العدد 970 صدر بتاريخ 30مارس2026
فى كل عام، تُعلن نتائج مسابقات التأليف المسرحى وسط احتفاء رسمى وأضواء إعلامية، وتُرفع أسماء نصوص فائزة باعتبارها إضافة نوعية إلى المشهد الثقافى. تصفيق، بيانات تهنئة، وصور تذكارية ثم يسدل الستار.
لكن السؤال الذى يتكرر فى الكواليس بصوت خافت: أين تذهب هذه النصوص بعد فوزها؟
كيف تتحول النصوص الفائزة بجوائز مرموقة صادرة عن مؤسسات رسمية إلى عناوين على الورق فقط، بينما تمتلئ خشبات المسرح بعروض مقتبسة أو مترجمة عن نصوص أجنبية، بعضها يعود إلى قرون مضت؟
هل المشكلة فى النص المحلى نفسه أم فى آليات الإنتاج أم فى خوف غير معلن من المغامرة باسم جديد؟
المفارقة تبدو لافتة: الجوائز تمنح شرعية أدبية، لكن الخشبة تمنح الحياة. وبين الشرعية والحياة فجوة تتسع عامًا بعد عام.
فى هذا التحقيق، نحاول تفكيك هذه الإشكالية من جذورها: من يحدد خريطة العروض المسرحية؟ ولماذا يفوز النص المحلى على الورق، بينما ينتصر النص المترجم على الخشبة وهل نحن أمام أزمة ثقة فى الكاتب العربى أم أزمة منظومة إنتاج كاملة؟
أسئلة نطرحها على كُتّاب ومخرجين ونقاد، بحثًا عن إجابة تتجاوز المجاملات، وتقترب من جوهر العلاقة بين النص والمسرح.
أحمد خميس: توجد فجوة واضحة بين مسابقات التأليف وواقع الإنتاج المسرحى
يرى الناقد أحمد خميس أن المفارقة بين تتويج نصوص مسرحية فى مسابقات رسمية وغيابها عن خشبة المسرح تعود فى جوهرها إلى مسألة إدارية وتنظيمية، إذ لا يوجد أى التزام يُلزم جهات الإنتاج – سواء فى البيت الفنى للمسرح أو الثقافة الجماهيرية أو الفرق المستقلة – بتحويل النص الفائز إلى عرض مسرحى. فالإنتاج لا ينطلق من نتيجة مسابقة، بل من مشروع متكامل يقوده مخرج متحمّس يمتلك رؤية إخراجية واضحة، وتصورًا لتكلفة الإنتاج، واختيارًا لفريق العمل من ممثلين ومصمم ديكور وغيرهم. أما النص الذى يتقدم به مؤلف بمفرده، فيمر غالبًا عبر لجان قراءة، لكنه يظل مجرد نص ما لم يتحول إلى مشروع إنتاجى متكامل. ومن ثم، فالمسابقات تسير فى مسار منفصل عن جهات الإنتاج، ولا يرتبط الفوز فيها تلقائيًا بقرار التنفيذ، إلا إذا وُجد اتفاق مسبق يلزم جهة بعينها بإنتاج النصوص الفائزة.
ويؤكد خميس وجود فجوة واضحة بين مسابقات التأليف وواقع الإنتاج المسرحى، لأن لجان التحكيم معنية فقط بتقييم النص من حيث جودته الدرامية والأدبية، دون النظر إلى مدى قابليته الفعلية للتنفيذ أو ملاءمته لخطط الإنتاج. أما القرار الحقيقى باختيار النصوص التى تصل إلى الخشبة، فيملكه أساسًا مدير الفرقة المنتجة واللجان المختصة بمراجعة المشروعات داخل المؤسسة الإنتاجية، إلى جانب القيادات الإدارية العليا. هذه الجهات تنظر إلى النص ضمن مشروع كامل، وليس بوصفه نصًا مجردًا، بينما تظل لجان التحكيم بعيدة تمامًا عن قرار الإنتاج أو عدمه.
