المسرح والقضية الفلسطينية على خشبة المقاومة..

المسرح والقضية الفلسطينية على خشبة المقاومة..

العدد 989 صدر بتاريخ 10أغسطس2026

لم تكن القضية الفلسطينية يومًا مجرد موضوع عابر فى المسرح العربى، بل كانت ولا تزال إحدى أكثر القضايا حضورًا فى النصوص والعروض والخطابات المسرحية، باعتبارها قضية حرية وهوية ووجود. 
فمنذ أربعينيات القرن الماضى، وقبل قيام دولة الاحتلال، انحاز المسرحيون العرب إلى فلسطين، وقدموا أعمالًا وثقت المأساة، وواجهت الرواية الصهيونية، وحفظت الذاكرة الوطنية، لتصبح الخشبة منبرًا للمقاومة الثقافية، وسلاحًا يوازى الكلمة فى معركة الدفاع عن الإنسان والأرض.
وعلى امتداد أكثر من ثمانية عقود، تنوعت مقاربات المسرح العربى للقضية الفلسطينية بين التوثيق التاريخى، والمسرح السياسى، والرمزية، والملحمية، والمسرح التسجيلى، فأنجز كتاب ومخرجون من مختلف الأقطار العربية أعمالًا رسخت فلسطين فى الوعى الجمعى، وجعلت من المسرح مساحة لطرح أسئلة العدالة والاحتلال والحرية والكرامة، حتى غدت فلسطين واحدة من أهم القضايا التى شكلت الضمير الثقافى العربى.
ومع تصاعد العدوان على غزة وما يرافقه من مشاهد إنسانية قاسية، يعود السؤال بإلحاح: هل لا يزال المسرح العربى قادرًا على أداء دوره فى الدفاع عن القضية الفلسطينية؟ وهل استطاع أن يواكب حجم المأساة، ويخاطب العالم بلغته الفنية، أم أن حضوره ظل أقل من حجم القضية؟ وكيف يمكن للمسرح اليوم أن يحافظ على الرواية الفلسطينية فى مواجهة محاولات طمسها، وأن يخاطب الأجيال الجديدة بلغة فنية مؤثرة تتجاوز الخطابة والشعارات؟
فى هذا التحقيق، نستطلع رؤى نخبة من الأكاديميين والنقاد والمخرجين والكتاب المسرحيين من بعض بلداننا العربية مصر والأردن والعراق وفلسطين ولبنان، للوقوف على مسيرة حضور فلسطين فى المسرح العربى، ورصد أبرز محطاته، وقراءة واقعه الراهن، واستشراف دوره فى حماية الذاكرة، وترسيخ الرواية الفلسطينية، وتجديد خطاب المقاومة الثقافية فى مواجهة الاحتلال.
د. محمد سمير الخطيب: القضية الفلسطينية تحتاج إلى تجديد خطابها المسرحى
يرى د. محمد سمير الخطيب أن تناول القضية الفلسطينية فى المسرح العربى لا ينبغى أن يُختزل فى لحظة تاريخية بعينها، إذ مرت القضية بتحولات سياسية وتاريخية كبرى انعكست على طبيعة حضورها فى المسرح، بدءًا من النكبة عام 1948، ثم نكسة 1967، مرورًا باتفاقية السلام، والانتفاضتين الأولى والثانية، وصولًا إلى المتغيرات الراهنة.
ويؤكد أن المسرح العربى، رغم ذلك، ظل فى معظمه أسير مرحلتين أساسيتين هما ما بعد النكبة وما بعد النكسة، موضحًا أن مرحلة ما بعد عام 1948 شهدت حضورًا بارزًا لأعمال تناولت الصراع مع الحركة الصهيونية، ومن أبرز الأصوات فيها الكاتب على أحمد باكثير، بينما جاءت مرحلة ما بعد نكسة 1967 أكثر ثراءً وتأثيرًا، إذ دفعت الهزيمة المسرحيين إلى استدعاء القضية الفلسطينية بوصفها قضية وجودية، فظهرت أعمال تندد بالعدو الإسرائيلى وتناقش أبعاد الصراع.
ويشير الخطيب إلى أن الفترة الذهبية لحضور القضية الفلسطينية على خشبة المسرح كانت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى، فى ظل صعود المشروع القومى العربى وأفكار الوحدة والاشتراكية، حيث اعتُبرت فلسطين القضية المركزية التى تجسد حلم التحرر العربى، وهو ما انعكس بوضوح على الإنتاج المسرحى آنذاك.
ويستشهد بعدد من الأعمال التى شكلت علامات مهمة فى تلك المرحلة، منها «وطنى عكا» لعبد الرحمن الشرقاوى (1969)، و«النار والزيتون» (1970)، و«شمشون ودليلة» لمعِين بسيسو (1971)، و«حبيبتى شامينا» لرشاد رشدى، مؤكدًا أن الفترة الممتدة بين عامى 1967 و1973 شهدت ما يقرب من عشرة إلى اثنى عشر عرضًا مسرحيًا تناولت القضية الفلسطينية بصورة مباشرة.
