العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026
لم يعد المسرح اليوم ذلك الفن القائم على الكلمة وحدها، كما لم يعد مجرد فضاء للفرجة البصرية الخالصة. ففى عالم تحكمه الشاشات وتتسارع فيه الصورة وتتشابك فيه التقنيات مع تفاصيل الحياة اليومية، وجد المسرح نفسه أمام تحولات جمالية وفكرية كبرى أعادت طرح الأسئلة القديمة بصيغ أكثر تعقيدًا: هل تغيّرت وظيفة النص؟ وهل أصبحت الصورة هى المحرك الأساسى للعرض المسرحى أم أن الكلمة ما زالت قادرة على منح المسرح عمقه الإنسانى والفلسفي؟
ومع التطور المتسارع فى السينوغرافيا والإضاءة والوسائط الرقمية، اتجهت تجارب مسرحية عديدة إلى بناء خطابها عبر الصورة والحركة والإيقاع البصري، بينما تمسك آخرون بأهمية النص والحوار باعتبارهما روح المسرح وذاكرته الحية. وبين هذين الاتجاهين، ظهرت رؤى تدعو إلى تجاوز فكرة الصراع أصلًا، والتعامل مع المسرح بوصفه فنًا مركبًا تتكامل داخله الكلمة مع الصورة، لا أن يُقصى أحدهما الآخر.
فى هذا التحقيق، تتعدد الأصوات وتختلف المقاربات بين مخرجين وكتاب ونقاد ومصممى ديكور، لكنهم يجتمعون عند سؤال جوهرى يتعلق بمستقبل المسرح المعاصر وحدود العلاقة بين الفكر والفرجة، وبين الدلالة البصرية واللغة الدرامية. فهل يعيش المسرح فعلًا عصر الصورة؟ أم أن الكلمة ما زالت القلب الخفى الذى يمنح المشهد روحه ومعناه؟
عصام السيد: المسرح لم يكن يومًا صراعا بين الكلمة والصورة
يرى المخرج عصام السيد أن الحديث عن صراع بين الكلمة والصورة فى المسرح هو طرح غير دقيق، لأن المسرح ــ فى جوهره ــ قائم منذ نشأته على المزج بين العنصرين معًا. فلو غابت الصورة تمامًا لتحول العرض إلى مجرد إذاعة مسموعة، بينما ظلت الصورة دائمًا شريكًا أساسيًا للكلمة، وإن كانت قد شهدت تطورات متلاحقة فرضتها التكنولوجيا والتحولات الفكرية والجمالية عبر التاريخ.
ويؤكد أن تطور الصورة المسرحية ارتبط بعوامل عديدة، من بينها ظهور الكهرباء، وتطور تقنيات الإضاءة، وظهور مدارس ومناهج إخراجية جديدة نقلت المسرح من الواقعية المباشرة إلى التعبيرية والرمزية. فالصورة لم تعد مجرد نقل للواقع، بل أصبحت وسيلة للتأويل والتكثيف وخلق المعنى.
ويشير إلى أن عددًا من رواد المسرح العالمي، مثل إدوارد جوردون كريج وفيسفولد مايرهولد ويفغينى فاختانغوف، سعوا إلى منح الصورة قدرة أكبر على التعبير من خلال الإضاءة والديكور والجسد، بالتزامن مع الثورة على المسرح الواقعي، لكن أحدًا منهم ــ بحسب قوله ــ لم يلغِ الكلمة بشكل كامل.
ويضيف أن التحولات الفكرية المرتبطة بما بعد الحداثة أسهمت فى كسر الثنائيات التقليدية، ومنها ثنائية الكلمة والصورة، لتصبح الصورة أكثر حضورًا داخل العرض المسرحي، خاصة مع صعود فكرة “ تأويل المتلقي”، حيث لم يعد العرض يقدم رسالة واحدة مغلقة، بل بات مجموعة من الدلالات التى يفسرها كل مشاهد وفق وعيه وثقافته وخبراته الخاصة.
ويرى أن هذا الاتجاه يبدو أكثر وضوحًا فى المسرح الغربي، بينما ما زال المتلقى الشرقى متعلقًا بـ” الحدوتة ” والرسالة المباشرة والفهم الواضح للعرض. كما يربط هذا التحول بظهور السيميولوجيا، التى تعتبر أن كل عنصر داخل العرض ــ من صوت وضوء وحركة وصورة ــ يحمل دلالة يجب قراءتها ضمن السياق الكلى للعرض، لا بشكل منفصل.
ويؤكد عصام السيد أن النص المسرحى لم يعد العنصر الوحيد أو المطلق فى صناعة العرض، بل أصبح مكونًا ضمن منظومة بصرية وسمعية وأدائية متكاملة، لكنه يحذر فى الوقت نفسه من التقليد الأعمى للتجارب الغربية، موضحًا أن المسرح العربى لم يمر بنفس الظروف الفكرية والسياسية التى أنتجت “مسرح الصورة”، ولذلك يجب الاستفادة من هذه التجارب لا استنساخها.
ويقول إن البعض يخلط بين “مسرح الصورة” و” الإبهار البصري”، بينما الفارق بينهما كبير؛ فالإبهار يمكن تحقيقه بالإمكانات التقنية والميزانيات الضخمة، أما مسرح الصورة فهو رؤية جمالية وفكرية لا يشترط أن تكون مبهرة بصريًا.
