«فتاة المترو».. حين يكون المسرح فعلاً للمقاومة .. من إنتاج «القومي للمسرح»

«فتاة المترو»..  حين يكون المسرح فعلاً للمقاومة .. من إنتاج «القومي للمسرح»

العدد 989 صدر بتاريخ 10أغسطس2026

    في خطوة تمثل تحول نوعي في فلسفة المهرجان القومي للمسرح، الذي انتقل من تنظيم الورش إلى تحويلها إلى مشروع إنتاجي متكامل، عبر اكتشاف النصوص ورعاية المواهب، وتحويل الأفكار إلى عروض حية تنبض فوق الخشبة، من هنا تكتسب مسرحية «فتاة المترو» أهميتها، فهي أول إنتاج مسرحي للمهرجان، كما أنها تمثل حلقة أخيرة في مشروع بدأ قبل رفع الستار بزمن طويل، فقد فاز نص الكاتب هاني قدري في مسابقة التأليف التي نظمها المهرجان في دورته السابقة، قبل أن يتبنى المهرجان إنتاجه، ويمنح خريجي ومتدربي الورش فرصة تحويله إلى عرض مسرحي حقيقي، وبذلك لم يعد النص الفائز حبرًا على ورق، وإنما أصبح مشروعًا إبداعيًا متكاملاً، يشارك في تنفيذه جيل جديد من المبدعين، في خطوة تؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد منصة للاحتفاء بالمسرح، بل أصبح شريكًا في صناعته.
    وتعكس هذه التجربة الرؤية التي تبناها الفنان «محمد رياض» رئيس المهرجان القومي للمسرح، في تحويل الورش من قاعات مغلقة إلى معامل إنتاج حقيقية، بدعم من الدكتور عادل عبده مدير المهرجان، ووزارة الثقافة وصندوق التنمية الثقافية، وبالتعاون مع دار الأوبرا التي احتضنت العرض على خشبة المسرح الصغير، وهي رؤية تؤكد أن الاستثمار الحقيقي في المسرح يبدأ بالاستثمار في الإنسان، ومنح الموهوبين فرصة اختبار قدراتهم أمام الجمهور، لا الاكتفاء بمنحهم شهادات اجتياز الدورات التدريبية.
    ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذه المغامرة أنها لا تعتمد على الشباب وحدهم، بل قامت على حوار خلاق بين الخبرة والطموح، إذ شارك الفنان الكبير عزت زين في بطولة العرض، مجسدًا شخصية الدكتور مراد موافي، في مساهمة تعكس إيمانًا حقيقيًا بأهمية دعم الأجيال الجديدة، ليصبح حضوره جزءًا من فلسفة المشروع، فقد تولى تنفيذ العمل فريق من الشباب في الإخراج والسينوغرافيا والتمثيل تحت إشراف المخرج محسن رزق، ليؤكد أن المسرح الحقيقي يولد حين تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل.  
ويطرح العرض قضية إنسانية شديدة الحساسية، تنطلق من مرض «ألزهايمر»، لتطرح أسئلة أعمق عن الذاكرة والفقد، والقدرة الاستثنائية للفن على مقاومة النسيان.
    اختار الكاتب هاني قدري أن يجعل البطل الدكتور مراد موافي أستاذًا بالمعهد العالي للفنون المسرحية وكاتبًا مسرحيًا مشهورًا، ليؤسس لعلاقة عضوية بين الشخصية والمسرح، فالرجل الذي كرس حياته للكتابة والإبداع والتدريس يجد نفسه، بعد وفاة زوجته الناقدة المسرحية، أسيرًا لمرض «ألزهايمر»، لتبدأ ذاكرته في التآكل تدريجيًا، بينما تظل ذكرى زوجته عصية على النسيان، وكأن الحب هو آخر ما يغادر الإنسان حين تتهاوى ذاكرته، وهو ما يجعل ابنته المخرجة الشابة إلى خوض مغامرة إنسانية قبل أن تكون فنية، حين تقرر أن تقدم أول أعمالها الإخراجية معتمدة على نص كتبه والدها، في محاولة لاستعادة ذاكرته عبر مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية، المكان الذي كان يعمل فيه والدها، ومن هنا يصبح المسرح علاجًا ومحاولة لاستدعاء الماضي، والنص الذي كتبه الأب ويروي من خلاله قصته مع زوجته الراحلة جسرًا يصل بين ما فقده من ذاكرة وما بقي في وجدانه، فلم تكن الخشبة مجرد مكانًا للتمثيل فقط، بل تتحول إلى مساحة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، والواقع بالنص والذكرى بالحاضر، حتى يفقد الدكتور مراد القدرة على الفصل بين حياته التي عاشها وحياته التي كتبها، ففتاة المترو ليست شخصية عابرة، وإنما هي القلب النابض للحكاية كلها، فهي الزوجة الراحلة الناقدة المسرحية التي لا ينسى لقائهما الأول في محطة المترو، والتي يبحث يوميًا في الجريدة عن مقالها رافضًا فكرة رحيلها، لذلك يعرض هذا المشهد أكثر من مرة طوال العرض، لكنه لا يتكرر دراميًا، ففي كل مرة يكتسب معنى جديد، مرة باعتباره ذكرى يعيشها الدكتور مع زوجته وكأنها تحدث الآن، ومرة أخرى مشهدًا تعيد ابنته تقديمه داخل العرض المسرحي الذي أخرجته، فيذوب الحد الفاصل بين الحياة والفن، ويصبح المسرح هو المكان الوحيد الذي لا تزال الذاكرة قادرة على الحياة داخله.
