الأفعال السمعية المسرح وفينومينولوجيا الاستماع(1)

الأفعال السمعية  المسرح وفينومينولوجيا الاستماع(1)

العدد 963 صدر بتاريخ 9فبراير2026

الاستماع، بكل معانيه، فعل. لا يقتصر الأمر على أن فعل الاستماع يتطلب منا القيام بشيء ما، بل إن الاستماع نفسه مسرحى بطبيعته؛ ففى الاستماع، نُدخل الصوت وأنفسنا فى حالة «لعب». وباعتبار أن الاستماع شكل من أشكال البحث فى الفينومينووجية، يقدم هذا الفصل وصفًا للسمعية فى المسرح المعاصر، مع مراعاة الموقع الجسدى والخاص للمستمع المتفرج. وانطلاقًا من تأكيد ألفا نويه على أن الإدراك «شىء نفعله»، يُطرح الادعاء بأن الاستماع فى المسرح هو نمط متخصص من الانتباه ينطوى على تفاعل جسدى وفعّال وجهدى مع بيئتنا و»إمكانياتها».(1) من خلال تقديم قراءة جديدة لنظرية ميرلو-بونتى «الحقيقية للانتباه» واستنادًا إلى أعمال آرون جورفيتش، يُعارض هذا الفصل المفهوم المألوف الذى يُركز على الانتباه كضوء كاشف أحادى البعد، ويُحوّلنا إلى موضوع، ويحثنا بدلًا من ذلك على إعادة النظر فى الانتباه كنشاط ديناميكى وجسدى فى جوهره.
   يُعدّ البحث الفينومينولوجى فى الاستماع فى المسرح مجالًا بحثيًا لا يزال غير مستكشفٍ بشكلٍ كافٍ وغير مُخصّصٍ بشكلٍ كافٍ ضمن دراسات المسرح والأداء. مع ذلك، فى الآونة الأخيرة، وبالتزامن مع ظهور دراسات الصوت وما يُسمى بـ»التحوّل الصوتي»، بدأ عددٌ متزايدٌ من باحثى المسرح فى إيلاء اهتمامٍ للأبعاد السمعية للظاهرة المسرحية.(2) بل ذهب روس براون إلى حدّ اقتراح أن المسرح قد يكون على وشك الدخول فى «عصرٍ جديدٍ من السمعية». ولكن، ما الذى يُمثّله هذا التصريح؟
  فى مقالته الرائدة، «المشهد الصوتى للمسرح ونهاية الضوضاء» (2005)، يقدم لنا براون ملخصًا بارعًا وبصيرًا لتاريخ الصوت فى المسرح، وقد أسهم بشكل كبير فى ريادة استخدام الأذن فى المسرح. ومع ذلك، أود أن أجادل بأن مسعاه ينسجم مع اتجاه أكثر عمومية وانتشارًا فى الدراسات، والذى، فى محاولته الحثيثة لتحدى هيمنة عين المتفرج ونظرته، لا يخدم إلا فى إدامة هذا التسلسل الهرمى الحسى والنقدى من خلال التركيز على الاختلاف أو اختزاله إلى جوهره.
   يتعلق اعتراضى، فى المقام الأول، بالمنهجية. فى رأيى، تضعف دراسة براون بسبب اعتماده المسبق على نموذج يواكيم إرنست بيرندت الأنطولوجى البعيد عن الواقع. فبينما حاول براون بجرأة، ولأول مرة، رسم العلاقة العميقة بين المشهد الصوتى للمسرح والوجود (وهى علاقة وصفها المخرج بيتر سيلارز بأنها صوت يتحدث إلى المسرح «كأنطولوجي»)، إلا أنه يعتمد، إلى حد كبير، على القياس، متجاهلًا بذلك الجانب السمعى كما يُختبر. بعبارة أخرى، وبشكل عام، يستند براون فى استنتاجاته إلى التشابه، انطلاقًا من موقف نظرى مجرد، يتسم إلى حد ما بالشمولية، حيث يتم تجاهل احتمالات الجزئيات.
