العدد 981 صدر بتاريخ 15يونيو2026
هل نحن أحرار حقًا فى اختياراتنا أم أن مصائرنا كتبت قبل أن نولد؟ هذا هو ما طرحه عرض «زائد واحد» من خلال عرض فانتازى كوميدى داخل راحم امرأة، فيطرح العرض قضية الجبر والاختيار ويحاول الاقتراب من أسئلة الوجود والحياة بلغة بسيطة وخفيفة، دون أن يفقد عمقها الفلسفى. وفى رحلته لا يناقش فقط ما إذا كان الإنسان مخيرًا أم مسيرًا بل يدعونا للتفكير فى الطريقة التى ننظر بها إلى حياتنا، وكيف يمكن أن تتغير أحكامنا عليها من حيث الجزء الذى نراه منها.
تدور أحداث عرض زائد واحد داخل عالم فانتازى يتخيل الرحم كأنه قسم كامل يعمل به عدد من الموظفين مهمتهم رعاية الجنين حتى يحين موعد ولادته. لكن الأمور تتعقد عندما ينسى الموظفون أن يجعلوا حمو (أحد الأجنة) يوافق على حياته ويوافق على الخروج إلى الحياة ، وهذا يجعل الجنين يعود إليهم من جديد لتتم موافقته حتى تتم عملية الولادة، فحاول العاملون عرض مستقبله عليه عن طريق تجسيدهم لحياته، وبسبب أن جزءًا من البيانات تلفت، فتصل إليه حياته فى صورة مشاهد متفرقة وناقصة. وبعد كل مشهد يكتشف الجنين جانبًا جديدًا من المعاناة التى تنتظره؛ أسرة مفككة، وعلاقات عاطفية مرتبكة، وأحلام تدمر أمام ضغوط الواقع، وهذا ترتب عليه أن الجنين يتمسك برفضه للخروج إلى الحياة، متسائلًا عن فائدة القدوم إلى عالم مليئًا بالخسارات. ولكن عندما عرض عليه فى نهاية الأمر مشهد لحفيدته وهى تتحدث معه ، وهذا المشهد يكشف له فى النهاية أن الحياة لا تقاس بلحظات الألم فقط وأن هناك أشياء صغيرة قد تمنحها معنى وسعادة رغم كل شيء.
فالجنين فى هذا العرض لا يرفض الحياة لأنه متمرد أو مختلف عن غيره بل لأنه يرى جانبًا واحدًا منها. كل ما يصل إليه عبارة عن خيبات متتالية ومن الطبيعى بعد كل هذا أن يسأل لماذا أختار حياة كهذه من الأساس؟...فلا يناقش العرض فكرة الجبر والاختيار بالطريقة المعتادة فلا يوجد شخص يقف ليخبرنا إن الإنسان مخير أو مسير. والنهاية وضحت فكرة أن الحياة لا تقاس بحجم المعاناة التى تحتويها، وإنما بالأثر الذى نتركه وراءنا. فكانت لحظة الحفيدة فى نهاية العرض كأنها تذكير بأن هناك أشياء لا يمكن رؤيتها إلا بعد اكتمال الرحلة وأن ما يبدو بلا معنى فى بدايته قد يصبح أكثر الأشياء قيمة فى نهايته. وهكذا يتضح أن موضوع العرض لم يكن فقط أن الإنسان مخير أو مسير، حيث يهمس العرض بفكرة أخرى، أن ربما المشكلة ليست فى الحياة نفسها، بل فى أننا نحاول دائمًا الحكم عليها من خلال لحظات الألم فقط.
على المستوى النفسى يتضح فى العرض أن الجنين يعانى من مشكلة وهى الخوف من المجهول. فقبل أن يخطو أول خطوة فى الحياة يجد نفسه مطالبًا باتخاذ قرار مصيرى لكنه كلما شاهد جزءًا من مستقبله ازداد ترددًا ورفضًا، ولكنه لم يكن يخاف من الحياة نفسها بل خوفه ناتج عن الألم الكامن فيها. وخوفه هذا مفهوم نوعًا ما لأن كل ما عرض أمامه تقريبًا كان يحمل قدرًا من الخسارة والمعاناة. وهذا الخوف ناتج عن أنه لم ير حياته كاملة، بل رأى أجزاءً متفرقة منها. وهنا تكمن المفارقة النفسية؛ فالإنسان حين ينظر إلى جراحه فقط يظن أن حياته كلها مؤلمة، وحين يتذكر لحظات السعادة وحدها يعتقد أن كل شيء كان جميلًا، بينما الحقيقة غالبًا تقع فى المسافة بين الاثنين.