الجوائز لا تعكس بالضرورة واقع الحركة المسرحية
وفى ما يتعلق بالنصوص المترجمة، يعتبر خميس أنها غالبًا ما تمثل خيارًا أكثر أمانًا من الناحية العملية، إذ تقل فيها التعقيدات المرتبطة بحقوق المؤلف المحلى أو أى مطالبات مادية قد تعطل سير العمل. لكنه يرفض اعتبار هذا التوجه دليلا على أزمة ثقة فى الكاتب المصرى، ويرى أن المسألة أقرب إلى بحث بعض المخرجين عن الطريق الأسهل الذى يضمن إنجاز العمل دون عوائق. وفى المقابل، هناك من يتعامل مع النص الأجنبى انطلاقًا من قناعة فنية حقيقية بضرورته الاجتماعية والجمالية. أما تأثير “الاسم العالمى”، فيشير إلى أن اسم المؤلف المصرى لا يحظى غالبًا بالصدى الذى يستحقه، مهما بلغت جودة النص، بسبب ضعف تقديرنا المؤسسى والثقافى لفعل الكتابة المسرحية، حيث تُقاس الأعمال بمعايير أخرى لا تمنح النص مركزه الطبيعى.
كما يرى خميس أن الجوائز لا تعكس بالضرورة واقع الحركة المسرحية، لأنها منفصلة عن عجلة الإنتاج. فالإنتاج يبدأ من اقتناع مخرج بنص معين وقدرته على تمريره داخل المؤسسة المنتجة، بينما تسير الجوائز فى مسار مستقل لا يفرض أى التزام بتحويل النص الفائز إلى عرض. لذلك قد يبقى النص المتوَّج أدبيًا بعيدًا عن الخشبة، لأن التحكيم يركز على القيمة الفنية للنص، لا على مشروع إنتاجى قابل للتنفيذ.
ويطرح خميس آلية عملية لتجاوز هذه الفجوة، تقوم على إبرام بروتوكولات تعاون واضحة بين الجهات المانحة لجوائز التأليف المسرحى وقطاعات الإنتاج المختلفة، مثل البيوت الفنية والثقافة الجماهيرية وقطاع الفنون الشعبية. ويرى أن تفعيل هذه الآلية يتوقف على وعى المسئولين بأهمية النصوص الفائزة وتقديرهم لقيمة لجان التحكيم، مؤكدًا أن الفلسفة السائدة حاليًا لا تُلزم جهات الإنتاج بتبنى هذه النصوص، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى العلاقة بين الجائزة والعرض المسرحى لضمان انتقال النص من الورق إلى الخشبة.
هانى قدرى: تكرار فوز الأسماء المصرية يعكس قيمة الكاتب المصرى
أكد الكاتب المسرحى هانى قدرى أنه عُرضت له بالفعل مجموعة من نصوصه الفائزة على خشبة المسرح، مشيرًا إلى أن مسرحياته قُدمت فى معظم محافظات مصر عبر مسارح الثقافة الجماهيرية، سواء ضمن شرائح مسرح الطفل أو من خلال نوادى المسرح. ومن بين الأعمال التى حصدت حضورًا لافتًا مسرحية «هجرة الماء» التى نالت جائزة أفضل عرض متكامل فى مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى، كما شاركت بعض نصوصه فى مهرجانات أخرى، بينما عُرض عدد محدود من نصوص الكبار.
وفى تفسيره لغياب كثير من النصوص الفائزة بالجوائز عن خشبات المسارح، أرجع الأمر إلى أسباب متشابكة تتعلق بجميع الأطراف: المؤلف، والمخرج، والجهة المنتجة، وكذلك الجهة المانحة للجائزة. ويرى أن دور الجهة المانحة لا ينبغى أن يتوقف عند تسليم المبلغ المالى أو شهادة التقدير، بل يجب أن يمتد لتكون حلقة وصل حقيقية بين المؤلف والمخرج لضمان تحويل النص إلى عرض حى. واستشهد بتجربته مع جائزة المجلس الأعلى للثقافة – لجنة المسرح، حيث تم تحويل المبلغ المالى دون منحه أو بقية الفائزين شهادات تقدير، واكتفت الجهة بإصدار إفادة عند الطلب، معتبرًا أن هذا يعكس اختزال دور المؤسسات فى الإعلان عن المسابقات وتوزيع الجوائز دون متابعة ما بعد الفوز.
وشدد قدرى على أن المؤلف ليس مطالبًا بالبحث عن مخرج لنصه، لأن ذلك – من وجهة نظره – يرسخ لفكرة الشللية. كما انتقد بعض المخرجين الذين يلجأون إلى إعادة تقديم عروض سبق تنفيذها مرارًا، أو يختارون نصوصًا عالمية مجازة رقابيًا لضمان الموافقة على مشروعاتهم، بدل المغامرة بتقديم نص جديد يُعرض للمرة الأولى.