ويرى أن تراجع المد القومى والاشتراكى انعكس بدوره على حضور القضية فى المسرح العربى، فلم تعد تحظى بالزخم نفسه، إلا أن ذلك صاحبه تحول جمالى وفكرى مهم، حيث لم تعد فلسطين تُطرح باعتبارها قضية جغرافية فحسب، بل أصبحت رمزًا للوطن العربى بأسره، وانتقل العديد من المبدعين من الخطاب المباشر إلى التعبير الرمزى، بما جعل فلسطين استعارة كبرى لحال الأمة العربية.
وفى هذا السياق، يشير إلى أعمال قدمت القضية بصورة غير مباشرة، مثل «باب الفتوح» لمحمود دياب، لما حملته من رؤية رمزية وجمالية، كما يلفت إلى نصوص أخرى مثل «اليهودى التائه» و«واقدساه» ليسرى الجندى، و«السؤال المراوغ» لسناء شافع، بوصفها نماذج بارزة فى مسيرة المسرح العربى مع القضية الفلسطينية.
ويؤكد الخطيب أن حضور فلسطين فى المسرح لا ينبغى أن يقتصر على النصوص المكتوبة، مشيدًا بتجارب اعتمدت على المسرح الراقص والمسرح الجسدى، وفى مقدمتها عروض الفنان وليد عونى، التى قدمت القضية الفلسطينية عبر لغة بصرية وحركية مختلفة، بما يثبت أن المسرح قادر على ابتكار أشكال تعبير جديدة تتجاوز الكلمة إلى الصورة والجسد.
كما يثمن تجربة الفنان الفلسطينى غنام غنام، التى تناولت مفهوم الشتات الفلسطينى وآثاره العميقة فى العلاقات الإنسانية، من خلال رؤية جمالية تعكس تأثير الاحتلال فى الوجدان الفردى والجمعى.
ويختتم الخطيب حديثه بالتأكيد على أن تجديد حضور القضية الفلسطينية فى المسرح العربى مرهون بتجديد الأفكار وأدوات التعبير، وعدم الاكتفاء بالخطاب التقليدى أو المباشر، داعيًا إلى استثمار مختلف الأشكال المسرحية، من المسرح الجسدى والراقص إلى التجريب البصرى، حتى تظل القضية حاضرة فى وجدان الأجيال الجديدة بلغة فنية معاصرة وقادرة على التأثير.

د. سامية حبيب: فلسطين القضية المركزية فى المسرح العربى منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين
ترى أ. د. سامية حبيب، أن القضية الفلسطينية احتلت مكانة محورية فى المسرح المصرى، ليس باعتبارها قضية عربية فحسب، بل بوصفها قضية وطنية ارتبطت بالوجدان المصرى وبالتاريخ السياسى والعسكرى والثقافى للدولة. وتؤكد أن المسرح المصرى واكب القضية منذ ما قبل قيام دولة الاحتلال، واستمر فى تناولها عبر مختلف مراحل الصراع، حتى أصبحت فلسطين القضية المركزية فى المسرح العربى منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين، وهو ما تصفه بـ«الدراما القومية» التى تعبر عن الهوية العربية المشتركة.
وتوضح أن المسرح الذى تناول فلسطين يختلف عن التراجيديا الكلاسيكية؛ فالبطل لا يسقط نتيجة خطأ شخصى أو قدر محتوم، بل يختار الاستشهاد دفاعًا عن الوطن، لتصبح التضحية فعلًا بطوليًا يهدف إلى تحفيز الجمهور على المقاومة وترسيخ قيم الحرية والعدالة.
وتشير إلى أن البداية المبكرة لهذا الحضور تجلت فى مسرحيات على أحمد باكثير، وعلى رأسها «شيلوك الجديد» (1945)، ثم «التوراة الضائعة» (1948)، و«إله إسرائيل» (1950)، و«شعب الله المختار» (1951)، وهى نصوص واجهت المشروع الصهيونى فكريًا قبل قيام دولة الاحتلال وبعدها. كما تذكر أن يوسف وهبى قدم «الجاسوس» عام 1941، ثم أعاد تقديمها عام 1950 بعنوان «إسرائيل»، بما يعكس التحولات السياسية التى فرضتها نكبة 1948.
وتؤكد حبيب أن المسرح المصرى واصل حضوره الداعم للقضية من خلال أعمال بارزة، منها «وطنى عكا» لعبد الرحمن الشرقاوى، و«النار والزيتون» لألفريد فرج، و«اليهودى التائه» و«واقدساه» ليسرى الجندى، و«رطل اللحم» لإبراهيم حمادة، و«القتل فى جنين» لمحمد أبو العلا السلامونى، و«لن تسقط القدس» لشريف الشوباشى، إلى جانب أعمال هارون هاشم رشيد، كما احتضن نصوصًا عربية وفلسطينية لسهيل إدريس، ومعين بسيسو، وسعد الله ونوس، بما يعكس إيمان المسرحيين بوحدة القضية العربية.
وترصد حبيب عددًا من السمات المشتركة لهذه الأعمال، أبرزها تصوير الاحتلال باعتباره المعتدى، والفلسطينى بوصفه رمزًا للمقاومة، مع حضور لافت للمرأة الفلسطينية كشريكة فى النضال لا مجرد ضحية. كما تناولت بعض النصوص نقد المواقف العربية، بينما أكدت أخرى وحدة النضال العربى.
وتلفت إلى تنوع الأساليب الفنية بين البناء الكلاسيكى، والمسرح الملحمى، والاتجاهين التسجيلى والرمزى، مع ملاحظة وقوع بعض النصوص فى المباشرة والخطابة، بما أثر أحيانًا فى البناء الدرامى. 
