هندسة أسيوط.. حين تصرخ الخشبة بما نعجز عن قوله

هندسة أسيوط.. حين تصرخ الخشبة بما نعجز عن قوله

العدد 974 صدر بتاريخ 27أبريل2026

بدايةً من قول (أنطونان أرتو):
«المسرح الحقيقى هو الذى يجعلنا غير قادرين على البقاء كما كنا»
فى لحظة نادرة من لحظات التماس بين الفن والإنسان، لا يعود المسرح مجرد خشبة، ولا العرض مجرد أداء، بل يتحوّل إلى تجربة وجودية كاملة، تعيد تشكيل وعينا بأنفسنا وبالعالم. من هنا، يمكن قراءة عرض هندسة أسيوط ضمن مهرجان إبداع 14 للمسرح، بوصفه لحظة انكشاف إنسانى لا تُقاس بمقاييس المنافسة، بل بقدرتها على زلزلة الداخل.
يبدأ العرض من مقولة المخرج التى تصلح أن تكون مفتاحًا تأويليًا له: «أحيانًا لا نكتب العروض، بل هى التى تكتبنا». وهى عبارة تختزل جوهر التجربة؛ إذ لا يبدو العرض نتاجًا لصناعة فنية بقدر ما هو انعكاس لتمزقات داخلية، وأسئلة وجودية تبحث عن صيغة تعبير. ومنذ اللحظة الأولى، يُدفع المتلقى إلى مواجهة ذاته، عاريًا من أقنعته، فى حالة من الانكشاف النفسى الذى يتجاوز التعاطف إلى ما هو أعمق: الوعى بالألم.
فلقد انطلق العرض من بنية درامية تتجاوز الحكاية المباشرة، لتغوص فى طبقات نفسية وفلسفية متشابكة، تطرح سؤالًا محوريًا: من هو «الطبيعي»؟ ومن الذى يملك حق تعريفه؟ هنا، يتقاطع العرض بشكل ذكى مع أفق رواية «أين تذهب يا بابا»، لا بوصفه نقلًا نصيًا بل استلهامًا يعيد إنتاج السؤال فى سياق أكثر قسوة: إلى أين نمضى فعلًا؟
هذا السؤال لا يُطرح كاستفهام بسيط، بل كصرخة وجودية، تتردد أصداؤها فى كل تفصيلة من تفاصيل العرض. وقد تجلّى ذلك فى كسر خطية الزمن، واعتماد بنية سردية مفككة، تتماهى مع التشظى النفسى للشخصيات. إن حضور «الراوى غير الموثوق» لم يكن مجرد تقنية درامية، بل طرحًا فلسفيًا عميقًا، يزعزع ثقة المتلقى فى الحقيقة ذاتها، ويعيد صياغتها بوصفها تجربة شعورية، لا واقعة موضوعية.
لذلك لم تكن السينوغرافيا فى هذا العرض مجرد إطار بصرى، بل كانت بنية دلالية قائمة بذاتها. فقد اعتمدت على «الفراغ الدال» بوصفه عنصرًا أساسيًا فى تشكيل المعنى، حيث تحوّلت المساحات الخالية إلى صمت ناطق، يفرض على المتلقى أن يُكمل المشهد من داخله. هذا الفراغ لم يكن نقصًا، بل كان امتلاءً مؤجلًا، مساحةً للقلق، ومساحةً لطرح الأسئلة.
كما جاء الديكور  minimal إلى حد القسوة، وكأنه يجرّد العالم من تفاصيله الزائفة ليُبقى فقط على جوهر الألم. كل عنصر موضوع على الخشبة كان له ضرورة وجود، لا زخرفة، ولا فائض. وكأن العرض يتبنّى فكرة أن «الحذف» أبلغ من الإضافة، وأن ما لا يُقال قد يكون أكثر تأثيرًا مما يُعرض.
لذا جاءت الإضاءة لغة نفسية موازية للوجدان
فالإضاءة هنا لم تكن وسيلة للرؤية، بل أداة للتأويل. الأبيض لم يكن نقاءً، بل وهمًا مؤقتًا، لحظة هدوء تسبق الانكسار. الأزرق لم يكن جمالًا بصريًا، بل برودة شعورية، عزلة داخلية تبتلع الشخصيات. الأحمر لم يكن مجرد لون، بل انفجارًا مكتومًا، غضبًا لم يجد طريقه إلا عبر الضوء. أما الأسود، فلم يكن غيابًا للنور، بل حضورًا طاغيًا للانهيار.
الانتقالات الضوئية لم تكن تقنية، بل نفسية؛ كل تغيّر فى الضوء كان انتقالًا فى الحالة، وكأن الإضاءة تكتب النص من زاوية أخرى، زاوية لا تُقال بالكلمات.