لجان التحكيم تتعامل مع النص بوصفه عملًا أدبيًا
ويرى قدرى أن اختيار النص حق أصيل للمخرج، على أن تملك الجهة المنتجة حق القبول أو الرفض وفق توجهاتها وميزانيتها، موضحًا أن لجان التحكيم تتعامل مع النص بوصفه عملًا أدبيًا وتمنحه الجائزة على هذا الأساس. أما فكرة السوق والجمهور فيعتبرها غير منصفة، لأن الجمهور – بحسب تعبيره – يتلقى ما يُعرض عليه، ويرى أن من أسباب عزوف الجمهور عن المسرح تقديم نصوص عالمية بعيدة عن واقع المجتمع، وتتفاقم الأزمة حين يُطوَّع النص ليتناسب مع مكان العرض على حساب البناء الدرامى.
كما نفى وجود فجوة حقيقية بين لجان التحكيم وواقع الإنتاج، معتبرًا أن ما يُتداول عن “أزمة نصوص” أو “أزمة تأليف” مجرد عبارات جاهزة يرددها بعض المخرجين، بينما تثبت نتائج المسابقات الكبرى تصدّر الكتاب المصريين للمشهد، مستشهدًا بحضورهم المتكرر فى قوائم الهيئة العربية للمسرح وغيرها من المحافل العربية. وطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت الأزمة فى النصوص فعلًا أم فى تردد بعض المخرجين فى خوض تجربة تقديم عمل يُعرض للمرة الأولى، مفضلين نصوصًا شاهدوها من قبل.
“الاسم العالمى” لا يؤثر على الجمهور
وفيما يتعلق بالنصوص المترجمة، اعتبرها قدرى خيارًا أكثر أمانًا وأحيانًا مدعاة للتباهى، كأن يقال إن المخرج أخرج لشكسبير، مؤكدًا أن المسألة لا تتعلق بأزمة ثقة فى النص المحلى بقدر ما هى استسهال. ويرى أن “الاسم العالمي” لا يؤثر على الجمهور، وأن النقاد أكثر وعيًا من أن ينخدعوا بمجرد شهرة النص، فالمعيار الحقيقى هو جودة العرض سواء كان النص عالميًا أم مصريًا.
ورغم حصوله على عدة جوائز أدبية مصرية وعربية، شدد هانى قدرى على أن الجوائز لا تعكس بالضرورة واقع الحركة المسرحية، بل تمثل إشارة إلى تميز صاحبها من وجهة نظر لجنة التحكيم، مؤكدًا أن تكرار فوز الأسماء المصرية يعكس قيمة الكاتب المصرى ويدحض مقولة وجود أزمة تأليف.
كما رفض مقولة “النص القابل للعرض” فى مقابل “النص غير القابل للعرض”، معتبرًا أنها ذريعة تُستخدم لتبرير الاعتماد على النصوص العالمية، موضحًا أن هناك روايات وقصصًا غير مسرحية جرى تحويلها إلى عروض ناجحة، فكيف يُقال عن نص مسرحى إنه غير قابل للتقديم على الخشبة.
واختتم بالتأكيد على أن الآلية العملية لضمان تحويل النصوص الفائزة إلى عروض حية تبدأ بإمداد المخرجين بهذه النصوص وإتاحة قراءتها لهم، بما يفتح المجال أمام تبنيها إنتاجيًا بدل بقائها حبيسة الأدراج.
محسن رزق: الأزمة ليست فى النصوص الفائزة بل فى ندرة الإنتاج وغياب البروتوكولات الملزمة
فيما يرى المخرج محسن رزق أن أزمة غياب النصوص الفائزة بالجوائز عن خشبة المسرح ترتبط فى الأساس بندرة الإنتاج نفسه. فالإنتاج المسرحى – كما يؤكد – محدود للغاية، ويكاد يقتصر على القطاع العام، فى ظل تراجع واضح لإنتاج القطاع الخاص. كل جهة إنتاجية تمتلك خطة سنوية محدودة، غالبًا لا تتجاوز عرضًا أو عرضين، بينما تحتفظ بعدد من النصوص المعتمدة من لجان القراءة ضمن خطتها الممتدة لسنوات. لذلك يصبح من الصعب إدخال نصوص جديدة فائزة فى مسابقات خارج هذه الخطة.
ويفسّر هذه المفارقة بغياب التنسيق المؤسسى، مقترحًا ضرورة وجود بروتوكولات واضحة بين مسابقات التأليف والجهات المنتجة، تضمن تقديم النصوص الفائزة ضمن برامج محددة، وربما عبر مسارح الشباب أو مسارات إنتاج موازية. فبدون اتفاقات مُلزمة، ستظل النصوص – مهما بلغت جودتها – حبيسة الأدراج، لأن المشكلة ليست فى القيمة الفنية بل فى ضيق مساحات الإنتاج.
