أحمد فؤاد: «باكثير».. لم يكن مجرد كاتب بل مشروع فكرى وفنى متكامل

أحمد فؤاد: «باكثير».. لم يكن مجرد كاتب بل مشروع فكرى وفنى متكامل

العدد 980 صدر بتاريخ 8يونيو2026

فى تجربة مسرحية تمزج بين الغناء والاستعراض والدراما والسرد البصرى، قدّم المخرج أحمد فؤاد عرضه «متحف باكثير»، مستعيدًا عالم الأديب الكبير على أحمد باكثير برؤية معاصرة تتجاوز الشكل التوثيقى التقليدى.
العرض لا يكتفى باستعراض سيرة باكثير، بل يحاول إعادة اكتشاف أثره الفكرى والإنسانى عبر رحلة مسرحية ملحمية تتحرك بين التاريخ والتراث والواقع، مستندًا إلى عالم بصرى وغنائى متنوع يخاطب الأجيال الجديدة بلغة قريبة من وجدانهم.
فى حواره لمسرحنا، يتحدث المخرج أحمد فؤاد عن كواليس «متحف باكثير»، والتحديات الدراماتورجية والإخراجية التى واجهته، ورؤيته للمسرح الغنائى.

ما الذى جذبك لتقديم عرض مسرحى عن شخصية بحجم الأديب على أحمد باكثير؟
شخصية على أحمد باكثير من الشخصيات الأدبية شديدة الأهمية، لكنه لم يحصل على الانتشار الجماهيرى الذى ناله أدباء كبار مثل طه حسين ونجيب محفوظ، رغم أنه كان صاحب مشروع أدبى وفكرى بالغ الثراء، وارتبط بعلاقة فكرية وإنسانية مهمة مع نجيب محفوظ لفترة طويلة.
والمفارقة أن الجمهور يعرف الكثير من أعماله ويحبها، مثل «وإسلاماه» و«الشيماء أخت الرسول» و«جلفدان هانم»، لكنه لا يدرك دائمًا أن باكثير هو صاحب هذه الأعمال.
لذلك شعرت بأن هناك ضرورة لإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بشكل مختلف وأكثر قربًا من وجدانهم.
كما أن حماس مؤسسة حضرموت للثقافة لإطلاق احتفالية وجائزة تحمل اسمه منحنا دافعًا إضافيًا لتقديم عمل يليق بقيمة هذا الكاتب الكبير، ويحتفى بتنوعه الفنى والإنسانى.
كيف تعاملت مع تحويل سيرة أدبية ثرية إلى عرض مسرحى غنائى ملحمى؟
منذ البداية لم أكن أبحث عن تقديم سيرة ذاتية تقليدية، بل كنت أبحث عن روح باكثير نفسها؛ عن الأفكار والرؤى التى صنعت عالمه الأدبى. 
لذلك قضيت وقتًا طويلًا فى قراءة أعماله ومحاولة اكتشاف الرابط الخفى بين كل هذه العوالم المختلفة التى كتبها.
فوجدت أن شخصياته نفسها تمثل مفتاح الدخول إلى هذا العالم؛ فهو يستلهم شخصيات تاريخية وتراثية مثل شهرزاد وجحا والحاكم بأمر الله، لكنه يعيد تقديمها برؤية معاصرة تحمل إسقاطات إنسانية وسياسية وفكرية، فمن هنا جاءت فكرة “المتحف”، باعتباره مساحة تجمع كل هذه الشخصيات والعوالم فى تجربة مسرحية واحدة.
وكنا حريصين على أن يكون العرض احتفاليًا ومتنوعًا، لذلك مزجنا بين المسرح والغناء والاستعراض والسينما والأدب، لنؤكد أن باكثير لم يكن مجرد كاتب مسرحى، بل مشروعًا فنيًا متكاملًا.
العرض يتجاوز الشكل التوثيقى التقليدى.. كيف صغت هذه الرؤية دراماتورجيًا؟
كنت مؤمنًا أن تقديم باكثير بشكل توثيقى مباشر سيحوّل العرض إلى محاضرة أو ندوة، بينما المسرح يجب أن يبقى فعلًا حيًا وممتعًا.
ولذلك كان التحدى الأساسى هو كيف نقدم شخصية أدبية كبيرة دون الوقوع فى فخ السرد التقليدى.
ولهذا السبب جعلنا بطلة العرض فتاة من جيل الـGen Z، لا تعرف شيئًا عن باكثير ولا تهتم بالأدب، لكنها تدخل هذا العالم تدريجيًا عبر الشخصيات والأحداث، فتكتشف قيمته الفنية والإنسانية بنفسها.
والفكرة كانت أن يتعرف الجمهور على باكثير من خلال أثره، لا من خلال معلومات عنه. أردنا أن يرى الناس الفن أولًا، ثم يكتشفوا صاحب هذا الفن فى النهاية.
هل كان هدفك تقديم باكثير كرمز أم كإنسان له صراعاته؟
ما كان يشغلنى أكثر هو تقديمه كصاحب مشروع فكرى وإنسانى، لأن الفنان الحقيقى يترك أثره من خلال أفكاره وقيمه، وليس فقط من خلال تفاصيل حياته الشخصية.