كما كانت الأزياء بمثابة الهوية التى جاءت امتدادًا للرؤية الكلية للعرض، حيث لم تكن مجرد ملابس، بل تعبيرًا عن الحالة النفسية والاجتماعية للشخصيات. الألوان الباهتة، والاختيارات البسيطة، عكست حالة من التآكل الداخلى، وكأن الشخصيات تفقد تدريجيًا ملامحها، لا فقط على مستوى النفس، بل حتى على مستوى الشكل.
لم تكن هناك مبالغة أو استعراض، بل توحيد بصرى يضع الجميع داخل دائرة واحدة من الألم، مع فروق دقيقة تكشف طبيعة كل شخصية. وكأن الأزياء هنا تقول: نحن لا نرتدى ما نحن عليه، بل ما نحاول أن نخفيه.
فكرة العرض: تفكيك «الطبيعي» وإعادة تعريف الإنسان
فى جوهره، لا يقدّم العرض حكاية عن طفل معاق أو عائلة مفككة، بل يقدّم تفكيكًا قاسيًا لفكرة «الطبيعي». من الذى حدّد هذا المفهوم؟ ولماذا أصبح المختلف عبئًا؟ العرض لا يهاجم المجتمع بشكل مباشر، بل يكشف آلياته الخفية: الإسقاط، الإنكار، العنف المقنّع.
الأب ليس شريرًا، بل إنسان مهزوم، كما لو أنه تجسيد حى لفكرة إريك فروم: «قد يتحول الإنسان إلى جلاد حين يعجز عن أن يكون حرًا». والأم ليست ضحية فقط، بل حاملة لذنب جماعى، صمتها ليس ضعفًا، بل انهيارًا بطيئًا.
أما الطفل، فهو جوهر العرض، ليس بوصفه شخصية، بل بوصفه «حقيقة». حقيقة لا يمكن تزييفها، ولا تجاهلها. وجوده على الخشبة هو السؤال نفسه، وكل حركة منه هى إجابة مؤجلة.
أما عن الأداء التمثيلى: حين تتحوّل الأجساد إلى اعترافات
لم يكن الأداء قائمًا على الإقناع، بل على الصدق. كل ممثل لم «يمثّل» بل «انكشف». الأب كان يتفتت أمامنا، الأم كانت تذوب، الراوى كان يتشقق، والطفل.. كان يُولد من الألم فى كل لحظة.
الذروة جاءت مع أداء خالد عماد الدين، الذى لم يقدّم دورًا، بل حالة وجودية مكتملة. كل زحفٍ له كان صرخة، كل نظرة كانت اعترافًا، كل كلمة كانت نجاة مؤجلة. وفى لحظة قوله: «أنا أحبك يا أمي»، لم نكن أمام جملة، بل أمام لحظة إنسانية خالصة، تختزل معنى الحب كما طرحه فيكتور فرانكل: «حين لا نستطيع تغيير الواقع، نُجبر على مواجهة أنفسنا».
حقيقةً المسرح كمرآة للداخل لا للواقع
يتقاطع العرض مع عدة أطروحات فكرية؛ من أنطونان أرتو الذى يرى المسرح كصدمة، إلى كارل يونغ الذى يؤكد أن ما نقاومه يستمر، وصولًا إلى الطرح الوجودى الذى يرى أن الإنسان محكوم بمواجهة ذاته فى النهاية.
العرض لا يقدّم حلولًا، ولا يسعى لتهدئة المتلقى، بل يضعه فى حالة قلق دائم. وكأن الرسالة الأساسية: ليس مطلوبًا منك أن تفهم بل أن تشعر، أن تواجه، أن تعترف.
خاتمة: المسرح حين يصبح تجربة لا تُنسى:
فى المحصلة، لا يمكن اختزال هذا العمل فى كونه عرضًا جامعيًا ناجحًا، بل هو تجربة فنية ونفسية متكاملة، تعيد تعريف العلاقة بين المسرح والإنسان. إنه عرض لا ينتهى بإسدال الستار، بل يبدأ من هناك، حيث يظل أثره ممتدًا فى الوجدان.
لقد قدّمت هندسة أسيوط عرضًا لا يطلب التصفيق بقدر ما يفرض الصمت، لا يسعى للإبهار بقدر ما يخلق الارتباك، ولا يقدّم إجابات بقدر ما يزرع أسئلة.
وهنا، يكمن جوهر الفن الحقيقى..
أن نخرج من القاعة، ونحن لسنا كما كنّا.


هند محسن حلمى