أما عن الجهة التى تمتلك القرار الحقيقى فى اختيار النصوص التى تصل إلى الخشبة، فيؤكد أن القرار مشترك بين المخرج وجهة الإنتاج. فالمخرج يقدّم النص، ثم تخضع اختياراته لمناقشات داخل المؤسسة المنتجة، وفقًا لهوية كل مسرح وطبيعة جمهوره. فهناك مسارح ذات طابع جماهيرى كوميدى، وأخرى تجريبية أو طليعية، ولكل منها توجه فنى يحكم اختياراته. اعتبارات السوق والجمهور حاضرة فى النقاش، لكنها ليست العامل الوحيد، بل تأتى ضمن رؤية المؤسسة وهويتها.
الإشكالية تكمن فى ضعف البنية الإنتاجية
وينفى رزق وجود فجوة بين لجان تحكيم مسابقات التأليف وواقع الإنتاج، مؤكدًا أن لجان التحكيم تؤدى دورها فى اختيار أفضل النصوص من بين المتقدمين، بينما يظل إنتاج هذه النصوص خارج اختصاصها. الإشكالية – فى رأيه – تكمن فى ضعف البنية الإنتاجية، فلو توافرت جهات إنتاج كافية، لوجدت النصوص الفائزة طريقها إلى فرق الهواة أو الفرق المستقلة على الأقل.
وفى ما يتعلق بالنصوص المترجمة، يرى أنها تمثل خيارًا فنيًا مشروعًا منذ زمن طويل، لا مجرد حل إنتاجى آمن. فهناك أعمال عالمية لكُتّاب كبار مثل ويليام شكسبير وموليير تحظى بجمهور واسع، ووجود “الاسم العالمى” يمنح العرض جاذبية إضافية لدى بعض المتفرجين والنقاد. كما أن بعض المسارح، مثل المسرح القومى المصرى، تقوم هويتها على تقديم نصوص عالمية كلاسيكية أو بارزة.
ومع ذلك، يرفض اعتبار انتشار النصوص المترجمة دليلًا على أزمة ثقة فى النص المحلى المعاصر، مشيرًا إلى بروز عدد كبير من الكتّاب الشباب الذين حققت نصوصهم نجاحًا ملحوظًا. ويرى أن الخلل الحقيقى يكمن فى آليات الإنتاج والتسويق، لا فى جودة الكتابة المحلية. كما يلفت إلى وجود نصوص مترجمة حديثة ومتميزة لكتّاب معاصرين غير مشهورين، لكنها لم تُنتج بعد، ما يعيد المشكلة مجددًا إلى نقص الإنتاج لا إلى طبيعة النص.
يجب إقرار آلية واضحة تربط المسابقات بجهات الإنتاج
وفى تقييمه لعلاقة الجوائز بواقع الحركة المسرحية، يؤكد رزق أن الأمر نسبى ويختلف من لجنة إلى أخرى. فهناك لجان تحظى بتوافق واحترام، وأخرى تثير الجدل بسبب اختيارات غير متوقعة. لكنه يعتقد أن القيمة الحقيقية لأى عرض لا يحددها عدد الجوائز بقدر ما يحددها تفاعل الجمهور. فالعرض – مهما حصد من تكريمات – إذا لم يجد مشاهدًا يستمتع به، تتراجع قيمته الفعلية. المنتج الجيد هو ما يصمد أمام الجمهور، لا ما يكتفى بشهادة لجنة تحكيم.
ويختتم المخرج محسن رزق بالتشديد على أن الحل العملى يتمثل فى إقرار آلية واضحة تربط المسابقات بجهات الإنتاج عبر بروتوكولات مُسبقة، تُلزم جهة ما بإنتاج النص الفائز خلال موسم محدد. أما فى ظل الوضع الراهن، حيث تمتلك الجهات الحكومية مشروعاتها المؤجلة ونصوصًا قيد الانتظار منذ سنوات، فإن إدراج نصوص جديدة دون اتفاق مسبق يظل أمرًا بالغ الصعوبة. الأزمة – فى جوهرها – ليست أزمة نصوص، بل أزمة إنتاج.