وتخلص إلى أن تطور المسرح الفلسطينى فى مصر ارتبط بالأحداث الكبرى، من نكبة 1948 إلى هزيمة 1967 وما تلاها، لتظل فلسطين حاضرة فى وجدان المسرح المصرى لأكثر من ستة عقود.

حكيم حرب: المسرح العربى لم يرتقِ إلى حجم مأساة فلسطين وخطابنا يجب أن يصل إلى العالم
يرى المخرج الأردنى حكيم حرب أن حضور القضية الفلسطينية فى المسرح العربى ظل خجولا ولم يرتقِ إلى مستوى المأساة التى يعيشها الشعب الفلسطينى، موضحاً أن معظم العروض اكتفت بالطرح العاطفى واستثارة المشاعر، من دون أن تسهم فى بناء وعى حقيقى يدفع المتلقى إلى موقف فاعل. ويؤكد أن الإشكالية الأكبر تتمثل فى أن المسرح العربى ظل يخاطب الجمهور العربى، رغم أنه الأكثر إدراكاً لحقيقة القضية، بينما غاب الخطاب المسرحى الموجه إلى المتلقى الغربى والعالمى، وهو – من وجهة نظره – الأجدر بتلقى الرواية العربية فى مواجهة السردية التى نجحت فى فرض حضورها على المسرح والسينما العالميين.
ويؤكد حرب أن القضية الفلسطينية حضرت فى جميع أعماله المسرحية تقريباً، لكنها جاءت دائماً عبر الرمز والدلالة الدرامية، بعيداً عن المباشرة أو استغلال القضية لتحقيق تأثير عاطفى. فقد تجلت فلسطين فى شخصيات ورموز متعددة داخل أعماله، من بينها «المتمردة والأراجوز»، و«هاملت يُصلب من جديد»، و«ميديا»، و«ملهاة عازف الكمان»، و«سيمفونية الدم مكبث»، و«مأساة المهلهل»، و«عرائس فوق مسرح متوهج» المستلهمة من أعمال غسان كنفانى، إلى جانب «ليلة سقوط طيبة»، و«عصابة دليلة والزيبق»، و«جنونستان»، و«سالومى أو وستغسل يا نهر الأردن»، و«أنتيجوني»، و«الخادمات». ويشير إلى أن هذه الأعمال قدمت رؤى فكرية وجمالية للقضية، عالجت الاحتلال والمقاومة والانقسام والفساد العربى والسلام الزائف من خلال إسقاطات ورموز مسرحية.
ويشدد حرب على أن تحويل النصوص التى تتناول فلسطين إلى عروض مؤثرة لا يتحقق إلا إذا كان المخرج صادقاً مع نفسه، ومنتمياً إلى بيئته وقضايا أمته، مستحضراً مفهوم «المثقف العضوي» لدى أنطونيو جرامشى، الذى يربط المثقف بقضايا مجتمعه. ويرى أن التحدى الحقيقى ليس فنياً أو إنتاجياً فحسب، بل هو تحدٍ أخلاقى يتعلق باختيار المخرج بين الانحياز لقضايا أمته أو السعى وراء الشهرة والمكاسب الشخصية.
ويختتم حرب رؤيته بالتأكيد على أن تجديد الخطاب المسرحى العربى تجاه القضية الفلسطينية مرهون بتحرر المسرح من هيمنة رأس المال وشروط المنتج، لأن استقلال الفنان فى قراره الإبداعى هو السبيل إلى تقديم مسرح يعبر عن قضايا الأمة، لا عن حسابات السوق، مؤكداً أن من يملك التمويل كثيراً ما يفرض طبيعة الخطاب الفنى واتجاهه.

د. سيد على إسماعيل: وثّقتُ المسرح الفلسطينى لأؤكد أن لفلسطين تاريخًا ثقافيًا لا يمكن محوه
أشار د. سيد على إسماعيل إلى أنه فى عام 2021 أصدر كتابه «المسرح فى فلسطين قبل النكبة»، الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية، وكان من أهدافه توثيق تاريخ المسرح فى فلسطين، كونها دولة عربية لها نشاطها المسرحى الخاص بها، وتعاملت مع الفرق المسرحية المصرية الزائرة، كما تعاملت معها بقية دول الشام، إذ كانت فلسطين إحدى المحطات الرئيسية لأغلب الفرق المسرحية المصرية التى زارت بلاد الشام، واستطاعت هذه الفرق أن تسهم، بشكل أو بآخر، فى ظهور النشاط المسرحى الفلسطينى، وأن تضع بذورًا أنبتت لاحقًا حركة مسرحية فلسطينية كبيرة.
وأوضح أن الهدف الأهم من إصدار الكتاب تمثل فى كتابة تاريخ المسرح فى فلسطين قبل النكبة، ليظل هذا التاريخ شاهدًا على وجود دولة طبيعية اسمها فلسطين، عاشت حياة طبيعية قبل أن يُستبدل اسمها باسم آخر، وشعبها بشعب آخر، وثقافتها بثقافة أخرى، ومسرحها بمسرح آخر لا علاقة له بفلسطين. لذلك تناول الكتاب المقاهى المسرحية، والنشاط المسرحى داخل المدارس والأندية والجمعيات الفلسطينية منذ عام 1901 حتى عام 1948، فضلًا عن توثيق الفرق المسرحية الفلسطينية التى لم يكتب عنها أحد من قبل، إلى جانب رصد أكثر من عشرين فرقة مسرحية مصرية زارت فلسطين، من بينها فرق أمين عطا الله، وعبد العزيز الجاهلى، وسلامة حجازى، ومنيرة المهدية، ورمسيس، وفاطمة رشدى، وعلى الكسار، ونجيب الريحانى، وفوزى منيب، وعلى لوز وغيرهم.
