان/ محمد فرغلى) (أشعار/ درويش الأسيوطى)
ـ ثم تختتم العقبات باختفاء عدد من الممثلين الشبان (أدوار رئيسية فى العرض) بعد افتتاح العرض بعدة أيام.. بعضهم بحجة السفر.. وأخرى بسبب المنع من الإرهابيين.. ليواجه حمدى حسين معضلة جديدة.. بابتسامته المعهودة وهدوئه القاتل.
ـ استدعى عدد من أصدقائه فى أسيوط بعلاقته الشخصية.. ووزع عليهم الأدوار كأن شيء لم يكن.. ثم دربهم فى صباح ليلة العرض.. ليأتى المساء وكأن شيء لم يكن.. ويقدم العرض برؤية ابداعية تجريبية خطيرة
ـ حيث جسم الأوتوبيس وانقلابه على المسرح باستخدام ستائر المتحركة.. لتجسيد لحظة سقوط الأوتوبيس
ـ كما استخدم الستائر خاصتا فى نهاية العرض ليكفن كل العناصر المعيبة والمشوهة داخل المجتمع فى كفن واحد بحجم المسرح.. لينهى المشهد بنزول المرايا من سقف المسرح.. ليرى الجمهور نفسه.. وليعرف كل منا.. هل يستحق أن يكون معهم أم مع الوطن
ـ أبهرنا بهذا الفنال البسيط العبقرى التجريبى.. أبهرنا بأداء الممثلين ومنهم من تدرب على الدور 4 ساعات فقط قبل العرض
ـ أبهرنا وجود ممثلة بهذا الحجم بين هؤلاء الهواة.. أبهرنا إبراهيم فؤاد فى دور ثلاث جمل فقط.. ليملأ به المسرح ذكاء وأداء.
ـ أبهرنا رد فعل الجمهور.. ورد فعل القيادات.. التى انتقدها العرض.
ليسجل التاريخ.. إن فرقة أسيوط القومية المسرحية رغم كل الظروف والعقبات.. حققت بالفن انتصار.. تحت الحصار.. ابهر الجميع
بقياد المبدع والمخرج القدير حمدى حسين بكرى.
التوقيع
الكاتب المسرحى حسام الدين عبدالعزيز
ممثل بالفرقة حصل على الدور
قبل العرض بأربع ساعات