ولذلك لم يكن هدفى التوقف عند حياته الخاصة أو صراعاته اليومية، بل التركيز على الطريقة التى تعامل بها مع التاريخ والتراث، وكيف استخدم شخصيات مثل جحا أو الحاكم بأمر الله ليطرح أسئلة معاصرة مرتبطة بالإنسان والسلطة والحرية والوعى.
وكنت أريد أن أقول إن كثيرًا من القيم التى تشكل وجداننا الثقافى اليوم، وصلتنا عبر «باكثير»، حتى لو لم نكن ندرك ذلك.
بصفتك دراماتورج العرض، كيف قمت بدمج أعمال متعددة لباكثير داخل نسيج درامى واحد؟
الخيط الدرامى الأساسى كان فكرة “المتحف”، باعتباره عالمًا مفتوحًا تتحرك داخله الشخصيات والأفكار المختلفة.
قمنا بتقسيم التجربة إلى محطات تاريخية وفكرية متعددة؛ هناك العالم الفرعونى، والعالم العربى والإسلامى، ثم العالم الحديث، وكل مساحة تحمل روحًا مختلفة، لكنها تعود فى النهاية إلى المصدر نفسه، وهى رؤية باكثير الإنسانية.
والتحدى الحقيقى كان فى التكثيف؛ كيف نحول نصوصًا كاملة وأعمالًا كبيرة إلى مشاهد قصيرة تحتفظ بجوهرها من دون إخلال أو تبسيط مخل، وهو ما تطلب مجهودًا دراماتورجيًا كبيرًا.
ما المعايير التى اعتمدت عليها فى اختيار النصوص والمشاهد؟
كنت حريصًا على أمرين أساسيين: القيمة الفكرية، والتنوع الفنى.
واخترنا نصوصًا تمثل مختلف أشكال الكتابة عند باكثير؛ من المسرح الشعرى إلى الرواية والسينما، مع التركيز على الأعمال التى تحمل أفكارًا واضحة وقابلة للوصول إلى الجمهور المعاصر.
كما كان مهمًا بالنسبة لى أن نستعين بأعمال يعرفها الجمهور بالفعل، حتى لو لم يكن يعرف أنها من تأليف باكثير، لأن ذلك يخلق رابطًا وجدانيًا مباشرًا بينه وبين المتلقى.
كيف حافظت على وحدة الخط الدرامى رغم تنوع العوالم؟
وحدة الخط الدرامى اعتمدت على العلاقة بين باكثير والفتاة التى تخوض رحلة اكتشاف عالمه داخل المتحف.
وكانت هذه العلاقة هى الخيط الذى يعيد جمع كل المشاهد مهما اختلفت الأزمنة أو الأساليب أو طبيعة الشخصيات. 
وفى كل مرة يعود العرض إلى فكرته الأساسية: كيف استطاع باكثير أن يقرأ التاريخ بعين معاصرة، وأن يقدم قضايا ما زالت قريبة من إنسان اليوم.
هل أضفت رؤى معاصرة على نصوص باكثير.. وكيف تعاملت مع لغته وأسلوبه؟
بالتأكيد كانت هناك رؤية معاصرة فى التقديم، لكن من دون المساس بروح النصوص الأصلية.
ولذلك عملنا على تكثيف بعض الأحداث، واختيار المشاهد الأكثر تأثيرًا، كما قمنا بتبسيط اللغة فى بعض المواضع، لأن لغة باكثير العربية شديدة العمق والثراء، وكان من الضرورى تقريبها إلى جمهور اليوم، خاصة الشباب.
وفى بعض المشاهد، خصوصًا ذات الطابع الفرعونى، اعتمدنا أكثر على الصورة البصرية والاستعراض والموسيقى لتوصيل الفكرة بشكل أكثر حداثة وحيوية.
كيف تعاملت مع تقديم عرض يضم هذا العدد الكبير من الممثلين؟
رغم صعوبة العرض، فإنه من أكثر التجارب التى شعرت فيها بالراحة كمخرج، بسبب حالة الإخلاص الكبيرة التى كانت موجودة داخل فريق العمل.
الممثلون كانوا يتحركون بين شخصيات متعددة فى وقت قصير جدًا، وينتقلون بين الكوميديا والتراجيديا، وبين الفصحى والعامية، وهو أمر مرهق للغاية على المستوى التمثيلى، لكن الجميع كان يعمل بروح جماعية حقيقية ورغبة صادقة فى تقديم أفضل ما لديهم.
ما أبرز التحديات الإخراجية التى واجهتك فى «متحف باكثير»؟
أصعب تحدٍ كان الحفاظ على إيقاع متماسك داخل عرض شديد التنوع.
لأن العرض ينتقل بين عوالم مختلفة جدًا؛ من مشاهد تأملية ذات طابع فرعونى، إلى مشاهد سياسية سريعة، ثم لحظات كوميدية أو غنائية. وكان الخطر دائمًا أن يشعر الجمهور بالتشتت أو الانفصال بين هذه الأجواء المختلفة.