    نجح فريق الإخراج: «محمد عزمي، لوجين خالد، فريدة نادر، مونيكا، عمر شرين، إسلام، بيبو» في تقديم رؤية بصرية متماسكة، قادها «محمود علاء» الذي تولى أيضًا تصميم الإضاءة، فجاءت الصورة المسرحية شديدة الارتباط بالحالة النفسية للشخصيات، وكانت السينوغرافيا التي صممها «مريم هشام» و»يوسف صوفي» من أبرز عناصر العرض، إذ اعتمدت على الفضاء الرقمي كعنصر درامي، لا مجرد وسيلة للإبهار، فقد نجحت في محاكاة حركة قطارات المترو بصورة واقعية، حتى بدا القطار يعبر أمام أعين الجمهور، مانحًا العرض إيقاعًا بصريًا دائم الحركة، ولم تكن هذه الحركة مجرد محاكاة لمشهد يومي، بل حملت دلالة رمزية واضحة، فبينما يواصل المترو رحلته بلا توقف، يبقى الدكتور مراد عالقًا في محطة واحدة من عمره، هي لحظة لقائه الأول بزوجته، وكأن الزمن يمضي بالجميع إلا ذاكرته.
كما أن استحضار واجهة سينما مترو معتمدًا على أكثر من عنصر كالشاشات وقطع الديكور والأفيشات السينمائية التي ظهرت في صورة شخصيات حية داخل براويز، لتتحول الواجهة إلى استدعاء لذاكرة القاهرة الثقافية، ومن خلال بانر استحضر أيضًا المعهد العالي للفنون المسرحية، في موازاة الذاكرة الشخصية التي يحاول البطل التشبث بها، هذا المزج بين الذاكرة العامة والذاكرة الخاصة منح العرض عمقًا بصريًا، وأكد أن الأماكن مثل البشر تحتفظ بحكاياتها.
وقد جاء منزل الدكتور مراد ليقدم الصورة النقيضة لمحطة المترو، فإذا كان المترو فضاءً للحركة والعبور فإن المنزل بدا فضاءً للذاكرة المتآكلة، فقد غطت صفحات الجرائد الجدران، وبعض الأوراق التي كتبتها ابنته لتذكره بمواعيد الدواء وبالتفاصيل اليومية التي بدأ المرض يمحوها من ذاكرته، ولم تكن هذه الأوراق مجرد اكسسوار، بل تحولت إلى ذاكرة بديلة، تعوض ما فقده العقل، وتجسد بصريًا محاولة الابنة مقاومة النسيان بالحب والرعاية، كما جاءت الأغاني التي كتبها الشاعر عبد الله حسن ولحنها شريف حمدان معبرة ومتوافقة مع الحدث.
العرض ابتعد عن الواقعية التقليدية، فلا محطة المترو قدمت بوصفها ديكورًا جامدًا، ولا منزل الدكتور مراد جاء باعتباره فضاءً مغلقًا منفصلاً عن بقية الأحداث، بل تعامل المخرج مع المكان بوصفه امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات، لتصبح الأمكنة نفسها جزءًا من السرد، لا مجرد حاضنة له. 
كما استخدم تقنية المسرح داخل مسرح، حين تبدأ الابنة في تقديم نص والدها على الخشبة، هنا ينجح المخرج في إذابة الحدود بين العرض الذي يشاهده الجمهور، والعرض الذي يشاهده دكتور مراد مع الجمهور، ثم يتحول دكتور مراد تدريجيًا من مجرد متفرج إلى شريك في صناعة الحدث، مستعيدًا حواراته وشخصياته ومصححًا للممثلين ما ينسونه من النص، في مشاهد تكشف أن الذاكرة الإبداعية مازالت تقاوم المرض، حتى وإن تهاوت الذاكرة اليومية، وتأتي لحظة الذروة حين تقع عيناه على صورة زوجته الراحلة التي تعلوها شارة الحداد، عندها يتخلى عن موقع المتفرج ويصعد إلى الخشبة رافضًا الاعتراف بموتها، إنها لحظة لا تكسر الحاجز بين الصالة والمسرح فحسب، بل تكسر أيضًا الحاجز بين الواقع والتمثيل، ليتحول المسرح إلى المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن يواجه الحقيقة.