فادى نشأت: غياب الربط بين التحكيم والإنتاج يُبقى النصوص الفائزة خارج الخشبة
يرى الناقد فادى نشأت أن المفارقة بين تتويج نصوص مسرحية فى مسابقات رسمية وغيابها شبه التام عن الإنتاج والعرض على الخشبة تعود إلى الفصل بين مسار التحكيم ومسار الإنتاج. فمسابقات التأليف غالبًا ما تقيّم النص بوصفه عملًا أدبيًا مكتوبًا، وفق معايير تتعلق بالبناء الدرامى، واللغة، والفكرة، دون اشتراط خطة إنتاج واضحة أو ضمان لتحويل النص إلى عرض. وبذلك ينتهى دور المسابقة عند منح الجائزة، فى ظل غياب آلية مؤسسية ملزمة تتبنى النص الفائز إنتاجيًا، وهو ما يجعل غياب هذا الربط الإجرائى السبب الرئيسى فى بقاء عدد كبير من النصوص الفائزة خارج دائرة العرض المسرحى.
ويؤكد أن القرار الفعلى فى اختيار النصوص التى تصل إلى الخشبة تمتلكه جهات الإنتاج، سواء كانت مؤسسات رسمية أو فرقًا مستقلة، بالتعاون مع المخرجين. أما لجان التحكيم فدورها يقتصر على منح تقدير نقدى، دون أن تملك سلطة تنفيذية.
معايير الاختيار فى المسابقات لا تتطابق مع اعتبارات التنفيذ
ومن هنا تتشكل فجوة واضحة بين لجان التحكيم وواقع الإنتاج، لأن معايير الاختيار فى المسابقات لا تتطابق بالضرورة مع اعتبارات التنفيذ، مثل الميزانية، وعدد الممثلين، وطبيعة الجمهور المستهدف، وسياسة الجهة المنتجة. هذا التباين قد يؤدى إلى اختيار نصوص متميزة على المستوى النظرى، لكنها لا تُدرج ضمن أولويات الإنتاج.
ويشير نشأت إلى أن النصوص المترجمة يمكن أن تمثل خيارًا فنيًا مشروعًا عندما يتم اختيارها ضمن رؤية إخراجية أو مشروع ثقافى واضح، إلا أنه فى كثير من الحالات يتم التعامل معها بوصفها خيارًا إنتاجيًا أقل مخاطرة. فوجود اسم معروف مثل أنطون تشيخوف أو ويليام شكسبير يمنح العرض شرعية مسبقة لدى بعض المؤسسات والجمهور، ويقلل من درجة المخاطرة المرتبطة بتقديم نص محلى جديد. ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة لا تعكس بالضرورة ضعفًا فى النص المحلى، بقدر ما تشير إلى خلل فى آليات دعم وتسويق الإنتاج المعاصر، وغياب سياسات تشجع على المخاطرة المدروسة بالنصوص الجديدة.
كما يرى أن الجوائز تعكس جزءًا من واقع الحركة المسرحية، لكنها لا تمثلها بالكامل. فعملية التحكيم غالبًا ما تركز على النص فى صورته المكتوبة، وتمنحه قيمة وفق معايير أدبية أو فكرية، من دون اختبار حقيقى لقابليته للتحول إلى عرض فعلى ضمن شروط إنتاج محددة. وغياب هذا البعد التطبيقى يجعل بعض النصوص الفائزة غير مهيأة مباشرة للتنفيذ، أو تحتاج إلى معالجة إضافية قبل الإنتاج.
ويخلص نشأت إلى أن الآلية العملية لضمان تحويل النصوص الفائزة بالجوائز إلى عروض حية تتمثل فى ربط الجائزة بالتزام إنتاجى واضح ومعلن ضمن لائحة المسابقة، بحيث تتضمن الشروط بندًا ينص على إنتاج النص الفائز خلال فترة زمنية محددة وبميزانية مخصصة. كما يمكن اعتماد مرحلة تطوير إلزامية للنص الفائز، تضم الكاتب ومخرجًا ودراماتورج، بهدف تهيئة النص للتنفيذ العملى. ودون هذا الربط الإجرائى ستظل الجوائز منفصلة عن عملية الإنتاج الفعلى.
أحمد سمير: أزمة النص المسرحى ليست فى الجوائز بل فى آليات الإنتاج
أكد الكاتب أحمد سمير أن له تجربة مباشرة فى تحويل نصوصه الفائزة إلى عروض مسرحية، إذ قُدِّم عدد منها بإنتاج جهات رسمية. فمسرحية «مآذن تلفظها الأندلس» عُرضت فى العام نفسه الذى فازت فيه بجائزة الهيئة العربية للمسرح، وذلك ضمن إنتاجات الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما قُدِّمت مسرحيته «ليلة قبل ألف ليلة وليلة» عقب تتويجها بجائزة التأليف فى مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى، إلى جانب نصوص أخرى حالفها الحظ فى الفوز والإنتاج.
