العدد 978 صدر بتاريخ 25مايو2026
كعادته، عبر عروضه الكثيرة التى تابعتها منذ بداياته فى مصر، لم يخذلنى وليد عونى فى عرضيه الأخيرين اللذين قدما فى أمسية واحدة منذ أيام على خشبة مسرح الأوبرا المصرية والمعنونة بـ«شهرزاد كورساكوف وبوليرو رافييل». فمنها خرجت بما كنت أتوق إليه «تجديد الطاقة» و»شحذ الفكر» بحثا عن ملاذ يحمينى من يأس أقف مع أغلب البشر على حافته الآن.
لكن وقبل الدخول فى قراءة العرضين سأسمح لنفسى بالعودة إلى أمر كنت أظنه بديهياً، فإذا بى أكتشف فى كل مشاهدة لهذا النوع من العروض، أنه ما زال يحتاج إلى توضيح. وهنا أقصد ذلك الخطأ الشائع الذى يقع فيه بعض مشاهدى - وحتى نقاد - عروض «الرقص المسرحى الحديث»، والذى يتمثل فى طريقة قراءة هذا الفن أصلًا.
كثيرون يدخلون إلى عرض «الرقص المسرحى الحديث» وهم يتعاملون معه باعتباره مسرحًا تقليديًا أضيف إليه الرقص، بينما الحقيقة تكاد تكون العكس تمامًا، فالأصل هنا هو الرقص الحديث، أما «المسرحى» فليس سوى توصيف لطبيعة الفضاء الأدائى، لا وعدًا بحبكة درامية بالمعنى المعروف.
ولهذا يبدأ سوء الفهم منذ اللحظة الأولى، حيث يدخل بعض المتفرجين إلى القاعة بحثًا عن حدث واضح، وشخصيات مستقرة، وصراع يتطور، وعقدة، وذروة، وحل.
وحين لا يجدون ذلك، يخرجون بتلك الجملة الشهيرة: «جميل… ولكن ماذا كان يريد أن يقول تحديدًا؟» أو «أين الحكاية؟» أو «أين تطور الحدث؟»
والحقيقة أن هذه الأسئلة - رغم مشروعيتها داخل المسرح الدرامى التقليدى - تكون ظالمة حين تُفرض على فن يقوم جوهره على لغة مختلفة تمامًا.
فالرقص الحديث لا ينطلق أساسًا من الحكاية، بل من الإيقاع والصورة والجسد والطاقة والعلاقة بين الحركة والفضاء والزمن.
فى هذا النوع من الفن قد لا تكون الشخصية «شخصية» أصلًا بالمعنى النفسى التقليدى، بل حالة، أو رمزًا، أو طاقة متحولة.
وقد لا يكون الحدث سلسلة أفعال سببية، بل تصاعدًا حسّيًا أو بصريًا أو إيقاعيًا.
وهذا لا يعنى غياب المعنى، بل يعنى فقط أن المعنى لا يُسلَّم جاهزًا للمشاهد كما يحدث فى المسرح السردى، وإنما يتولد عبر التلقى نفسه.
ومن هنا بالضبط يمكن قراءة أمسية وليد عونى ذات الفصلين المنفصلين المتصلين. فهما منفصلان لأن كل منهما يتكئ على عمل موسيقى مختلف تماما عن الذى يليه. وهما متصلان لأن بجمعهما فى ليلة واحدة يكمن المعنى الذى سأحاول هنا أكتشافه.
فالبناء الكلى للأمسية ليس مجرد تجميع عرضين موسيقيين، بل هو تركيب درامى غير مباشر لفكرة واحدة، وهى تفكيك آلية التلقى نفسها. فالمشاهد هنا لا يُطلب منه أن (يتابع) عرضين، بل أن يعيد تعريف ما يتوقعه من العرض أصلًا، من السرد إلى الإدراك، ومن الحكاية إلى التجربة.
فى البدء كان التشظى
منذ اللحظة الأولى فى «شهرزاد»، أدركت أننى لن أشاهد الحكاية التى أعرفها.
لا شهريار الجالس فى انتظار الليلة التالية، ولا شهرزاد التى تحاول إنقاذ رقبتها بالحكى، ولا عالم «ألف ليلة وليلة» بوصفه سردًا شرقيًا متماسكًا يمكن تتبع خيوطه بسهولة.
ما يبدأ أمامنا فى اللحظات الأولى من العرض يبدو أقرب إلى حفل غامض، أو عرض أزياء، أو طقس بصرى تتجاور فيه شخصيات خرجت من أزمنة مختلفة واستقرت مؤقتًا فوق الخشبة، يدور عليهم نادل بملابس تنتمى إلى تاريخ عربى قديم أو ربما أسطورى شرقى، يحمل القائمة التى هى ليست إلا كتاب ألف ليلة، أو ربما صياغات تقليدية للتاريخ، يعرض محتوياتها على زبائنه ليختار كل منهم الشخصيات التى يريدها، ويقترح اللمسات التى يفضل إضافتها إليها.