وأشار إلى أن تقديم وزير الثقافة الفلسطينى الأسبق د. عاطف أبو سيف للكتاب أكد أنه ثمرة بحث معمق فى تاريخ المسرح الفلسطينى، اعتمد على الصحف الفلسطينية والمصرية قبل النكبة، وكشف جوانب مهمة من الحركة المسرحية الفلسطينية، موثقًا المسرحيين والعروض والنقد وتفاعل الجمهور، وحضور الفرق المصرية على المسارح الفلسطينية، بما يؤكد مكانة فلسطين فى المسرح العربى، ويجعل الكتاب جزءًا من مشروع وطنى لحفظ الذاكرة الثقافية وتعزيز الرواية الفلسطينية.
وأشار د. سيد على إسماعيل إلى أن علاقة المسرح المصرى بالقضية الفلسطينية لم تبدأ مع نكبة عام 1948، وإنما تعود إلى عام 1913 مع زيارات الفرق المسرحية المصرية إلى فلسطين، وهو ما يعكس عمق الارتباط الثقافى بين البلدين. وأكد أن المسرح المصرى واكب جميع مراحل القضية الفلسطينية، وأن خطابه المسرحى تطور تبعًا للتحولات السياسية والعسكرية التى مرت بها، مقسمًا هذا الحضور إلى أربع مراحل رئيسية: مرحلة ما قبل النكبة (1917–1948)، ومرحلة النكبة حتى هزيمة يونيو 1967، ومرحلة ما بعد هزيمة يونيو حتى انتصار أكتوبر 1973، ثم مرحلة ما بعد أكتوبر وحتى الوقت الراهن.
وأوضح أن المرحلة الأولى اتسمت بالتضامن الثقافى والإنسانى مع فلسطين من خلال مسابقات التأليف، والمقالات، والعروض الخيرية، وليس عبر النصوص المسرحية فقط، بينما جاءت مسرحيات عام النكبة بطابع عاطفى وحماسى هدفه رفع الروح المعنوية وترسيخ الإيمان بعودة فلسطين. وبعد مرور سنوات على النكبة انتقل المسرح إلى تصوير مأساة اللاجئين ومعاناتهم فى المخيمات، فأصبح أكثر واقعية وإنسانية.
وأضاف أن هزيمة يونيو 1967 أحدثت تحولًا فى الخطاب المسرحي؛ إذ لجأ بعض الكُتّاب إلى التاريخ والتراث أو الخطاب الدينى، بينما اتجه آخرون إلى المسرح التسجيلى لتوثيق الوقائع والجرائم خشية ضياعها أو تزويرها، معتبرًا أن المسرح التسجيلى كان من أهم أدوات الدفاع عن القضية الفلسطينية لأنه حفظ الأحداث والأرقام والوثائق فى مواجهة محاولات طمسها. كما أكد أن مرحلة ما بعد انتصار أكتوبر 1973 كرست مفهوم المقاومة بوصفها الطريق إلى تحرير الأرض، ولجأ عدد من الكتاب إلى الرمز فى تناول القضية الفلسطينية، فجعلوا فلسطين أو الاحتلال رموزًا ودلالات فنية بدلًا من الطرح المباشر، حفاظًا على البعد الإبداعى أو تجاوزًا لقيود المرحلة، ليخلص إلى أن المسرح المصرى لم يكتف بإنتاج نصوصه عن فلسطين، بل احتضن أيضًا المسرح الفلسطينى والعربى عبر نشر نصوصه وتقديم عروضه على المسارح المصرية، بما يؤكد أن القضية الفلسطينية ظلت حاضرة فى الوعى المسرحى العربى، لا المصرى وحده.

غنام غنام: فلسطين ليست قضية تعاطف.. بل قضية حق، وما يحدث فيها خزان للتراجيديات الإنسانية الجديدة
يرى الفنان والكاتب المسرحى غنام غنام أن السؤال عن تطور حضور القضية الفلسطينية فى المسرح العربى لا يمكن ربطه ببداية تجربته الشخصية، لأن القضية الفلسطينية كانت حاضرة حضورًا كبيرًا ومؤثرًا فى المشهد المسرحى العربى منذ مطالع القرن العشرين. ويؤكد أن الذاكرة المسرحية العربية تحتفظ بالعديد من الأعمال التى تناولت فلسطين فى الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر وليبيا وتونس والمغرب والجزائر والعراق، بل وحتى فى منطقة الخليج، رغم اختلاف ظروف نشأة الحركة المسرحية فيها آنذاك.