  يؤكد ميشيل سيريس أن «الضوضاء الخلفية هى أساس إدراكنا [...] لا حياة بدون حرارة؛ لا دفء بدون هواء، لا منطق بدون ضوضاء». هنا، تُشير «الضوضاء» إلى السياق الصوتى الذى يحدث فيه الكلام واللغة والفكر، وبالتالى، مجازيًا، إلى ما هو اضافى للمعنى، كما يصفه براون. ومع ذلك، فبينما أعلن براون بحق أن المشهد الصوتى للمسرح يدفعنا إلى توسيع نطاق انتباهنا وإطارنا الدلالى ليشمل ظواهر قد تُعتبر هامشية أو غير ذات صلة، فإن هذا لا يعنى أننا يجب أن نغفل عن الجدلية القائمة بين الخلفية والشخصية والموضوع والهامش: فالضوضاء الخلفية ليست «العالم» بل هى أساس الإدراك. انطلاقًا من تجربتى كمستمع ومتفرج، ومن قراءاتى حول الانتباه، أودّ أن أقدّم منهجًا بديلًا لا يستبعد الجزئى ولا الكلى، بل يأخذ فى الحسبان العلاقة الانتباهية المتغيرة باستمرار، والمتشابكة، والمسرحية بطبيعتها التى تربط بين الخلفية والموضوع؛ بين الضوضاء والإشارة.
   لذا، من أجل دراسة «الفينومينولوجيا السمعية» فى المسرح وتفسيرها، يجب علينا الانخراط فى دقة وخصوصيات الوصف الفينومينولوجي: يجب ممارسة الفينومينولوجيا. فى الواقع، كما أوضح دون إيد، «بدون ممارسة الفينومينولوجيا، قد يكون من المستحيل عمليًا فهمها»؛ أو كما قال ميرلو بونتى ذات مرة، «لا يمكن الوصول إلى الفينومينولوجيا إلا من خلال منهج فينومينولوجي». ويقدم هذا الفصل نهجًا بديلًا يبحث فى «قابلية التبادل» الأساسية للحواس ويحاول تفسير الديناميات الفينومينولوجية لـ»مجال» الانتباه، ويشير إلى أن المشهد الصوتى فى المسرح المعاصر لا يتطلب منا فقط الانخراط فى مناورات انتباهية متزايدة التعقيد، بل إن المسرح، من خلال تجسيد الإدراك، يدعونا إلى الانتباه إلى أنفسنا ونحن منتبهون.
  إن فعل الانتباه مرتبطٌ جوهريًا بمفهوم ألفا نويه عن التفعيل. فالإدراك، كما أشارت نويه، هو فعلٌ نشط؛ فهو «يتحدد بما نحن مستعدون لفعله [...] فنحن نُفعّل إدراكنا، ونُجسّده». بعبارة أخرى، لا يوجد ما يُسمى بـ»المُدرِك الخامل» أو «غير النشط» : فمهاراتنا الحسية الحركية مُتضمنةٌ دائمًا، إلى حدٍ ما، فى الإدراك. وكما يشهد أصل الكلمة،(3) فإن الإدراك هو «الإمساك»؛ أى التحرك، واللمس، والتواصل مع العالم. وبالتالى، كما يُصرّح ميرلو-بونتى، «إن تجربة بنيةٍ ما لا تعنى استقبالها فى الذات بشكلٍ سلبي: بل تعنى عيشها، واستيعابها، وتبنّيها، واكتشاف دلالتها الكامنة». عند حضور ظاهرة أو حدث أو بيئة معينة، يُطلب منا أن نوسع آفاقنا. كلمة «انتباه» مشتقة من الكلمة اللاتينية المركبة «adtendere»، والتى تعنى «التمدد». ومن ثم، فإن جوهر مفهوم الانتباه يكمن فى فكرة نوع من التجسيد الذى ينطوى على حركة ديناميكية عبر الفضاء. هذه الحركة ليست محسوسة فحسب، بل هى فعلية. علاوة على ذلك، من خلال التمدد، نصبح واعين لأنفسنا كجسد. كما ينطوى التمدد على شعور بالجهد والعمل والمرونة؛ ففى تمدد أنفسنا، نختبر شعورًا بالانجذاب فى اتجاهات مختلفة، دينامية «الدفع والسحب» التى تولد بشكل واضح تنوعًا ومغامرة وجودية ظاهرة. وهكذا، فإن الانتباه، فى جوهره، هو فعل تجسيد دينامى.