الملابس وحدها تكشف أن العرض لا ينتمى إلى زمن بعينه، فالأسطورى يمتزج بالتاريخى، والشرقى بالغربى، والقديم بالحديث. وكأن العرض يعقد منذ اللحظة الأولى اتفاقاً مع المشاهد «لن أحكى لك شهرزاد التى تعرفها». و لن أختار حتى حكاية واحدة من حكاياتها لتكون محور العرض.
إن ما فعله عونى يمكن وصفه بـ (تحطيم الحكايات)، ثم نثر شظاياها على الخشبة، تاركًا للمتلقى مهمة إعادة تركيبها، أو ربما التخلى أصلًا عن فكرة «التركيب الكامل».
فشهرزاد هنا ليست امرأة واحدة، بل احتمالات متعددة للأنوثة والذاكرة والحكى.
ونساء الليالى لا يظهرن بوصفهن شخصيات ثابتة، بل كائنات متحولة، تتبدل هوياتها وأدوارها باستمرار. فـ»مسرور» - العبد الذى عرفناه فى الحكايات القديمة أداةً مطيعة للعنف السلطوي- سيظهر هنا فى هيئة «مسرورة»، امرأة متفجرة الأنوثة تحمل سيفًا، قبل أن يتحول السيف نفسه بعد قليل إلى بندقية حديثة سريعة الطلقات.
بل إن الدلالة الأخطر فى تصورى والمؤكدة للعبة تبدل الأدوار، ستتمثل فى ذلك الخادم حامل المكنسة، ينظف أرضية الحفل، يتبادل نظرات وحركات تفضح حبه لزميلته الخادمة. وفى لحظة يختارونه ليكون سلطانا بعد اغتيالهم للسلطان الأول المغرور المنتشى بنفسه.. وكأن ضيوف الحفل من علية قوم عصرنا هم من يتحكمون فى تبدل أدوار البشر ومن ثم فى صياغة التاريخ بل ومن قبله الحاضر والمستقبل.
هنا وبلمحة ذكية وعابرة يخط وليد خطاً رفيعا يكاد لا يرى على ملخص تاريخنا العربى بل والإسلامى بل والشرق أوسطى كله، ليطرح السؤال الفاضح «من يضع من فوق العرش وبأى ثمن؟».
التحول فى الشخصيات هنا ليس مجرد لعبة إخراجية، بل إعادة كتابة للرمز نفسه. كأن العرض يقول إن العنف لم يتغير، بل غير أقنعته فقط.
الأمر ذاته سيحدث مع بقية العناصر، السندباد، الطائر الأسطورى، الجن، السحر، الصراع على العرش.. كلها لا تُقدَّم بوصفها حكايات مكتملة، بل بوصفها شظايا رمزية عابرة للأزمنة.
فالأسطورى يمتزج بالتاريخى، والشرقى بالغربى، والموسيقى الكورساكوفية الكلاسيكية تتقاطع مع أخرى حديثة، فى بناء أقرب إلى الكولاج أو الفسيفساء المسرحية.
وهنا تحديدًا تكمن فرادة العرض، فعونى لا يبدو مهتمًا بإعادة إنتاج «شهرزاد» كما دونها كورساكوف، بل ولا يأخذ من موسيقاه إلا المشهور منها مطعماً إياه بموسيقات أخر (تركية قديمة وحديثة بل وعربية حديثة) ولا حتى للحكايات كما عرفناها فى كتاب «ألف ليلة وليلة»، بل يعود إلى الروح العميقة للنص الأصلى نفسه المتمثلة فى التشظى، والتوالد، والسيولة السردية.
فـ»ألف ليلة وليلة» فى جوهرها ليست رواية ذات بناء واحد، بل عالم من الحكايات المتداخلة التى تلد بعضها بعضًا بلا مركز ثابت.
وعونى إلتقط هذه الطبيعة المفتوحة، لكنه دفعها إلى أقصى مداها البصرى والراقص.
فى البداية سيجتهد المشاهد أن يفهم: من هذه الشخصية؟ وأى حكاية نشاهد الآن؟ ولماذا يتحول النوع والجسد والزمن بهذه السرعة؟
لكنه بعد قليل سيكتشف أن العرض لا يطلب منه حلّ لغز، بل مشاركته فى صناعة المعنى.
كأن العرض يقول إن البنية العميقة للعنف لم تتغير، لكن فقط أدواتها وأقنعتها.
وهنا تحديدًا يقترب العمل من فكرة «السيولة الهوياتية» فى المسرح المعاصر، فالشخصيات ليست ذواتًا مستقرة بل طاقات وصورًا وأقنعة تتبادل المواقع باستمرار.
من التشظى إلى لملمة الإيقاع
بعد عالم «شهرزاد» المتشظى، يبدأ عرض (بوليرو)، مستوحيا العمل الموسيقى الذى بناه موريس رافييل على فكرة شديدة البساطة وشديدة الخطورة فى الوقت نفسه وهى «التكرار».