كما يشدد على أن طبيعة الجمهور تظل عاملًا مؤثرًا فى اختيارات المخرج البصرية، إلى جانب الإمكانات المتاحة والظرف التاريخى الذى يُقدَّم فيه العرض. ويختتم حديثه بالإشارة إلى أننا نعيش بالفعل “ فى النهاية إلى عروض قصيرة تشبه مقاطع “ الريلز” على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفاء كمالو: المسرح كتابة حية بالجسد والضوء والصوت.. والإبهار البصرى وحده لا يصنع عرضًا متكاملًا
قالت الناقدة د. وفاء كمالو إن المسرح يظل مساحة للبوح والجموح والمساءلة، حيث يعانق الإبداع الحياة ويشاغب الأحلام، مؤكدة أننا نعيش الآن وجودًا يشبه “ إعصار النار”، فى ظل واقع سريع ومتلاحق يتجاوز الخيال، وتتصاعد فيه المفارقات الساخنة التى تبعث على الاستفزاز والاستلاب، وتواجه الإنسان بتهميش المعنى والقيم واغتيال المقدسات.
وأضافت أن هذه الحالة تمثل “مأساة السقوط العبثي”، التى تفرض ضرورة التمرد والعصيان وتجاوز الهزائم والانكسارات بحثًا عن الذات وامتلاك الكيان، مشيرة إلى أن المسرح فى هذه اللحظات الفارقة يجب أن يمتلك حرارة وجوده ودلالة خطاباته، بعيدًا عن الأقنعة والزيف والتغييب.
وأوضحت أن التجارب المسرحية الحقيقية قادرة على بعث الضوء وإثارة العقل والإدراك، لأن المسرح فى جوهره “كتابة حية” فى أعماق الوجود، كتابة تعتمد على الجسد والحركة والضوء واللون والصوت، بحثًا عن صورة مغايرة تتجاوز السائد والكائن، وتمضى نحو حقيقة تثير الإدراك وتطرح التساؤلات وتبشر بميلاد إنسانى جديد.
وأكدت أن هذا النوع من المسرح يسهم فى خلخلة المفاهيم السائدة والتصورات الجامدة، فى مواجهة لحظات الغياب التى تبتذل المشاعر الإنسانية وتستبيح الروح والجسد وتبيع المعنى وتغتصب الوطن، لافتة إلى أن الواقع الراهن أصبح مثقلًا بالخطايا والمجون والوجع والأحزان والمواجهات الصادمة، فى ظل انتشار ثقافة الجهل والتخلف، حيث “لم يحاسب الناس القهر ليرفضوه، ولم يدركوا أن الفقراء والجهلاء ليس لهم تاريخ فى التاريخ”.
كما أشارت وفاء كمالو إلى أن عروض المسرح المعاصرة، حين تتواصل مع تيارات ما بعد الحداثة وما بعد الدراما، فإنها تعلن العصيان على الهيمنة الكاملة للأطر المطلقة والثابتة، موضحة أن الكتابة تمنح المتلقى إحساسًا بالحركة والحدث، بينما تتجاوز المساحة الدرامية قيود الكلمات، ليصبح تيار الوعى والموسيقى والغناء والحركة عناصر أكثر حضورًا وتأثيرًا.
وأضافت أن هذه الحالة الفنية المركبة تحتوى على كل ما تريد المسرحية قوله، حيث يتحول الجسد والكوريجرافيا إلى مسار تعبيرى مدهش، مسكون بالوهج وبريق العذاب، ويمتد تأثيره إلى الجمهور ليحوله إلى طاقة حيوية فعالة تشكل جزءًا مهمًا من العمل المسرحى نفسه.
وفى المقابل، حذرت من لجوء بعض العروض إلى الإبهار البصرى كبديل عن ضعف الكتابة المسرحية، مؤكدة أن النتائج فى هذه الحالة تكون “ساقطة وباهتة” وتفتقد الحضور الدرامى الخلاق، لأن الصورة المسرحية وحدها لا تستطيع حمل الفكرة والعمق الدرامى بصورة مكتملة.
واختتمت الناقدة د. وفاء كمال حديثها بالتأكيد على أن عبقرية الاكتمال المسرحى تظل بحاجة إلى نص يمتلك إمكانات البوح والجموح والطموح والمساءلة.
ياسين الضوي: المسرح «كلمة مُصوَّرة» تصنع المشهد والدهشة
يرى الشاعر والفنان ياسين الضوى أن الشاعر يمكنه أن يسهم بفاعلية فى تحقيق التوازن بين ما يُعرف بـ«مسرح الصورة» و«مسرح الكلمة» داخل العرض المسرحى المعاصر، انطلاقًا من فهمه العميق لطبيعة الشعر بوصفه فنًا قائمًا على التصوير والإبداع. فالشاعر ــ بحسب رؤيته ــ ليس مجرد صانع كلمات، بل هو «المُفَنِّن» الذى يُحوّل اللغة إلى مشاهد بصرية وإحساس حيّ، بما يجعل الكتابة الشعرية عملية تصوير إبداعى تُصاغ لتندمج مع الدراما والعناصر السينوغرافية داخل العرض المسرحي.