ويشير إلى أن القضية الفلسطينية لم تغب يومًا عن المسرح العربى، ولذلك لا يفضل الحديث عن تطور أو غياب أو انحسار حضورها، وإنما يرى أن الإشكالية الحقيقية تكمن فى أن هذا الحضور لم يكن، على امتداد تلك المراحل، بالقدر الذى يليق بمركزية القضية وما تحمله من أبعاد إنسانية عميقة وملهمة. ويضيف أن فلسطين تمتلك من الوقائع الإنسانية ما يجعلها مصدرًا لا ينضب للإبداع المسرحى، قائلا: إن ما يحدث فيها يمثل «نبعًا جديدًا للتراجيديات الجديدة». ويوضح أن الأساطير الإغريقية ألهمت المسرح العالمى إنتاج عدد هائل من التراجيديات، بينما تستطيع القضية الفلسطينية، بما تتضمنه من وقائع إنسانية وبشرية، أن تصبح الخزان الحقيقى لإنتاج تراجيديات معاصرة، ليس للمسرح العربى فحسب، وإنما للمسرح العالمى أيضًا، لأنها فى جوهرها تراجيديات إنسانية تتجاوز حدود فلسطين.
وعن أبرز أعماله التى تناولت القضية الفلسطينية، يؤكد غنام أن لكل عمل من أعماله خصوصيته ورسائله، إذ يحرص فى كل تجربة على ترسيخ فكرة أو قيمة محددة فى وعى الجمهور. ويعتبر أن عمله المونودرامى «بأم عيني» هو الأكثر تأثيرًا بين أعماله، لأنه نقل صورًا يومية من الأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1948، وقدم نماذج لانتصارات الفلسطينيين اليومية فى مواجهة محاولات الاحتلال طمس هويتهم وذاكرتهم وأسمائهم، بل والسعى إلى محو وجودهم نفسه.
ويضيف أن العرض انطلق من سؤال مركزى هو: «أين هو الاحتلال؟»، وهو سؤال تعمد أن يبقى معلقًا فى ذهن المتفرج بعد انتهاء العرض، ليظل يطرحه على نفسه كلما شهد حدثًا جديدًا يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويشير إلى أن ختام المسرحية يؤكد هذه الفكرة من خلال عبارة تقول: «السؤال مسدس، والجواب طلقة فى مسدس السؤال»، موضحًا أنه أراد من الجمهور أن يغادر العرض وهو يبحث بنفسه عن الإجابة، سواء عندما يشاهد خطابات تتحدث عن انتصارات ليست سوى هزائم، أو عندما يرى نوابًا يتراشقون بالأحذية تحت قبة البرلمان، أو عندما يواجه خطابات ومظاهر تشوه الوعى وتصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، ليبقى السؤال حاضرًا فى ذهنه باعتباره أداة للوعى والمراجعة.
وفى حديثه عن دور المسرح فى ظل العدوان المستمر على غزة، يؤكد غنام أن ما تشهده غزة اليوم ليس سوى حلقة من حلقات الصراع الفلسطيني–الصهيونى، أو الصراع العربي–الصهيونى، ولن تكون الحلقة الأخيرة، لأن ما يجرى هو «صراع وجود لا صراع حدود». ويشرح أن القضية لا تتعلق بخطوط أو حدود جغرافية، وإنما بوجود شعب على أرضه، ولذلك فإن الصراع سيظل مستمرًا ما دام الاحتلال قائمًا.
ويرى غنام أن المسرح والفنان العربى لا يزالان قادرين على الدفاع عن القضية الفلسطينية والوصول إلى الأجيال الجديدة، لكنه يشدد على ضرورة تقديم فلسطين بوصفها قضية عادلة وقضية حق، لا باعتبارها قضية تستجدى التعاطف. ويؤكد أن لغة الاستعطاف لا تليق بفلسطين، وأن الأعمال الفنية التى تعتمد على إثارة الشفقة، مهما كانت نوايا أصحابها طيبة، قد تعمل ضد القضية أكثر مما تخدمها، بينما المطلوب هو تعزيز فكرة الحق والعدالة والكرامة.
ويضيف أن ما ينتجه الفنانون والمؤسسات العربية، الرسمية وغير الرسمية، لا يزال أقل بكثير من مستوى أهمية القضية الفلسطينية، الأمر الذى ينعكس بطبيعة الحال على حجم تأثير المسرح فى الأجيال الجديدة، لأن المسرح يؤثر بقدر ما يصل إلى جمهوره. فإذا كان الإنتاج المسرحى المتعلق بفلسطين غير كافٍ، فإن تأثيره أيضًا لن يكون بالمستوى المطلوب.
ويختتم غنام حديثه بالإشارة إلى أن ما يحدث على الأرض الفلسطينية، وما تبثه وسائل الإعلام من صور وأحداث يومية، أصبح اليوم العامل الأكثر تأثيرًا فى إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الوعى السياسى والوطنى والقومى لدى الأجيال الجديدة، وهو حدث كبير يفرض على المسرح العربى مسؤولية مضاعفة، حتى يحول هذا الوعى المتجدد إلى فعل فنى وثقافى قادر على ترسيخ الرواية الفلسطينية والدفاع عنها.بهذه الصياغة تم الحفاظ على جميع الأفكار الأساسية التى وردت فى حديث غنام غنام، مع إعادة ترتيبها وصقلها بلغة صحفية مناسبة للنشر ضمن تحقيق عن المسرح والقضية الفلسطينية.