  تُعد مناقشة ميرلو-بونتى واحدة من أكثر المناقشات الفلسفية عمقًا، وإن كانت مهملة إلى حد ما، حول ظاهرة الانتباه(4). وكثيرًا ما يُفترض أنه كان ضد الانتباه تمامًا.(5) ويبدو أن لهذا الافتراض بعض المبررات: ففى بداية كتابه «فينومينولوجيا الإدراك» (2002)، يذكر ميرلو-بونتى، بشكل قاطع، أن «مفهوم الانتباه لا يدعمه أى دليل يقدمه الوعي»، وأنه «ليس أكثر من فرضية مساعدة، تطورت للحفاظ على التحيز لصالح عالم موضوعي». ومع ذلك، فهو لا يعترض على ظاهرة الانتباه فى حد ذاتها، بل على كيفية تصور الانتباه، سواء من منظور التجريبية من جهة، أو من منظور العقلانية من جهة أخرى. فمن منظور التجريبية، كما يوضح، فإن الانتباه «هو نوع من الضوء الكاشف الذى يكشف عن أشياء موجودة مسبقًا فى الظلام». وهكذا، وفقًا لمفهوم التجريبية، يُصبح الانتباه سلبيًا وعاجزًا لأن «موضوعات الإدراك موجودة بالفعل وتحتاج فقط إلى إضاءتها». فى المقابل، من منظور العقلانية، يُعتبر الانتباه قويًا للغاية: كما يؤكد، «بما أننى أختبر فى الانتباه توضيحًا للموضوع، فإن الموضوع المُدرَك يجب أن يحتوى بالفعل على البنية المعقولة التى يكشف عنها».
   علاوة على ذلك، وكما يكشف ميرلو-بونتى، فإن لا التجريبية ولا الفكرية «قادرتين على إدراك الوعى فى عملية التعلم، ولا تُولى أى منهما الأهمية الكافية لذلك الجهل المحدود، ذلك القصد الذى لا يزال «فارغًا» ولكنه محدد بالفعل، والذى هو الانتباه نفسه». بعبارة أخرى، هو يعارض مفهوم الانتباه الذى يكون إما جاهلًا تمامًا (التجريبية) أو عالمًا بكل شىء (الفكرية)، ويقترح بدلًا من ذلك أن الانتباه يُجسد نوعًا من المفارقة، وهى فى حد ذاتها مفارقة الإدراك: العلاقة الجدلية بين الجسد والعالم:
الانتباه ليس مجرد ربط للصور، ولا عودة للفكر المسيطر على موضوعاته، بل هو التكوين الفعال لموضوع جديد يُظهر بوضوح ما كان حتى ذلك الحين مجرد أفق غامض. وفى الوقت الذى يُحرك فيه الانتباه، يُعاد فى كل لحظة استعادته ووضعه مرة أخرى فى حالة تبعية له.
يخلص ميرلو-بونتى إلى أن «نتيجة فعل الانتباه لا تكمن فى بدايته». بل، كما يحثّ، «يجب على الوعى أن يواجه حياته غير الواعية فى الأشياء وأن يُوقظ على تاريخه الذى كان ينساه: هذا هو الدور الذى يجب أن يلعبه التأمل الفلسفى، ومن ثم نصل إلى نظرية حقيقية للانتباه». يشير نقاش ميرلو-بونتى حول الانتباه إلى أنه فعل متجسد ينطوى على إحساس بالحركة، وأن العلاقة بين الانتباه وإمكانيات بيئتنا هى علاقة جدلية فى جوهرها: فالموضوع المُدرَك يحفز الانتباه لكنه ليس سبب هذا «الحدث المُولِّد للمعرفة». علاوة على ذلك، من خلال تصوير الانتباه كظاهرة دينامية بطبيعتها، يُزعزع تحليل ميرلو-بونتى، إن لم يُفكك، ثنائية الانتباه/التشتت. فى الواقع، كما أشارت ناتالى ديبراز، «يحتوى الانتباه فى جوهره على عدم الانتباه».