ويؤكد أن المقولة التقليدية «المسرح كلمة» تبقى مقولة ناقصة إذا لم تُستكمل بفكرة أن المسرح فى جوهره «كلمة مُصوَّرة»، لأن المتلقى يذهب إلى المسرح ليتفرج لا ليستمع فقط. فلو اقتصر الأمر على الإنصات للكلام، لتحولت الخشبة إلى منبر أو منصة خطابية، بينما المسرح الحقيقى ــ من وجهة نظره ــ هو فن التصاوير والمشاهد الحية التى تتكامل فيها الكلمة مع الصورة.
ومن هنا يرفض الضوى الفصل الحاد بين «مسرح الصورة» و«مسرح الكلمة»، معتبرًا أن هذا التقسيم لا يعكس طبيعة الفن المسرحي، إذ لا وجود فعليًا لما يمكن تسميته «مسرح الكلمة» بمعزل عن الصورة، لأن الكلمة ذاتها تحمل طاقة تشكيلية وبصرية قادرة على خلق المشهد وإيحاءاته. فاللغة الشعرية، حين تُكتب بوعى مسرحي، تستطيع أن تصنع صورة موازية للديكور والإضاءة والحركة، بل وأن تضيف إلى العرض مستويات من الرمز والتأويل تتجاوز أحيانًا التأثير البصرى المباشر.
كما يشير إلى أن التعاون بين الشاعر والمخرج والسينوغراف يُنتج أبعادًا جمالية جديدة، خصوصًا فى التجارب المسرحية الحديثة والتجريبية، حيث تصبح الكلمة الشعرية عنصرًا مشهديًا داخل البناء العام للعرض. فاستعانة المخرج بالشاعر ــ كما يوضح ــ تهدف إلى خلق إضافة بصرية وإيحائية قد تُستخدم للتأكيد أو النفى أو التوضيح أو تعميق الحالة الدرامية، من خلال صيغ شعرية رمزية ومعبرة تنسجم مع الإطار البصرى والدرامى للمشهد.
وعن الفارق بين كتابة القصيدة للقراءة وكتابة الشعر للمسرح، يوضح الضوى أن القصيدة المكتوبة للورق تُبنى وفق إيقاعها وبنيتها الفنية الخاصة بهدف بث حالة شعورية داخل ذهن القارئ وخياله، بينما تختلف الكتابة الشعرية للمسرح لأنها ترتبط مباشرة برؤية المخرج وبطبيعة العرض وأهدافه الدرامية، فتتشكل لغتها وإيقاعها وبنيتها وفق ما يفرضه الفعل المسرحى ومتطلبات الأداء والمشهد.
أما عن واقع المسرح العربى اليوم، فيرى أن التطور البصرى والتقنى لا ينبغى أن يكون على حساب الكلمة الشعرية، بل يفترض أن يعيد اكتشافها داخل صياغة مسرحية أكثر تكاملًا، بحيث تبقى الكلمة عنصرًا حيًا فى صناعة الصورة، لا مجرد نص يُلقى فوق الخشبة.
عمرو عبد الله: المسرح لم ينتقل من الكلمة إلى الصورة.. بل اتسعت لغاته البصرية
يرى عمرو عبد الله، مصمم الديكور والإضاءة وأستاذ أكاديمية الفنون، أن التطور الكبير الذى شهدته السينوغرافيا منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أسهم فى ترسيخ مفهوم الصورة البصرية داخل العرض المسرحي، خاصة مع التأثير الواضح لتجارب مايرهولد وأدولف آبيا وجوردون كريج، إلى جانب تطور العمارة المسرحية وما فرضته من رؤى جديدة فى تشكيل الفضاء المسرحي.
ويؤكد أن هذا التطور لا يعنى انتقال المسرح من “مسرح الكلمة” إلى “مسرح الصورة”، بل هو شكل من أشكال التطور الطبيعى الذى يواكب سرعة العصر، حيث أصبحت الصورة لغة بصرية ذهنية تحمل دلالاتها الخاصة، دون أن يلغى ذلك حضور النص والكلمة. فمسرح الكلمة لا يزال قائمًا بقوة، كما أن مسرح الصورة يمتلك حضوره وتأثيره، وتعدد الأساليب والرؤى هو ما يمنح المسرح ثراءه الحقيقي.
ويشير إلى أن تطور علم العلامات والسيميولوجيا كان له دور مؤثر فى ترسيخ مفهوم الصورة كلغة مستقلة على خشبة المسرح، موضحًا أن الصورة تمتلك مفرداتها وقواعدها وبلاغتها الخاصة مثل أى لغة منطوقة أو مكتوبة، ومن خلال حسن توظيفها يمكن إيصال المعنى إلى المتلقى وإضافة أبعاد جمالية وذهنية تمنح العرض مزيدًا من المتعة والتأثير.
كما يرى أن الإبهار البصرى يصبح مشكلة حين يتحول إلى غاية فى حد ذاته، بعيدًا عن خدمة الرؤية الدرامية والإخراجية. فكما قد يبالغ الكاتب فى الزخارف اللغوية على حساب المضمون، يمكن أيضًا للصورة أن تتحول إلى عنصر مشتت إذا لم تُستخدم بوعى فنى حقيقي. ويؤكد أن أى مبالغة فى أى عنصر من عناصر العرض المسرحى تؤثر سلبًا على عملية التلقى وتضعف القيمة الفنية للعمل.