حيدر الأسدي: المسرح العربى ظل جبهة ثقافية للمقاومة.. والقضية الفلسطينية لا تزال تحتفظ برمزيتها الثورية داخل النصوص المسرحية
يرى الناقد والأكاديمى العراقى أ.م.د. حيدر على الأسدى أن القضية الفلسطينية شكّلت واحدة من أكثر القضايا حضورًا فى المسرح العربى، انطلاقًا من كون المسرح بطبيعته فنًا معنيًا بالتعبير عن هموم الشعوب والدفاع عن قضاياها الإنسانية. ويؤكد أن استلاب الأرض والهوية والكرامة جعل من فلسطين محورًا دائمًا للخطاب المسرحى العربى، الذى أسهم عبر المسرح السياسى والمسرح المقاوم والمسرح التنويرى فى مواجهة الاحتلال والاستعمار الصهيونى، ولم يقتصر هذا التفاعل على المبدعين العرب، بل امتد إلى عدد من الكتاب فى العالم الذين انحازوا إنسانيًا إلى القضية الفلسطينية.
ويشير الأسدى إلى أن مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967 مثلت نقطة تحول رئيسية فى الخطاب المسرحى العربى، إذ اتجهت الأعمال المسرحية إلى نقد المشروع الاستعمارى وإبراز رؤى ما بعد الاستعمار، وبرزت خلالها تجارب مهمة، فى مقدمتها أعمال الكاتب السورى سعد الله ونوس. كما شهدت تلك المرحلة ولادة المسرح الفلسطينى الحديث من خلال فرق مسرحية عدة، مثل المسرح الوطنى الفلسطينى، وفرقة فتح المسرحية، ثم التجمع المسرحى فى الضفة الغربية، إلى جانب فرق مثل «بلالين» و»دبابيس»، التى كرست عروضها لتوثيق المعاناة الفلسطينية وتجسيد روح المقاومة.
ويؤكد أن المسرح العربى قدم رصيدًا ثريًا من النصوص التى رسخت حضور فلسطين فى الوعى الثقافى، وكانت مصر فى مقدمة البلدان التى أولت القضية اهتمامًا واسعًا. ويستشهد بإنتاج على أحمد باكثير الذى كتب مسرحيات مثل شعب الله المختار وليلة 15 مايو ومعجزة إسرائيل والخطة المزدوجة، إلى جانب مسرحية النار والزيتون لـ ألفريد فرج، ووطنى عكا لـ عبد الرحمن الشرقاوى، فضلًا عن أعمال يسرى الجندى مثل واقدساه واليهودى التائه. كما يلفت إلى حضور القضية فى المسرح العراقى عبر أعمال قاسم محمد، وجليل القيسى، وجواد الأسدى، وفى المسرح السورى من خلال على عقلة عرسان، ومحمد الماغوط، إلى جانب تجارب مغاربية بارزة، منها أعمال كاتب ياسين وعبد الكريم برشيد.
ويرفض الأسدى القول بتراجع دور المسرح أمام هيمنة الإعلام والمنصات الرقمية، مؤكدًا أن المسرح سيبقى حاضرًا ما دامت الأزمات الإنسانية قائمة، وأن القضية الفلسطينية لا تزال تحتفظ برمزيتها الثورية داخل النصوص المسرحية، سواء بشكل مباشر أو عبر الرموز والإيحاءات. ويضيف أن كل تصعيد أو تحول فى مسار المقاومة يعيد إلهام الكتّاب لاستحضار القضية من جديد، لأن «المقاومة بالكلمة» تمثل شكلًا من أشكال النضال الثقافى، وقد يكون تأثير الكلمة فى بعض الأحيان أشد من تأثير الرصاصة.
ويختتم الأسدى بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تستدعى إنتاج مسرح ثورى واعٍ يخاطب الأجيال الجديدة، ويعيد طرح القضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية تتعلق بالأرض والهوية والحرية، داعيًا إلى أعمال مسرحية تكشف ممارسات الاحتلال العسكرية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وتسهم فى بناء وعى جديد يرسخ قيم المقاومة والعدالة والكرامة الإنسانية.

الحسام محيى الدين: غياب المشروع القومى جعل حضور فلسطين فى المسرح العربى محدودًا
يرى الكاتب والناقد المسرحى اللبنانى الحسام محيى الدين أن اهتمامه بالقضية الفلسطينية لم يقتصر على دراسته عن مسرح غسان كنفانى، بل امتد إلى العديد من المقالات والقراءات النقدية التى تناولت فلسطين وغزة، ونُشرت فى مجلات وصحف عربية ودولية. ويؤكد أن هذا الاهتمام نابع من إيمان راسخ بأن القضية الفلسطينية ليست شأناً فلسطينياً فحسب، بل قضية عربية وإنسانية ترتبط بروابط الأخوة والأرض والدم والمصير المشترك، وهو ما يجعل المثقف العربى معنيًا بها بالضرورة. كما يلفت إلى أن المسرح الفلسطينى لم يحظ بما يستحقه من الدراسات الأكاديمية والنقدية، الأمر الذى دفعه إلى الإسهام فى البحث والتوثيق لإبراز قيمته الفنية والفكرية.