فى النهاية عندما وافق «حمو» على الولادة لم تكن تلك الموافقة انتصارًا للحياة بقدر ما تبدو مصالحة معها. فهو لم يكتشف فجأة أن العالم مكان مثالى ولم تختفِ المعاناة التى رآها، لكنه أدرك أن الحياة أكبر من مجموع آلامها، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعرف قيمة الرحلة كلها من خلال النظر إلى بعض محطاتها فقط.
من ناحية أخرى من الممكن النظر إلى الرحم باعتباره أكثر من مجرد مكان للأحداث. فهو يمثل المنطقة الآمنة التى يخشى الإنسان مغادرتها. ذلك المكان الذى لا توجد فيه مسؤوليات أو خسارات أو قرارات صعبة، لذلك تصبح الولادة فى العرض أشبه بالقفز إلى المجهول، أو الموافقة على خوض تجربة لا يملك أحد ضمان نتائجها.
يوجد فى العرض صراع أخر على أن الإنسان مخير أم مسير وهذا الصراع كان فى شخصية فلة فكانت ترمز لشخص يحاول انتزاع حقه فى الاختيار داخل عالم اعتاد أن يقرر عنه الآخرون. لذلك لم يكن صراعها بعيدًا عن صراع الجنين، فكلاهما يبحث بطريقته عن مساحة من الحرية وسط واقع يفرض عليه قرارات لم يشارك فى صنعها.
السينوغرافيا
من بداية العرض يجد المتفرج نفسه داخل عالمه دون حاجة إلى شروحات كثيرة. فكان من الصعب تجاهل الجهد المبذول فى السينوغرافيا، فلم يكن الديكور مجرد خلفية للأحداث، بل كان جزءًا أساسيًا منها. تصميم الرحم جاء مليئًا بالتفاصيل التى جعلت الفكرة أكثر قابلية للتصديق وكأن الشخصيات تعيش بالفعل داخل هذا العالم الذى ابتكره العرض. لذلك لم تكن الفانتازيا بعيدة أو مفتعلة بل كاتت طبيعية ومنسجمة مع ما يحدث على الخشبة.
الأداء التمثيلى
كان محمد فى دور الجنين أحد أبرز عناصر العرض. فقد نجح فى نقل التحولات النفسية للشخصية بين الفضول والخوف والرفض والحيرة دون مبالغة، وجعل المتفرج يتعاطف مع أسئلته واعتراضاته رغم غرابة الموقف نفسه.
كما لفتت رويدا نبيل الانتباه بحضورها وخفة ظلها. ورغم أن الشخصية التى قدمتها ليست محور الأحداث الرئيسى فإنها استطاعت أن تترك أثرًا واضحًا. وما يميز أداءها أنها تعتمد على كوميديا طبيعية بعيدة عن الافتعال أو المبالغة. كذلك أظهرت قدرة جيدة على التنقل بين أكثر من حالة وأداء داخل العرض دون أن تفقد صدقها أو حضورها.
ويحسب للمخرج «محمود فؤاد صدقي» حسن اختياره للممثلين وتسكينهم فى الأدوار المناسبة لهم، وهو ما منح العمل حالة من الانسجام وساعد على وصول الكوميديا بسلاسة إلى الجمهور.
كما جاءت الاستعراضات والأغانى جزءًا من نسيج العرض لا عنصرًا منفصلًا عنه فقد أضافت خفة وإيقاعًا مناسبين لطبيعة العمل، خاصة أن النص يتعامل مع أفكار فلسفية قد تبدو ثقيلة لو قدمت بشكل مباشر. لذلك لعبت الأغانى والحركة دورًا مهمًا فى الحفاظ على حيوية العرض وإيقاعه.
فالإخراج كان واعيًا بطبيعة الفكرة التى يقدمها، فبدلًا من الاستغراق فى الطابع الفلسفى للنص اختار أن يقدمه فى إطار كوميدى فانتازى ممتع يسمح للجمهور بالتفكير والضحك فى الوقت نفسه. وبهذا ظهرت قوة العرض فى قدرته على طرح أسئلة كبيرة ومعقدة دون أن يفقد روحه الخفيفة أو متعته المسرحية.
فى النهاية لا يخبرنا عرض «زائد واحد» أن الحياة جميلة دائمًا، فهو نفسه لا ينكر ما فيها من ألم وخسارات وخيبات لكنه يذكرنا بأن النظر إلى جزء واحد من الصورة قد يقودنا إلى أحكام ناقصة. فالجنين رفض الحياة لأنه رأى جانبًا منها فقط، وحين اكتملت أمامه بعض ملامح الصورة، تغير قراره. وغادر الجمهور من العرض بفكرة أن الحياة أكبر من لحظة حزن وأوسع من تجربة فشل، وأن ما لا نراه اليوم قد يكون هو الجزء الذى يمنح كل ما قبله معنى مختلفًا.