وعن التكنولوجيا الحديثة، يلفت إلى أن العصر الحالى يعيش حالة من “المادية” و” كسل التكنولوجيا”، حيث باتت البرامج الرقمية وتقنيات الجرافيك والملتيميديا والذكاء الاصطناعى تقدم حلولًا بصرية جاهزة قد تفتقد أحيانًا للعمق الفكرى والوجداني. ويحذر من أن بعض العروض أصبحت تعتمد على الفكرة التقنية أكثر من اعتمادها على رؤية درامية أو إخراجية حقيقية.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن المسرح القائم على الكلمة والنص الدرامى يظل الأقرب إلى رؤيته الفنية، باعتبار أن الفكرة هى الأساس الذى تُبنى عليه جميع عناصر العرض المسرحي، بما فيها الصورة، موضحًا أن النص قد يكون كلمة واحدة أو وصفًا بسيطًا، لكنه يظل المنطلق الرئيسى الذى تتشكل من خلاله الرؤية الإخراجية وبقية العناصر السينوغرافية.
محمد عبد المنعم: النص المسرحى لم يمت.. لكنه مطالب بمواكبة عصر الصورة
يرى الكاتب المسرحى محمد عبد المنعم أن النص المسرحى يشهد بالفعل حالة من التراجع فى كثير من التجارب المعاصرة لصالح الرؤية الإخراجية والسينوغرافيا، موضحًا أن المخرج لم يعد مجرد وسيط ينقل النص إلى الخشبة، بل أصبح فى أحيان كثيرة “المؤلف الفعلي” للعرض، بينما يُعامل النص باعتباره مادة خام تُبنى عليها الرؤية البصرية، بما تتضمنه من إضاءة وحركة ومؤثرات وصخب بصري، وهو ما دفع الكلمة إلى التراجع خطوة إلى الخلف.
ويؤكد أن تأثير الصورة السينمائية والتلفزيونية انعكس بوضوح على كتابات الجيل الجديد، حيث باتت بعض النصوص تُكتب بعين الكاميرا لا بروح المسرح، مع الاعتماد على التقطيع السريع، والفلاش باك، والتنقل المستمر بين الأزمنة والأمكنة، وهى تقنيات أقرب إلى السيناريو السينمائى منها إلى البناء المسرحى التقليدي. ويرى أن هذا الاتجاه أفقد المسرح شيئًا من خصوصيته القائمة على الحميمية والمواجهة المباشرة بين الممثل والمتفرج، كما أدى إلى تراجع بعض المرتكزات الكلاسيكية للمسرح الأرسطى مثل وحدة الزمان والمكان.
وفيما يتعلق بإمكانية نجاح مسرحية دون حوار عميق، يوضح عبد المنعم أن المسرح ليس قائمًا على الكلام وحده، مستشهدًا بتجارب البانتومايم ومسرح الجسد والرقص المسرحي، التى استطاعت تقديم رؤى فكرية وفلسفية دون كلمات. لكنه فى الوقت نفسه يرى أن هذا النوع من الدراما الحركية يظل محدود الأفق نسبيًا، وقد يدفع المخرجين إلى تكرار أدواتهم بسبب ضيق مساحة التنوع الإبداعى فيه.
ويحذر من خطورة تحويل المسرح إلى مجرد “فرجة بصرية”، معتبرًا أن ذلك يؤدى إلى تسطيح الوعى وتحويل العرض إلى استعراض مبهر ينتهى أثره بانتهاء المشاهدة. فالمسرح – من وجهة نظره – حين يفقد قيمته الفكرية والأدبية يتحول إلى منتج استهلاكى هدفه الترفيه فقط، بينما تظل القيمة الحقيقية للفرجة مرتبطة بقدرتها على خدمة الفكرة والدلالة، لا الاكتفاء بالبهرجة المجانية.
ورغم هيمنة الصورة، يشدد عبد المنعم على أن الحوار ما زال يحتفظ بسحره وتأثيره، لأن الكلمة المسرحية ليست مجرد حديث عابر، بل فعل حى يخترق وجدان المتفرج. ويؤكد أن الجمهور ما زال يبحث فى المسرح عن الاعترافات الإنسانية والمونولوجات الفكرية التى تلامس الروح، وأن للكلمة المنطوقة طاقة لا يمكن للصورة وحدها أن تعوضها.
وفى حسمه للجدل بين الكلمة والصورة، يرى محمد عبد المنعم أن انتصار أحد الطرفين بشكل مطلق يمثل خسارة للمسرح؛ فإذا طغت الكلمة تحول العرض إلى قراءة أدبية جامدة، وإذا سيطرت الصورة بالكامل صار المسرح أقرب إلى شاشة سينمائية صامتة. لذلك فإن الحل الحقيقى – بحسب رؤيته – يكمن فى تحقيق اندماج عضوى بين الكلمة والصورة، بحيث يحتفظ النص بعمقه وشاعريته، ويمنح فى الوقت نفسه مساحة للتنفس البصرى على الخشبة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن القضية الأهم اليوم ليست فقط صراع الكلمة والصورة، بل التراجع الملحوظ فى أعداد كتاب الدراما، خاصة فى المسرح المصري، نتيجة اتجاه كثير من الموهوبين إلى الكتابة للمسلسلات والأفلام بحثًا عن الانتشار والكسب السريع، وهو ما أدى إلى نضوب واضح فى حركة التأليف المسرحى المعاصر.