    يقوم العرض على شخصية محورية تحمل العبء الأكبر من البناء الدرامي، لذلك كان نجاح العرض مرهونًا بمن يؤدي شخصية الدكتور مراد موافي على إقناع المتلقي بالتحولات النفسية الدقيقة التي يعيشها، وقد جاء اختيار الفنان «عزت زين» موفقًا، ليس فقط لقيمته الفنية، وإنما أيضًا لما يحمله حضوره من دلالة تتسق مع فلسفة المشروع، إذ جاء دعمه لهذه التجربة ليؤكد أن انتقال الخبرة إلى الأجيال الجديدة لا يقل أهمية عن تقديم عرض ناجح.
ابتعد «عزت زين» عن الأداء التقليدي لشخصيات مرض «ألزهايمر»، فلم يعتمد على المبالغة في النسيان أو الارتباك، وإنما قدم الشخصية من الداخل، عبر تفاصيل صغيرة صنعت الفارق، نظرة تبحث عن شيء لا تجده، توقف مفاجئ في منتصف الجملة، ابتسامة تولد من ذكرى بعيدة ثم تنطفئ مع عودة الواقع، فقد كان يؤدي إنسانًا يحاول الإمساك بخيوط حياته وهي تتسرب من بين يديه، لا مريضًا يستعرض أعراض المرض، وتجلت قوة أداؤه في المشاهد التي يستعيد فيها نصه المسرحي وكأن الإبداع هو آخر حصون الذاكرة، وفي هذه اللحظات نجح «عزت زين» في التعبير عن المفارقة التي يقوم عليها العرض، فالمؤلف الذي فقد ذاكرته الشخصية، مازالت ذاكرته الإبداعية تقاوم الفناء.
أما مشهد النهاية حين يشاهد صورة زوجته الراحلة تتصدر المسرح ويعلوها شريط الحداد، فقد جاء من أكثر مشاهد العرض تأثيرًا، فلم يحتج الممثل إلى انفعالات صاخبة أو صراخ، بل اكتفى بانكسار هادئ بعد أن صعد خشبة المسرح رافضًا الاعتراف بغيابها، ليختصر في تلك اللحظة رحلة رجل خسر معركة الذاكرة، لكنه ظل منتصرًا للحب.
وقد قدمت (ريم طارق) شخصية الابنة بحضور لافت، فجعلت منها شخصية محركة للأحداث، لا مجرد ظل للأب أو شبيهة للأم، فقد نجحت في التعبير عن التناقض الذي تعيشه، فهي مخرجة تسعى إلى تقديم أول أعمالها، وفي الوقت نفسه ابنة تحاول إنقاذ والدها من الغرق في النسيان، وقدمت الشخصية بعفوية بعيدة عن الانفعال الزائد، فبدت إنسانية وصادقة، كما أنها تميزت بالأداء الكوميدي وخفة الدم، هذه الكوميديا تميز بها العرض كله وهو ما منحه متنفسًا إنسانيًا ومنع انزلاقه إلى الميلودراما، فكان (بولا) الذي جسد شخصية مراد، (جاكلين) التي جسدت شخصية بائعة التذاكر في السينما، (مريم) التي جسدت شخصية الأم القلقة على ابنتها، (محسن النجار) حارس الأمن في معهد الفنون المسرحية، (عبد الرحمن) البواب، (إنجي) الفتاة الصغيرة في المترو، (بيتر) الشاب في المترو، (ميخا) بائع الجرائد، (رجائي رمزي) عصام الكبير، (مصطفى درويش) عصام الصغير.
   اعتمد القائمون على المشروع «نظام الدابل كاست» في معظم الشخصيات، باستثناء الفنان عزت زين الذي حمل بطولة شخصية الدكتور مراد موافي، وقد جاء اختيار هذا النظام متسقًا مع فلسفة المشروع القائمة على إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من خريجي ومتدربي الورش، لخوض تجربة المسرح الاحترافي أمام الجمهور، وهكذا أصبحت الخشبة الامتداد الطبيعي للورشة، وتحول التدريب إلى ممارسة، والموهبة إلى فعل إبداعي حقيقي.
     لقد أثبت عرض «فتاة المترو» أن المسرح يمكن أن يكون فعلاً للمقاومة، مقاومة النسيان داخل الحكاية، ومقاومة تهميش الطاقات الشابة في الواقع، وإذا كان الدكتور «مراد موافي» قد وجد في المسرح سبيلاً لاستعادة ما تبقى من ذاكرته، فإن المهرجان القومي للمسرح وجد في هذا المشروع سبيلاً للاستثمار في الشباب وهو ما لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإتاحة الفرصة، فهو لم يعد منصة للاحتفاء بالعروض فحسب، بل أصبح شريكًا في صناعة المسرح.


نور الهدى عبد المنعم