ويرى أن أزمة غياب كثير من النصوص الفائزة عن خشبة المسرح تعود إلى عدة أسباب، فى مقدمتها ضعف خبرة بعض المؤلفين فى إدارة موهبتهم وتسويق أنفسهم واختيار التوقيت المناسب للظهور، فضلًا عن تراجع دور المؤسسات الثقافية المعنية بالإنتاج المسرحى فى البحث عن الكُتّاب الفائزين وتبنّى نصوصهم. كما يشير إلى وجود توجه مسرحى قائم على ثنائيات ثابتة بين بعض المخرجين والمؤلفين، بحيث لا يعمل الطرفان إلا معًا، وهو ما يضيّق فرص ظهور مؤلفين جدد خارج هذه الدوائر التى تقوم فى الأساس على العلاقات الشخصية.
قرار اختيار النصوص فى يد المخرج
ويؤكد أن القرار الفعلى فى اختيار النصوص التى تصل إلى الخشبة بات فى يد المخرج بوصفه صاحب المشروع، إذ يمتلك حق قبول النص أو رفضه وفق ذائقته واهتماماته. ويعتقد أن تراجع دور لجان القراءة فى انتقاء المشروعات، وحصر التقديم عبر رؤية المخرج وحده، أبعد المؤلف عن دائرة الفعل، وحصر دوره فى تسليم النص فقط، بل وأصبح لزامًا عليه تكوين شبكة واسعة من العلاقات كى يتمكن من إيصال نصوصه إلى المخرجين لضمّها إلى مشروعاتهم.
أما بشأن النصوص المترجمة، فيرى أنها تمثل أحيانًا حلًا يلجأ إليه البعض هربًا من قيود إدارية أو تعاقدات مالية، لكنها فى النهاية لا تُقيم مسرحًا أصيلًا معبرًا عن هموم المجتمع المحلى ومشكلاته، بل تنقل الجمهور إلى عوالم أخرى بأسماء وعلاقات وطباع غريبة، ولا تعالج قضاياه المباشرة، حتى وإن اتسمت بقيمة أدبية رفيعة.
ويشير إلى أن الجوائز الأدبية تعكس فى كثير من الأحيان جودة النص المصرى، خاصة فى المسابقات الدولية التى تفتح أبوابها لمشاركات من مختلف أنحاء العالم، وقد جاءت نتائج عديدة مبشرة وقدمت أسماء أثبتت جدارتها واستحقاقها متى أتيحت لها الفرصة. كما تمثل الجوائز متنفسًا مهمًا لمن لا يجيدون بناء العلاقات أو التقرب من المخرجين، إذ تمنحهم مساحة من الضوء وتسلّط الانتباه إلى أعمالهم.
خالد رسلان: النص المسرحى لا يعيش بالجائزة بل بالخشبة
فيما أوضح الكاتب خالد رسلان أن المفارقة بين فوز النصوص المسرحية بجوائز وغيابها عن الخشبة ليست مشكلة النص وحده، ولا لجان التحكيم وحدها، بل تكمن فى الانفصال بين لحظة التتويج ولحظة الإنتاج. الجائزة تقيس جودة الكتابة، لكن العرض المسرحى يحتاج منظومة متكاملة تشمل مخرجًا يؤمن بالنص، منتجًا يتحمل المخاطرة، مؤسسة تملك رؤية، وجمهورًا مستعدًا للتجربة.
كثير من النصوص العربية الفائزة تُكتب بوعى أدبى عالٍ، لكنها لا تُختبر دائمًا بصرامة الخشبة من حيث الإيقاع، الاقتصاد فى المشاهد، قابلية الأداء، وعلاقة الجسد بالفضاء. وفى المقابل، هناك مؤسسات تفضل النصوص “المجربة” أو الأسماء المعروفة لأنها أقل مخاطرة. وهكذا تنشأ فجوة بين النص كإنجاز مكتوب والنص كفعل حى على المسرح.
وأشار إلى أن القرار الفعلى لوصول النص إلى العرض موزع، لكنه عمليًا يميل إلى المخرج والمؤسسة المنتجة؛ فالكاتب يملك النص، لكنه لا يملك الخشبة، المخرج يملك الرؤية التنفيذية، المؤسسة تملك الميزانية، والسوق تفرض نوعًا من الخوف. المشكلة أن هذه الأطراف لا تتحرك دائمًا برؤية مشتركة، وأحيانًا تكون لجان التحكيم أكثر جرأة من المؤسسات الإنتاجية، ما يخلق فجوة بين النصوص التى يُحتفى بها نظريًا والنصوص التى يُغامر بها عمليًا.