د. أيمن عبد الرحمن: لا صراع بين الكلمة والصورة.. والمسرح الحقيقى يولد من تكاملهما
يرى الكاتب المسرحى د. أيمن عبد الرحمن أن الحديث عن تراجع النص المسرحى لصالح الرؤية الإخراجية ليس دقيقًا، لأن المخرج – فى النهاية – لا يستطيع أن يبنى عرضًا قويًا على نص ضعيف. فالعرض المسرحي، مهما امتلك من أدوات بصرية وتقنيات حديثة، يحتاج إلى أساس متين يبدأ من النص، مؤكدًا أن “ فى البدء كانت الكلمة ”، وأن أى رؤية إخراجية لا يمكن أن تنشأ من فراغ أو من مجرد أفكار غير مكتملة دراميًا.
ويشير إلى أن التطور الهائل فى وسائل المشاهدة خلال السنوات الأخيرة أثر بشكل واضح على الكاتب المسرحي، فسهولة الوصول إلى الأعمال السينمائية والدرامية العالمية جعلت الكاتب أكثر انفتاحًا على تقنيات جديدة، الأمر الذى خلق حالة من المزج بين أدوات المسرح والسينما داخل الكتابة المسرحية نفسها. وأوضح أن الكاتب المعاصر بات يستفيد من التقنيات البصرية والإيقاع السينمائي، لكن وفق ما تسمح به طبيعة المسرح وإمكاناته، دون أن يفقد النص جوهره المسرحي.
ويؤكد عبد الرحمن أن المسرحية لا يمكن أن تنجح دون حوار جيد ومؤثر، حتى وإن اختلف مفهوم “العمق” من عمل لآخر. فليس مطلوبًا دائمًا أن يحمل الحوار طبقات فلسفية معقدة أو معانى مزدوجة، لكن لا بد أن يكون حوارًا مكتوبًا بوعى وقدرة على التأثير وترك الأثر لدى المتلقي. فالمسرح – من وجهة نظره – يحتاج إلى لغة تمتلك سحرها الخاص، حتى لو اقتربت من اللغة اليومية والواقعية.
كما يرى أن الاعتماد على “الفرجة البصرية” وحدها يمثل خطرًا على العمل المسرحى إذا غابت العناصر الدرامية الأساسية، موضحًا أن التطور التقنى فى الإخراج المسرحى أتاح إمكانيات بصرية مبهرة، وهناك عروض عالمية اقتربت كثيرًا من لغة السينما فى تكوين الصورة المسرحية، لكن الصورة وحدها لا تصنع عرضًا جيدًا. فبدون دراما حقيقية ومحتوى إنسانى وفكري، تفقد هذه الفرجة تأثيرها مهما بلغت درجة الإبهار.
ويشدد على أن الحوار المسرحى ما زال يحتفظ بسحره وتأثيره، وأن الأزمة ليست فى الحوار نفسه، بل فى ضعف بعض الكتاب عن إنتاج حوار حى ومؤثر. فالمسرح، بحسب رأيه، لا يحتاج إلى كلمات عادية أو مباشرة فقط، بل إلى صياغة تمتلك القدرة على النفاذ إلى المتلقى وترك أثر داخلى لديه.
وفى ما يتعلق بالصراع الدائم بين الكلمة والصورة، يرفض عبد الرحمن فكرة وجود معركة بينهما من الأساس، معتبرًا أن هذا الطرح ناتج عن فهم ناقص لطبيعة الفن المسرحي. فالكلمة والصورة عنصران متكاملان، لا يمكن لأحدهما أن يحقق التأثير الكامل دون الآخر. فالصورة بلا مضمون تفقد قيمتها، والكلمة التى لا تتحول إلى صورة نابضة على الخشبة تظل ناقصة. لذلك فإن المسرح الحقيقى – فى رأيه – يولد من التوازن بين قوة النص وجمال الصورة، لا من انتصار طرف على الآخر.
حازم شبل: المسرح فى جوهره صورة.. والكلمة نفسها تخلق مشهدًا بصريًا
يرى مهندس الديكور المسرحى حازم شبل أن الحديث عن انتقال المسرح من “ مسرح الكلمة ” إلى “مسرح الصورة” يحتاج إلى قدر من إعادة النظر، مؤكدًا أن المسرح منذ بداياته قائم على الصورة بالأساس، وأن العناصر البصرية والتقنيات السينوغرافية ليست وليدة اللحظة، بل موجودة منذ سنوات طويلة، وإن اختلفت أدواتها وتطورت وسائل تنفيذها.
وأوضح أن التطور الحقيقى لم يأتِ من اختراع جديد بقدر ما جاء من تنوع الوسائل التقنية وتطور إمكانيات التنفيذ، سواء فى حركة الديكور أو استخدام الإسقاطات الضوئية والشاشات والخلفيات المتحركة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأساليب المستخدمة اليوم كانت موجودة بالفعل لكن بأدوات أبسط.
وأكد شبل أن الصورة المسرحية قادرة أحيانًا على نقل المعنى دون الاعتماد الكامل على الحوار، فـ«الصورة قد تكون أبلغ من ألف كلمة»، إذ يمكن لمشهد بصرى أو تكوين سينوغرافى أن يعبر عن حالة نفسية أو جو عام أو يكمل حدثًا دراميًا دون حاجة إلى شرح مباشر. لكنه فى الوقت نفسه أشار إلى أن بعض العروض تقع بالفعل فى فخ المبالغة فى الإبهار البصرى على حساب النص أو أداء الممثل.