ولذلك كان علينا أن نصنع إيقاعًا داخليًا يحافظ على تماسك التجربة ويمنح الجمهور إحساسًا مستمرًا بالترابط والانسياب.
كيف وظّفت عناصر الغناء والحركة فى خدمة السرد الدرامي؟
أنا مؤمن جدًا بفكرة الغناء الحى داخل المسرح، لأن الأغنية عندما تكون مرتبطة بالفعل الدرامى تتحول إلى جزء من الحكاية نفسها، وليس مجرد استعراض منفصل عنها.
ولذلك حرصنا على أن تكون الموسيقى والغناء امتدادًا للحالة الدرامية، وأن يظل التفاعل حيًا ومباشرًا بين الممثلين والجمهور طوال العرض.
ما الذى يميز هذا العرض بصريًا مقارنة بأعمالك السابقة؟
أعتقد أن “متحف باكثير” من أكثر أعمالى اعتمادًا على الصورة البصرية المركبة، خاصة فى المشاهد الفرعونية التى شاركت فيها عناصر الديكور والملابس والاستعراض والإضاءة والموسيقى فى بناء حالة كاملة.
فكان هدفى أن تصبح الصورة نفسها جزءًا من السرد، وأن تساعد فى تبسيط الأفكار الفلسفية والتاريخية للجمهور المعاصر.
كيف استقبلت ردود فعل الجمهور بعد عرض “متحف باكثير”؟
ردود الفعل كانت مؤثرة ومفرحة جدًا، خاصة أن الجمهور تفاعل مع العرض بشكل يفوق توقعاتنا، سواء فى دار الأوبرا المصرية أو على مسرح الفلكى.
وفكرة أن نضطر لإضافة حفلات جديدة بسبب الإقبال الجماهيرى كانت رسالة مهمة بالنسبة لنا، تؤكد أن الجمهور ما زال متعطشًا للأعمال الجادة.
ما أكثر تعليق أثّر فيك شخصيًا؟
أكثر ما يسعدنى دائمًا هو الحديث عن المواهب الجديدة، وأن الناس ترى حجم الطاقات الحقيقية الموجودة فى مصر.
فالعرض ضم عددًا كبيرًا من الشباب الذين ما زالوا فى بداياتهم، وبعضهم يمتلك إمكانيات مدهشة على مستوى التمثيل والغناء والحضور المسرحى.
و لذلك كان أكثر ما أثر فيّ هو شعور الناس بأن مصر ما زالت قادرة على إنجاب مواهب حقيقية ومهمة.
كيف ترى مستقبل المسرح الغنائى الملحمى فى العالم العربي؟
أرى أن المسرح الغنائى بدأ يستعيد مكانته تدريجيًا، وهناك جمهور أصبح يبحث عن هذا النوع من العروض ويتفاعل معه بشكل كبير.
والتجارب الأخيرة أثبتت أن المسرح الغنائى يمكن أن يكون معاصرًا وحديثًا وقادرًا على مخاطبة الجمهور الحالى، بشرط أن يرتبط بالدراما الحقيقية وألا يتحول إلى مجرد استعراض منفصل عن الحكاية.
هل استعنت بالذكاء الاصطناعى فى هذا العرض؟
استخدمنا بعض أدوات الذكاء الاصطناعى فى تنفيذ أجزاء من الجرافيكس والمؤثرات البصرية، لكننى لا أؤمن بأن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يصنع الإبداع الفنى الحقيقى.
كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعى على عملية الإخراج والكتابة المسرحية؟
أعتقد أن الذكاء الاصطناعى قد يكون مفيدًا كأداة مساعدة فى بعض التفاصيل التقنية أو التنظيمية، لكنه لا يستطيع أن يمتلك الحس الإنسانى الذى يقوم عليه الفن.
والإخراج فى النهاية قائم على الخبرة والحدس والمشاعر والتفاعل الإنسانى، وهذه أمور لا يمكن اختزالها فى معادلات أو بيانات.
هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعى شريكًا إبداعيًا فى المسرح؟
أراه أداة داعمة أكثر من كونه شريكًا حقيقيًا فى العملية الإبداعية.
فالفن فى جوهره قائم على المشاعر الإنسانية، وعلى قدرة الفنان على التأثير فى وجدان المتلقى، وهذه المنطقة تحديدًا ما زالت بعيدة عن أى معالجة آلية مهما تطورت التكنولوجيا.
بعد «متحف باكثير».. ما المشاريع التى تطمح لتقديمها؟
أعمل حاليًا على مشروع جديد فى مسرح السلام، وهو عرض كوميدى يحمل أبعادًا فلسفية، من تأليف أحمد الملوانى.
كما أننى مهتم جدًا بالاستمرار فى تقديم عروض توثق لرموز الثقافة العربية، لأن لدينا قامات فكرية وفنية كبيرة تستحق أن تُقدَّم للأجيال الجديدة بشكل فنى حى وقادر على البقاء.


صوفيا إسماعيل