الاسم العالمى يمنح شعورًا مسبقًا بالثقة
وأكد رسلان أن هيمنة النصوص المترجمة على الخشبة ليست دائمًا خيارًا فنيًا بحتًا بل تمثل أحيانًا أمانًا إنتاجيًا، فالاسم العالمى يمنح شعورًا مسبقًا بالثقة: النص “مجرّب”، والجمهور يعرفه، والنقاد يمتلكون مرجعيات جاهزة لقراءته. هذه الممارسة تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بديل دائم عن النص المحلى المعاصر، فلا يكون الاختيار حينها فنيًا خالصًا، بل مرتبطًا بالخوف من المغامرة. الجمهور العربى ليس أقل استعدادًا لتقبّل نص محلى قوى، لكنه يحتاج إلى ثقة مؤسسية تمنحه هذه الفرصة.
وأوضح أيضًا أن جوائز التأليف لا تراعى دائمًا قابلية النص للعرض، إذ تُقيّم النص بوصفه منجزًا أدبيًا متماسكًا، بينما المسرح فن أدائى قبل أن يكون أدبًا. النص المسرحى الجيد هو الذى يتحمل الجسد، الصمت، الإيقاع، واحتمالات التأويل الحى. حين يغيب هذا الوعى، قد يفوز نص جميل على الورق لكنه يواجه صعوبة فى التحول إلى عرض حى. المعادلة المثالية هى أن يُقرأ النص بعينين: عين أدبية وعين مسرحية عملية.
واختتم خالد رسلان مؤكداً أن الخطوة العملية لضمان تحويل النصوص الفائزة إلى عروض حية ليست تنظيرية بل إداريّة، وتشمل ربط الجائزة بخطة إنتاج واضحة وملزمة، بحيث يتضمن أى تتويج التزامًا بتمويل عرض واحد على الأقل خلال العام التالى، وإنشاء مختبرات قراءة وإخراج للنصوص الفائزة قبل الإنتاج، مع تعاون حقيقى بين الكاتب والمخرج منذ اللحظة الأولى. النص المسرحى لا يعيش بالجائزة، بل بالعرض، والخشبة هى الاختبار النهائى، لا بيان لجنة التحكيم.
محمد السورى: أزمة النص المسرحى ليست سببًا واحدًا بل منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة
يرى المخرج والكاتب محمد السورى أن المفارقة بين تتويج نصوص مسرحية فى مسابقات رسمية وغيابها عن خشبة المسرح لا يمكن اختزالها فى سبب واحد محدد، بل تعود إلى منظومة معقدة من العوامل المتداخلة التى تختلف من مسابقة إلى أخرى ومن جهة إنتاجية إلى أخرى.
فى تقديره، قد تكون بعض النصوص الفائزة غير قوية بالقدر الكافى إنتاجيًا، أو أن طبيعة المسابقة نفسها تفرض اشتراطات فنية معينة تجعل النصوص المختارة ذات طبيعة خاصة يصعب تنفيذها على أرض الواقع، سواء بسبب عدد الممثلين الكبير، أو احتياجها إلى إنتاج ضخم يفوق قدرات الجهات المتاحة. أحيانًا يفوز نص جيد أدبيًا، لكنه يحتاج ميزانية وإمكانات تقنية لا تستطيع جهة إنتاج أو مخرج التصدى لها، فيظل حبيس الأدراج رغم استحقاقه الفنى.
ومن زاوية أخرى، يشير إلى أن كثيرًا من المخرجين لا يطّلعون بالقدر الكافى على النصوص الجديدة، ولا يقومون بقراءة شاملة للمشهد الكتابى المعاصر، مما يؤدى إلى إعادة تدوير نصوص بعينها وتكرار إخراجها أكثر من مرة، فى ظل غياب البحث الجاد عن نصوص جديدة ومختلفة. كما يلفت إلى وجود فجوة تنظيمية أحيانًا بين مسابقات التأليف وواقع العروض المسرحية، سواء فى آليات التحكيم أو فى فلسفة تنظيم المسابقة نفسها، فضلًا عن ضعف الترويج الإعلامى لمسابقات التأليف، وهو ما يحرم النصوص الفائزة من الانتشار والوصول إلى عدد أكبر من القراء والمخرجين.