وعن تأثير التكنولوجيا الحديثة، أوضح أن التقنيات الرقمية والإضاءة والإسقاطات الضوئية منحت المسرح إمكانيات واسعة، فأصبح من الممكن تنفيذ أى صورة يتخيلها الفنان تقريبًا، خاصة مع تطور تقنيات الـProjection والشاشات الخلفية المتحركة، التى تخلق فضاءات بصرية قريبة من الصورة السينمائية، كأن تتحول خلفية المسرح إلى غابة متحركة أو بحر نابض بالحياة أو فضاء مفتوح يتغير أمام عين المتفرج.
وشدد حازم شبل على أن المسرح لا يمكن اختزاله فى صراع بين الكلمة والصورة، لأن المسرح فى جوهره “صورة حية”، تبدأ بالممثل نفسه بوصفه عنصرًا بصريًا على الخشبة. وأضاف أن “مسرح الكلمة” هو أيضًا مسرح صور، لأن اللغة والشعر يصنعان صورًا ذهنية وخيالية داخل عقل المتلقي، وبالتالى فالكلمة والصورة ليستا ضدين، بل وسيلتان متكاملتان للتعبير.
وأشار إلى أن الصورة المسرحية تمتلك طبقات متعددة من الدلالات، وقد تتجلى من خلال الرموز أو الأساليب التعبيرية أو الواقعية، لتمنح المعنى عمقًا إضافيًا، مؤكدًا أن الصورة لا ينبغى أن تكرر ما تقوله الكلمات، بل أن تكملها وتفتح أفقًا جديدًا للتلقى والإحساس بالعرض.
وأوضح شبل أن العرض المسرحى الناجح يجب أن يكون عملًا متكاملًا تتناغم فيه جميع العناصر دون أن يطغى عنصر على آخر أو يكرر وظيفته، مؤكدًا أن الصورة المسرحية لا ينبغى أن تعيد ما تقوله الكلمات، بل تُكملها وتخلق المناخ العام والدلالة البصرية المصاحبة لها.
وأضاف أن التوازن بين الكلمة والحركة والصورة هو جوهر العرض الجيد، مشيرًا إلى أن مفهوم الصورة المسرحية لا يقتصر على الكتل الديكورية أو الموتيفات الرمزية، وإنما يمتد إلى تكوينات الممثل داخل الفراغ المسرحى وكيفية تشكيل الحركة والعلاقات البصرية فى المساحة كلها.
وأختتم شبل موضحا أن الفراغ المسرحى نفسه يمكن أن يُبنى بأسلوب تجريدى يعتمد على المستويات والتكوينات البصرية أكثر من اعتماده على الديكور التقليدي، لافتًا إلى أن المسرح الجيد هو الذى تتكامل فيه كل العناصر من نص وحركة وصورة وسينوغرافيا وإضاءة وأداء، بحيث تعمل جميعها معًا لتحقيق الهدف الفنى والفكرى المرجو من العرض.
بكرى عبد الحميد: المسرح الحقيقى لا يُبنى على الصورة وحدها بل على انسجام الكلمة والرؤية
يرى الكاتب المسرحى بكرى عبد الحميد أن العلاقة بين النص المسرحى والرؤية الإخراجية يجب أن تقوم على التكامل لا الصدام، مؤكدًا أن المخرج الحقيقى هو من ينطلق من فهم النص والإيمان به، ثم يعمل على بلورة رؤيته وإبرازها دون أن يناقض جوهرها أو يفسد بنيتها. ويشير إلى أن المخرج الذى لا يجد نفسه داخل النص، عليه أن يبحث عن عمل آخر يتوافق مع رؤيته بدلاً من فرض تصورات قد تُضعف العمل أو تفقده روحه.
ويؤكد أن الحديث عن “كتابة بعين سينمائية” ليس دقيقًا تمامًا، لأن الصورة المشهدية كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من النسيج الدرامى للمسرح، إلا أن الإفراط فى توظيف التقنيات الحديثة والسعى وراء الإبهار البصرى دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الصورة أصبحت تتقدم على الحدث الدرامى نفسه. وبرأيه، فإن بعض التجارب بالفعل انشغلت بالشكل البصرى على حساب تطور الحدث وعمق المعنى.
ويشدد على أن الحوار يظل العنصر الأهم فى النص المسرحي، لأنه الأداة التى تحمل رؤية الكاتب وأفكاره وقضاياه، موضحًا أن أى محاولة لتهميش الحوار أو تسطيحه تُفقد الشخصيات قوتها وتُضعف الأحداث. فمهما تنوعت أساليب الكتابة أو تعددت أشكال العرض، يبقى الحوار هو البطل الحقيقى القادر على منح النص عمقه وتأثيره الإنساني.
كما يرى أن التجارب التى اعتمدت على الصورة أو الرقص الحديث كبديل كامل للحوار تظل محدودة ونادرة، ولا يمكن اعتبارها دليلاً على إمكانية الاستغناء عن الكلمة، لأن المسرح فى جوهره قائم على التعبير الإنسانى الحي، والحوار هو أداته الأكثر قدرة على الوصول إلى المتلقي.