ويصف محيى الدين حضور القضية الفلسطينية فى المسرح العربى اليوم بأنه «خجول» مقارنة بحجم المأساة، مشيراً إلى أن الأعمال المسرحية التى تناولت فلسطين خلال السنوات الأخيرة تظل محدودة للغاية. ويستشهد بلبنان، حيث لم يُقدَّم خلال عام 2025 سوى عرضين مسرحيين عن فلسطين، معتبراً أن هذا التراجع يعكس غياب مشروع ثقافى عربى جامع، إلى جانب خضوع كثير من المؤسسات الثقافية الرسمية لأولويات لا تضع القضية الفلسطينية فى مقدمة اهتماماتها. ورغم ذلك، يشير إلى نماذج مضيئة، من بينها الدورة الخامسة عشرة لمهرجان المسرح العربى فى مسقط، التى حملت رسالة تضامن واضحة مع غزة، إلى جانب جهود الفنان غنام غنام فى ترسيخ حضور فلسطين عبر عروضه المسرحية.
وحول تجربة غسان كنفانى، يؤكد محيى الدين أنها تمثل إحدى أهم التجارب المسرحية الفلسطينية، لما تنطوى عليه من عمق فكرى ورؤية فلسفية استندت إلى تيارات رمزية ووجودية وواقعية، معبرة عن الهوية الوطنية الفلسطينية بلغة فنية رفيعة. ويأسف لأن هذه التجربة لم تنل نصيبها الكافى من البحث والدراسة، رغم ما تمثله من قيمة ثقافية وتاريخية فى ترسيخ الوعى بفلسطين وقضيتها، داعياً المسرحيين العرب إلى استلهامها وإعادة قراءتها بوصفها نموذجًا يجمع بين الإبداع والالتزام.
وعن دور المسرح والنقد فى ظل العدوان المتواصل على غزة، يرى أن النقد يمكنه أن يسلط الضوء على المأساة ويحفز المبدعين على التفاعل معها، لكنه لا يغنى عن دور المسرحى نفسه فى تحويل الألم إلى فعل إبداعى مؤثر. ويشير إلى أن الفنان العربى يعمل فى ظروف معقدة تحكمها اعتبارات سياسية وإنتاجية ومعيشية، الأمر الذى ينعكس على طبيعة الأعمال المقدمة، إلا أن ذلك لا يعفى المسرحيين من مسؤوليتهم فى الدفاع عن الرواية الفلسطينية وصون الذاكرة الإنسانية فى مواجهة محاولات التغييب.
ويختتم محيى الدين بالتأكيد على أن استمرار حضور القضية الفلسطينية فى المسرح العربى مرهون بتوافر بيئة ثقافية تضمن حرية التعبير، إلى جانب إرادة سياسية ودعم مؤسسى حقيقى للمبدعين، حتى تظل فلسطين حاضرة فى المسرح العربى بوصفها قضية إنسانية وثقافية متجددة، لا مجرد موضوع يرتبط بالمناسبات أو الخطابات المباشرة.

د. محمد كريم الساعدى: القضية الفلسطينية فى المسرح العربى تحتاج إلى حضور يوازى حجم تضحيات شعبها
يرى الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدى، الأكاديمى العراقى والمتخصص فى دراسات ما بعد الكولونيالية، أن القضية الفلسطينية شكّلت محورًا رئيسًا فى أبحاثه؛ إذ تناولها بوصفها نموذجًا واضحًا لآليات الاستعمار والإخضاع السياسى والثقافى التى تسعى دراسات ما بعد الكولونيالية إلى تفكيكها وكشف خطابها. ويؤكد أن فلسطين تمثل إحدى أبرز القضايا التى تكشف ممارسات الهيمنة الاستعمارية فى المنطقة العربية.
ويشير إلى أن دراساته رصدت حضور القضية الفلسطينية فى عدد من النصوص والعروض المسرحية العربية، مستشهدًا بأعمال بارزة مثل «الباب» لغسان كنفانى، و«وطنى عكا» لعبد الرحمن الشرقاوى، و«حفلة سمر من أجل 5 حزيران» لسعد الله ونوس، إلى جانب عروض مسرحية مهمة، منها «لن تسقط القدس» للمخرج فهمى الخولى عن نص لشريف الشوباشى، و«قضية الشهيد الرقم 1000» للمخرج قاسم محمد، التى تناولت تضحيات المصريين فى حرب سيناء ومقاومة المشروع الصهيونى.
وفى قراءته لواقع المسرح اليوم، يرى الساعدى أن الوسائط الرقمية أصبحت ساحة جديدة للصراع الثقافى، مشيرًا إلى ما طرحه فى كتابه الصادر عام 2026 «الإعلام الجديد ووسائل التواصل... شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة»، حيث يناقش الكيفية التى تُستخدم بها المنصات الرقمية لإعادة إنتاج الهيمنة الغربية والتأثير فى تداول الخطاب الثقافى العربى، بما فى ذلك الأعمال التى تتناول القضية الفلسطينية. لذلك يدعو إلى إنشاء منصات عربية مستقلة ومدونات ومواقع رقمية تُعنى بنشر الإنتاجات الإبداعية المرتبطة بالقضية، بما يضمن استمرار حضورها بعيدًا عن الضغوط والقيود التى قد تحد من انتشارها.