اللحن نفسه يتكرر، لكن الطاقة تتصاعد ببطء، والأجساد تتحول تدريجيًا إلى جزء من ماكينة إيقاعية ضخمة، حتى يبدو العرض كله كأنه موجة تتضخم ببطء قبل أن تبتلع المسرح.
وإذا كان وليد عونى دائمًا ما يعتمد على الصورة البصرية المكثفة، والجسد بوصفه لغة درامية، والإيقاع الطقسى المتصاعد، والعلاقة بين التكرار والتحول النفسى، فإن كل هذه العناصر موجودة أصلًا داخل «بوليرو رافييل». لذلك تتحول القطعة فى الرقص المعاصر غالبًا إلى حالة جماعية أقرب إلى الطقس، أو صراع بين الفرد والجماعة، أو تصاعد رغبة/قوة/هوس يبتلع الراقصين تدريجيًا.
وفى تجارب عونى تحديدا، عادة لا يكون الرقص مجرد ترجمة حرفية للموسيقى، بل إعادة بناء درامى وبصرى لها. فالجسد عنده لا «يرقص على اللحن» فقط، بل يكشف ما تحت اللحن، التوتر، القمع، الرغبة، السلطة، أو حتى الآلية التى تتحكم فى البشر.
ولهذا فإن «بوليرو» تحديدًا مادة مثالية له، لأن القطعة نفسها تحمل هذا الإحساس، شىء يبدأ بسيطًا ومنظمًا.. ثم يتحول بالتدريج إلى طاقة جماعية جارفة تكاد تفقد السيطرة.
ومن اللافت أيضًا أن «بوليرو» تاريخيًا أغرت كبار مصممى الرقص حول العالم، من أشهرهم موريس بيجار، الذى قدم نسخة أصبحت أيقونية بسبب اعتمادها على التكرار الجسدى والتصاعد شبه الطقسى فوق طاولة دائرية محاطة بالراقصين. ولا يمكن قراءة عرض «بوليرو» عند عونى بعيدًا عن الظل الكبير لمعلمه موريس بيجار صاحب النسخة الأشهر والأكثر تأثيرًا فى تاريخ العمل.
ولذلك جاءت التحية التى وجهها عونى إلى أستاذه فى نهاية العرض واحدة من أكثر لحظاته تأثيرًا وصدقًا.
فالأمر لم يقتصر على نزول الصورة الضخمة لبيجار لتحتل خلفية الخشبة، بل امتد أيضًا إلى استدعاء العنصر البصرى الأكثر شهرة فى عرض بيجار الأصلى، وهى الطاولة الدائرية.
هذه الطاولة لم تكن مجرد ديكور فى تجربة بيجار، بل مركز الطقس كله، النقطة التى يتحول فوقها الجسد إلى بؤرة للطاقة والإيقاع، بينما تدور حوله الجماعة كما لو كانت داخل احتفال بدائى أو شعيرة جماعية.
وعندما يستعيد عونى طاولة بيجار، فهو لا يمارس اقتباسًا بصريًا فحسب، بل يعلن انتماءه إلى سلالة فنية كاملة، ليبدو الأمر أشبه بتحية تلميذ إلى أستاذه، خصوصًا أن وليد عونى لم يكن مجرد متأثر ببيجار من بعيد، بل عاش التجربة بنفسه، وشاهد عرض «بوليرو» فى سياقه المباشر، وعمل مع أستاذه داخل عالمه الفنى.
لكن أيضا سيختلف التلميذ مع الإستاذ فى تفسير الدلالة. فبدلا عن طاولة بيجار الخشبية الراسخة على الأرض، تأتى عند وليد مرآة محلقة يدور حولها البشر، بل تقترب من قرص شمس آمون، وتتحول بعد حين إلى مركبة فضائية محلقة بين أقمار ونجوم تعرضها الخلفية ويؤكدها الرمز الدائرى المصقول العاكس بتشويه أو ربما بتصحيح لما نظنه الحقيقة لأننا فقط نحياه.
هكذا يصبح الربط بين «شهرزاد» و»بوليرو» أكثر عمقًا. فإذا كانت الأولى تفكك الحكايات والرموز والأساطير، فإن الثانية تعيد صهر الأجساد داخل الإيقاع الجماعى. فى الأولى يضيع المعنى وسط كثرة الحكايات، وفى الثانية يذوب الوعى داخل التكرار والتصاعد.
لتأتى الأمسية كلها بفصليها كرحلة واحدة، من تشظى السرد.. إلى وحدة الطقس.
و أخيرا.. أعرف أن العرضين يحتاجان إلى المزيد من الحديث لتفكيك وإعادة لملمة لوحاتهما الفسيفسائية، لكن المساحة دوما تقيدنا.
شكرا وليد عونى على ما منحتنى من طاقة وفكر ومتعة.