ويضيف أن متعة الكاتب الحقيقية تكمن فى تشكيل شخصياته وصياغة لغتها الخاصة، مع الحفاظ فى الوقت ذاته على الصورة البصرية المناسبة للعمل، مؤكدًا أن تحويل المسرح إلى مجرد “ فرجة بصرية ” يُفقده كثيرًا من عناصره الأساسية، ويجعل العمل أشبه بجسد ناقص أو جمل غير مكتملة لا تقود إلى المعنى الكامل الذى يسعى المسرح لتقديمه.
ويختتم بكرى عبدالحميد حديثه بالتأكيد على أن الحوار المسرحي، سواء جاء شعرًا أو نثرًا، سيظل محتفظًا بسحره وتأثيره مهما تطورت الوسائط والتقنيات، لأن المسرح بدأ بالكلمة وسيبقى قائمًا عليها. كما يرفض فكرة الصراع بين الكلمة والصورة، معتبرًا أن العمل المسرحى الناجح هو الذى يحقق التوازن بينهما، حيث تكمل كل منهما الأخرى دون أن تطغى عليها، بينما يصنع الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة عملاً متجانسًا وقادرًا على التأثير الحقيقى فى المتلقي.
عماد عبد العاطي: المسرح لا يعيش بالصورة وحدها.. والحوار ما زال روح الحكاية
يرى المخرج عماد عبد العاطى أن المسرح المعاصر أصبح يميل بشكل واضح إلى الاعتماد على الصورة البصرية على حساب الكلمة والحوار، فى ظل التطور الكبير الذى شهدته التقنيات المسرحية وحالة الإبهار البصرى التى أصبحت سمة أساسية فى كثير من العروض الحديثة، مؤكدًا أن هذا التوجه جاء متأثرًا بالمسرح الغربى وبعض التجارب الآسيوية، وعلى رأسها المسرح الصيني، الذى قام على بناء الصورة والحركة بما يتوافق مع طبيعة مجتمعاته وثقافته الخاصة.
وأشار إلى أن تأثير اللغة السينمائية على المسرح أصبح ملحوظًا بفعل انتشار الميديا الحديثة ومنصات المشاهدة السريعة، ما أدى إلى ظهور العديد من الحالات التى تحاول تقديم المسرح بروح سينمائية، لكنها – من وجهة نظره – لا تحقق دائمًا الجودة الكافية القادرة على إبهار المتلقى أو خلق تجربة مسرحية متكاملة.
وأوضح أن الصورة المسرحية فى جوهرها لم تكن يومًا بديلًا عن الكلمة، بل كانت ترجمة بصرية للأحداث والمشاعر، كما حدث فى المدرسة التعبيرية التى اعتمدت على لغة الجسد والرموز البصرية لتكثيف المعنى الدرامى لا لإلغائه.
وأكد أن الإبهار البصرى بات فى أحيان كثيرة يغطى على ضعف الكتابة، خاصة مع التطور الكبير فى أدوات وتقنيات العرض، وهو ما جعل بعض العروض تراهن على الشكل أكثر من المضمون، بينما يظل النص القوى – فى رأيه – هو الأساس الحقيقى لأى تجربة مسرحية ناجحة.
وعن منهجه الإخراجي، أوضح أن صورة العرض بالنسبة له تعنى التعبير عن الرؤية المسرحية للمخرج باستخدام الأدوات المتاحة، مشيرًا إلى أن الممثل والإكسسوار هما الأقرب إلى تكوين الصورة البصرية التى يفضلها، لأنها تنبع من داخل العرض لا من الزخارف الخارجية وحدها.
وأضاف أن طبيعة الجمهور تفرض اختلافًا فى الاختيارات البصرية، خاصة فى الجنوب، حيث ما زال الحوار يحتفظ بسحره وتأثيره، لارتباط الجمهور بالحكاية الشعبية والموال والربابة، وهى عناصر يرى أنها تُكمل الصورة المسرحية وتمنحها روحها الأصيلة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن براعة الاستهلال المسرحى لا تتحقق إلا حين تكتمل الصورة بالحكاية والحوار معًا، لأن المسرح الحقيقى – فى النهاية – هو ذلك التوازن بين ما يُرى وما يُقال.
د. أسماء بسام: الكلمة تمنح المسرح عمقه الفلسفي.. والصورة وحدها لا تكفي
ترى الناقدة الدكتورة أسماء بسام أن المسرح المعاصر شهد هيمنة واضحة للصورة البصرية على حساب الكلمة والحوار، موضحة أن ذلك يرتبط بطبيعة العصر التكنولوجى الذى أصبحت الصورة فيه وسيطًا تعبيريًا أساسيًا. وأكدت أن المسرح بوصفه “صوت العصر” بات يبحث عن جدلية الصورة المتشابكة مع الكلمة داخل فضاء مسرحى يعتمد على التكنولوجيا بوصفها أداة تشكيل جمالى ودلالي.
وأضافت أن اللغة السينمائية والتكنولوجيا الحديثة أحدثتا تحولًا كبيرًا فى شكل العرض المسرحي، من خلال كسر وحدتى الزمان والمكان، وتوسيع الفضاء المسرحى ليصبح فضاءً كونيًا مفتوحًا. وأشارت إلى أن الصورة باتت تحمل نصًا بصريًا قائمًا بذاته، يعتمد على العلامات السيميائية والدلالات المعقدة التى تعبر عبر الجسد والإضاءة والعناصر البصرية المختلفة، بما يمنح العرض قدرة أكبر على الإبهار والتأثير.