وفى ما يتعلق بجهة القرار فى اختيار النصوص التى تصل إلى الخشبة، يؤكد أن الفجوة بين لجان التحكيم وواقع الإنتاج موجودة بالفعل، لكنها لا تعنى بالضرورة تحميل اللجان المسؤولية الكاملة، إذ إن دور اللجنة ينحصر فى تقييم النص وفق معايير فنية وأدبية، وليس من اختصاصها توفير عناصر الإنتاج، إلا إذا كان ذلك شرطًا مُعلنًا ضمن إطار المسابقة. كما أن بعض النصوص يجنح فيها الكاتب إلى خيال واسع يجعل تنفيذها بالغ الصعوبة أو شبه مستحيل إنتاجيًا، ما يعمّق الهوة بين النص الفائز وإمكانية تجسيده مسرحيًا.
ويعتبر أن المخرج هو صاحب الدور الأبرز فى اختيار النص وتقديمه، لكن الأمر يختلف باختلاف الجهة المنتجة؛ ففى مسارح الدولة يتداخل القرار بين المخرج ومدير المسرح ولجان القراءة، بينما تتحكم اعتبارات الإنتاج والرقابة أحيانًا فى مسار الاختيار، خاصة فى المسرح الجامعى. أما السوق والجمهور، فيرى أن تأثيرهما فى المسرح أقل بكثير مقارنة بوسائط أخرى، لأن سوق المسرح التجارية ضعيفة نسبيًا، والجمهور لا يملك سلطة حقيقية فى تحديد ما يُنتَج على الخشبة بقدر ما يحدث فى مجالات فنية أخرى.
لماذا نقدم المسرح؟
وفى ما يخص النصوص المترجمة، يطرح السورى رؤية واضحة تنطلق من سؤال جوهري: لماذا نقدم المسرح؟ فإذا كان الهدف هو نقل صورة أجنبية أو معالجة قضايا بعيدة عن واقعنا وثقافتنا، فإن العرض – مهما بلغت تقنياته من إبهار – يفقد مبرره الأساسى. لا يرفض النص الأجنبى من حيث المبدأ، لكنه يرى أن الأولوية يجب أن تكون للنص المحلى القادر على التعبير عن مشكلات نعيشها ونلمسها، لأن هذا النوع من النصوص يصل إلى الجمهور بشكل أسرع وأكثر صدقًا.
كما يحذر السورى من منطق “الأمان” القائم على الاعتماد على اسم كاتب عالمى بوصفه ضمانة جاهزة للنجاح، معتبرًا أن إخراج أو إنتاج نص اعتمادًا على شهرة مؤلفه لا على معطياته الفنية هو خلل حقيقى. والمعيار، فى رأيه، يجب أن يكون جودة النص ذاته، لا بريق اسمه.
وعن الجوائز، يؤكد السورى أهميتها بوصفها دعمًا معنويًا أساسيًا للكاتب، خاصة فى ظل محدودية القيمة المادية للجوائز فى مصر. موضحًا أن الجوائز تسلّط الضوء على الفائزين وتمنحهم حضورًا أكبر، لكنها ليست مقياسًا نهائيًا للجودة؛ فكثير من النصوص التى لم تحصد جوائز حققت شهرة ونجاحًا أوسع من نصوص متوجة. كما أكد أن تأثير الجوائز فى الحركة المسرحية قد يكون محدودًا فى البداية، لكنه يتسع أو يتراجع وفق جودة النص نفسه.
القيمة الأدبية والحياة فوق الخشبة ليستا نقيضين
أما مسألة التحكيم فيرى محمد السورى أن الحكم على النص يجب أن ينطلق من قراءته بوصفه بذرة عرض محتمل، لأن العرض المسرحى يتعرض لاحقًا لتدخلات عديدة من المخرج والممثلين وآليات التنفيذ، ما قد يغيّر المعنى أو يبدله أو حتى يبدده. ومع ذلك، يؤكد أن القيمة الأدبية والحياة فوق الخشبة ليستا نقيضين؛ فالنص الذى يمتلك قيمة أدبية حقيقية هو ذاته القادر على أن يكتسب حياة مسرحية، لأن البعدين مرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا.
ويطرح السورى آلية عملية يراها حاسمة لضمان خروج النصوص الفائزة إلى النور، وهى أن يكون نشر النص جزءًا أصيلًا من الجائزة. فبمجرد نشر النص وإتاحته للقراء والمخرجين، تتضاعف فرص إنتاجه. ففى تقديره، نشر النص الفائز فورًا هو الخطوة الأهم والأكثر فاعلية لتحويله من ورق محفوظ فى الأدراج إلى عرض حى على خشبة المسرح.