   وبدلًا من فصل الانتباه عن التشتت، يجب أن نركز على التداخل الجوهرى وعدم التحديد والتواجد المشترك لهذه الظواهر. فى الواقع، كما يُعلن آرون جورفيتش بحق، «يجب التخلى تمامًا عن ‹نظرية كشاف الانتباه the searchlight theory». فالتجربة، كما يوضح، «تقدم لنا دائمًا أشياءً وأحداثًا، وما إلى ذلك، ضمن سياقات وظروف معينة، وليس أبدًا بحقائق معزولة أو بيانات وحقائق متناثرة». وبالتالى، فمع أن «انتباهنا قد يكون منغمسًا فى مشكلتنا، إلا أننا لا نغفل أبدًا عن محيطنا الفعلى ولا عن أنفسنا كجزء من هذا المحيط». وهكذا، يحاول جورفيتش وصف ليس فقط موضوعًا انتباهيًا معينًا، بل «مجمل البيانات المتواجدة معًا»: أى «مجال الوعي». فى الآونة الأخيرة، تم شرح مفهومه عن «مجال» الانتباه وتطويره بشكل كبير من قبل بى. سفين أرفيدسون الذى يقدم الملخص التالي:
عندما يلفت شيء ما انتباهنا، أو عندما نركز أو نولى اهتمامًا لشيء ما، فإنه يُعرض ضمن سياق.. بدءًا من مركز مجال الانتباه وصولًا إلى محيطه الخارجى، توجد ثلاثة أبعاد: الانتباه الموضوعى (الانتباه فى بُعد الموضوع أو التركيز)، وسياق الانتباه (الوعى فى بُعد السياق الموضوعي)، وهامش الانتباه (الوعى فى بُعد الهامش كالهالة والأفق).
كوسيلة خصبة لاستكشاف نموذج الانتباه هذا، وكبداية لفينومينولوجيا الاستماع المسرحى، سأتأمل الآن فى تجربتى فى حضور عرضين مسرحيين: «مزامنة الشفاه Lipsynch» لروبرت ليباج، و»شون-كين» لفرقة كومبليستى. يجيب هذا البحث المبدئى على الأسئلة التالية المتعلقة بالعلاقة الظاهرية بين الصوت والاستماع والمسرحية: ماذا يحدث عندما نستمع؟؛ كيف ينخرط جسدنا فى فعل الاستماع، وما الدور الذى تلعبه الحركة فى الإدراك؟؛ ما هى العلاقة الظاهرية بين الاستماع والنظر، وكيف يتم «تنشيط» السمع من خلال «استمالة» النظر؟ وبأى معنى يكون الصوت مكانيًا، وما أنواع البنى المكانية والانتباهية التى يُظهرها فعل الاستماع؟ باختصار، ماذا يحدث عندما نبدأ فى الانتباه إلى الديناميات الظاهرية للانتباه المسرحي؟ ومن الأمثلة التى تبرز فيها بوضوح الصفات الفعّالة والجهدية والوجودية للاستماع باعتباره انتباهًا، فى مسرح روبرت ليباج.

الهوامش

1- كما أوضح جيبسون، فإن «الإمكانية ليست ما نسميه صفة «ذاتية» للشيء، وليست أيضًا ما نسميه خاصية «موضوعية» للشيء إذا كنا نعنى بذلك أن الشيء المادى لا يرتبط بأى حيوان. فالإمكانية تتجاوز ثنائية الذاتى والموضوعى، وتساعدنا على فهم قصورها» (1977، 69-70).
2- من أبرز رواد استخدام الأذن فى المسرح: أندرو جور، وبروس ر. سميث، وروس براون، وويس فولكرث.
3- كلمة «perceive» ذات أصل أنجلو-فرنسى، وهى مشتقة من مزيج من الكلمة اللاتينية per (بشكل كامل) و capere (بمعنى الإمساك أو الأخذ).
4- ومع ذلك، يتجاهل ميرلو-بونتى بشكل واضح الاستماع كنمط من أنماط الانتباه.
5- على سبيل المثال، أكد جوناثان كرارى أن ميرلو بونتى «رفض الأهمية الفلسفية للانتباه» (1999، 56).


ترجمة أحمد عبد الفتاح