ورغم إيمانها بقوة الصورة، شددت أسماء بسام على أن الصورة المسرحية لا يمكنها أن تحمل العمق الدرامى والفكرة الكاملة دون وجود نص قوي، مؤكدة أن غياب النص يحول المسرح إلى مجرد حالة ترفيهية أو استعراضية، تفقد التجربة المسرحية جوهرها الفكرى والإنساني. وأوضحت أن الصورة وحدها قد تترك أثرًا بصريًا، لكنها لا تمنح المتلقى ذلك الإشباع الفكرى الذى تصنعه الكلمة الحية.
كما رأت أن بعض العروض المسرحية تقع فى فخ الإبهار البصرى لتعويض ضعف الكتابة والبناء الدرامي، معتبرة أن الإفراط فى الاستعراض قد يشتت المتلقى عن غياب الحبكة الحقيقية ويحول العرض إلى حالة من التفكيك البصرى الخالى من العمق.
وأكدت فى ختام حديثها أن “مسرح الكلمة” يظل الأقرب إلى رؤيتها النقدية وإلى مستقبل المسرح الحقيقي، لأن الكلمة – بحسب تعبيرها – تمنح العرض بعدًا فلسفيًا وفكريًا، وتخلق ديناميكية خاصة بين الحوار والأداء واللغة المسرحية، بما يحافظ على جوهر الفن المسرحى وقدرته على التأثير والبقاء.
عمرو حسان: المسرح الحديث لا يُلغى الكلمة.. والصورة وحدها لا تصنع عرضًا حقيقيًا
أكد عمرو حسان أن المسرح فى جوهره قائم على الكلمة، باعتبارها الأساس الحقيقى لأى عرض مسرحي، لكنه أشار إلى أن العروض المعاصرة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الصورة البصرية وعناصر الإبهار الحديثة، نتيجة التطور التكنولوجى الكبير الذى شهده المسرح خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن التقنيات الحديثة مثل الهولوجرام، والـ«مابينج»، والفيديو بروجكتور، إلى جانب التطور الهائل فى الإضاءة المسرحية، منحت الصورة دلالات جديدة وقوة تأثير كبيرة، لدرجة أن بعض العروض باتت تستعيض أحيانًا عن الحوار بصورة أو تأثير بصرى قادر على إيصال الفكرة، لكنه شدد فى الوقت نفسه على أن ذلك لا يعنى أبدًا إلغاء دور الكلمة داخل العرض المسرحي.
وأشار إلى أن المسرح الحديث تأثر بشكل واضح باللغة السينمائية، موضحًا أن كثيرًا من المخرجين أصبحوا يميلون إلى توظيف أدوات الصورة والإيقاع البصرى داخل عروضهم، مؤكدًا أنه شخصيًا من بين المخرجين الذين يحرصون على استخدام التكنولوجيا الحديثة والوسائط البصرية، لكن دون تهميش قيمة النص أو الكتابة الدرامية.
وفى حديثه عن إمكانية أن تحمل الصورة المعنى كاملًا دون نص قوي، أوضح أن الدراما لا تشترط دائمًا وجود الحوار التقليدي، فمن الممكن صناعة عرض كامل دون كلمة واحدة، لكن ذلك لا يعنى الاستغناء عن النص القوى أو البناء الدرامى المتماسك. وأضاف أنه لا يؤمن بالعروض التى تعتمد فقط على اللوحات التشكيلية والمؤثرات البصرية دون مضمون حقيقي، لأن المتفرج – فى رأيه – قد يخرج منبهرًا بالصورة لكنه لن يخرج بإضافة فكرية أو إنسانية حقيقية.
كما أشار إلى أن الإبهار البصرى قد ينجح أحيانًا فى تغطية ضعف الكتابة، لكنه لا يستطيع تعويضه، مؤكدًا أن الصورة مهما بلغت قوتها لا يمكن أن تكون بديلًا كاملًا عن النص الجيد.
وعن منهجه الإخراجي، أوضح أنه يفضل دائمًا المزج بين «مسرح الصورة» و«مسرح الكلمة»، عبر تقديم صورة بصرية جذابة دون إهمال دور النص والكتابة، مشيرًا إلى حرصه المستمر على الحفاظ على جوهر المسرح الذى تعلمه، مع الاستفادة فى الوقت نفسه من التقنيات الحديثة.
وأضاف أن اختياراته البصرية تختلف وفق طبيعة الجمهور والمكان المسرحي، لافتًا إلى أن كثيرًا من المسارح لا تمتلك الإمكانات التقنية الكاملة التى تسمح باستخدام وسائل الإبهار الحديثة، لذلك يحاول دائمًا توظيف كل ما هو متاح داخل المسرح لتحقيق رؤيته الإخراجية دون التخلى عن أفكاره الأساسية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الجمهور المسرحى ليس كتلة واحدة، فكما يوجد جمهور ينجذب للكلمة والحوار، هناك جمهور آخر يجد متعته فى الصورة والإبهار البصري، معتبرًا أن اختلاف الأذواق أمر طبيعى وصحي، وأن الجمهور المصرى يمتلك حسًا فنيًا ووعيًا يجعله قادرًا على تقدير كلا النوعين من العروض.