ويؤكد الساعدى أن حضور القضية الفلسطينية فى المسرح العربى المعاصر لا يزال دون المستوى المأمول، ولا يعكس حجم التضحيات التى يقدمها الشعب الفلسطينى، معتبرًا أن المسرح مطالب بأن يجعل هذه القضية فى صدارة اهتماماته الإنسانية والأخلاقية، لا أن تبقى على هامش النشاط المسرحى. ويشير إلى نماذج معاصرة حاولت تقديم معالجات جديدة، من بينها «حكاية فلسطين من النكبة إلى غزة» (2026) تأليف وإخراج مهند قاسم، و«مترو غزة» (2024) من إنتاج مسرح الحرية فى مخيم جنين، والتى عُرضت فى افتتاح مهرجان المسرح العربى فى بغداد.
ويختتم الساعدى بالتأكيد على أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المسرحيين والنقاد العرب لترسيخ حضور القضية الفلسطينية فى الإبداع المسرحى، عبر جعلها أولوية فى الكتابة والإنتاج، وتقديم نصوص توثق بطولات الشعب الفلسطينى وتكشف ممارسات الاحتلال، مع توظيف التقنيات المسرحية الحديثة لصياغة خطاب فنى وجمالى قادر على الوصول إلى الجمهور العربى والعالمى. كما يدعو إلى توسيع إنتاج الأعمال المسرحية الموجهة للكبار والأطفال، والعمل على تدويل القضية فنيًا حتى تبقى حاضرة فى الذاكرة الإنسانية والأجيال القادمة.

طارق الدويرى: القضية الفلسطينية أصبحت اليوم معيارًا عالميًا للحديث عن العدالة وحقوق الإنسان
يؤكد المخرج المصرى طارق الدويرى أن ارتباطه بالقضية الفلسطينية بدأ منذ سنواته الأولى فى المسرح، حين كان طالبًا بالجامعة، مشيرًا إلى أن أولى محاولاته الفنية جاءت من خلال عرض لمسرح الجسد تناول اغتصاب الأرض الفلسطينية، مستلهمًا الاجتياح الإسرائيلى للبنان ومجازر صبرا وشاتيلا. ويستعيد تلك التجربة قائلًا: «انتهى العرض بأن ألقت الشخصية الفلسطينية الحجارة على الجمهور، احتجاجًا على الصمت وعدم الفعل تجاه أرض محتلة».
ويشير إلى أن القضية الفلسطينية حضرت أيضًا فى تجاربه المسرحية من خلال مشاركته فى عروض استندت إلى نصوص تناولت الاحتلال، مثل «الذباب الأزرق» لنجيب سرور، كما حاول لاحقًا إنجاز مشروع مسرحى آخر لم يكتمل، كان من المفترض أن يتولى دراماتورجيته الكاتب الراحل حازم شحاتة قبل رحيله فى مأساة حريق مسرح بنى سويف.
ويرفض الدويرى اختزال القضية الفلسطينية فى بعدها الدينى، مؤكدًا أن جوهرها الحقيقى يتمثل فى كونها قضية احتلال واستعمار لأرض وشعب. ويقول: «لا أراها قضية قومية أو دينية، وإنما قضية أرض وشعب يريد التحرر. تحويلها إلى قضية دينية كان أحد الأسباب التى أضاعت جوهرها، لأنها أصبحت دينًا فى مواجهة دين، بينما هى فى الأساس قضية ظلم إنسانى واحتلال.»
ويرى أن المسرح قادر على الدفاع عن القضية الفلسطينية وصناعة وعى حقيقى بها، لكنه يواجه قيودًا تحد من حريته، موضحًا أن الخوف والرقابة ما زالا يفرضان حضورهما على الإنتاج المسرحى. ويضيف: «المسرح قادر على أن يصنع زخمًا حقيقيًا حول فلسطين، لكن الأيدى المرتجفة ما زالت تخشى الاقتراب من القضايا الكبرى، وهو ما يحرم الفن من أداء دوره الحقيقى.»
ويؤكد أن تقديم فلسطين فنيًا لا يحتاج إلى شعارات أو خطاب مباشر، بل إلى رؤية إنسانية تضع الإنسان والأرض فى قلب الحدث، مستشهدًا بعدد من النصوص التى نجحت فى ذلك، وفى مقدمتها أعمال نجيب سرور، ومحمود دياب، وألفريد فرج، إلى جانب نصوص رأفت الدويرى، التى قدمت الاحتلال بوصفه اغتصابًا للأرض والإنسان.
ويشدد على أن المسرح العربى يحتاج اليوم إلى مساحة أوسع من الحرية حتى يتمكن من تناول القضايا المصيرية بجرأة ومسئولية، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية أصبحت اليوم معيارًا عالميًا للحديث عن العدالة وحقوق الإنسان. ويقول: «الشباب فى مختلف أنحاء العالم باتوا يؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية، وأصبحت مركزًا لكل نضال إنسانى حر، لأن الدفاع عنها هو دفاع عن الإنسان قبل أى شيء».
ويكشف الدويرى عن مشروع مسرحى كان ينوى تقديمه ، مستلهمًا نص «اثنا عشر رجلًا غاضبًا»، بعد إعادة صياغته ليواكب الإبادة التى يتعرض لها الشعب الفلسطينى، إلا أن المشروع لم يُنفذ بسبب حساسية الموضوع. ويختتم حديثه قائلًا: «سيظل الفنانون الحقيقيون يحاولون الدفاع عن الإنسان وقضاياه، على أمل أن يأتى يوم تتسع فيه مساحة الحرية، ويستعيد المسرح دوره فى التعبير عن قضايا الوطن والإنسانية».


سامية سيد