العدد 961 صدر بتاريخ 26يناير2026
لم يكن النقد المسرحي، في أي مرحلة من تاريخه، نشاطًا هامشيًا أو تابعًا للحركة المسرحية، بل مثّل أحد أعمدتها الأساسية، بوصفه الذاكرة التحليلية للعروض، والضمير الفكري الذي يرافق التجربة الإبداعية، والوسيط الواعي بين الخشبة والجمهور. فمن خلال النقد، لم تُقرأ العروض المسرحية فقط، بل جرى تفكيك خطابها الجمالي والفكري، وتأريخ تحوّلاتها، ورصد علاقتها بالمجتمع وأسئلته المتغيرة.
غير أن المشهد المسرحي الراهن يفرض أسئلة ملحّة ومقلقة حول موقع النقد المسرحي اليوم في مصر: هل ما زال حاضرًا بوصفه فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الوعي المسرحي، أم تراجع إلى الهامش، وتحول إلى ممارسة موسمية لا تتجاوز حدود المهرجانات، أو إلى تغطية صحفية سريعة تفتقر إلى العمق التحليلي والرؤية النقدية المنهجية؟
في ظل تراجع الصفحات الثقافية بالصحافة الورقية، وغياب المنابر المتخصصة، وهيمنة منطق السوشيال ميديا القائم على الانطباع السريع والتفاعل اللحظي، تبدلت ملامح العلاقة بين الفنان والناقد، وبين العرض وقرّائه. وبات النقد المسرحي محاصرًا بين تهميش مؤسسي واضح، وغياب منصات جادة للنشر، وتراجع دور الأكاديميين في المجال العام، إلى جانب عزوف أجيال جديدة عن الاشتباك النقدي المعمّق، لصالح تعليقات عابرة أو أحكام ذوقية لا تُسهم في بناء وعي مسرحي حقيقي.
من هنا، يفتح هذا التحقيق ملف أزمة النقد المسرحي في مصر، محاولًا رصد ملامح الغياب والتهميش، والبحث في أسباب تراجع الدور النقدي، بين من يرى أن النقد بات خارج المشهد، ومن لا يزال يؤمن بإمكانية استعادته كقوة فكرية فاعلة، وشريك أساسي في العملية الإبداعية، لا يقل أهمية عن العرض ذاته.
تحقيق النقد المسرحي في مصر… بين الغياب والتهميش، حول موقع النقد المسرحي اليوم:
هل ما زال فاعلًا ومؤثرًا، أم تحوّل إلى ممارسة موسمية مرتبطة بالمهرجانات، أو مجرد تغطية صحفية تفتقر إلى العمق التحليلي؟
د. عمر فرج: النقد المسرحي في مصر شهد تراجعًا حادًا وصل إلى حد الغياب شبه الكامل
يرى الفنان أ.د/ عمر فرج - أستاذ الدراما والنقد، ورئيس قسم المسرح والدراما بكلية الآداب – جامعة بني سويف - أن النقد المسرحي في مصر شهد تراجعًا حادًا وصل إلى حد الغياب شبه الكامل، بعدما فقد تأثيره وفاعليته في المشهد المسرحي الراهن، ولم يعد حاضرًا إلا في محاولات فردية متفرقة هنا وهناك. ويؤكد أن النقد، حتى في تغطياته الموسمية، لم يعد يحتفظ بمكانته التي عرفها خلال الخمسينيات وحتى التسعينيات، إذ بدأ في التواري منذ الثمانينيات إلى أن وصل إلى وضعه الحالي المأزوم.
ويُرجع فرج هذا التراجع إلى عدة أسباب متداخلة، في مقدمتها غياب الاهتمام بالناقد نفسه، وتراجع الضمير النقدي لدى بعض من يكتبون، حيث تحوّل النقد في فترات معينة إلى مجاملات شخصية تفتقد الحياد. ويشبّه الناقد بالقاضي الذي يفقد هيبته حين تتراجع مصداقيته، فتنعدم قيمة أحكامه. فالناقد الجاد الذي يكتب بصدق قد يتعرض لهجوم من النجوم، خاصة مع صعود ظاهرة “النجم الأوحد” في عصر الفضائيات، حيث باتت الأعمال نفسها تتوارى خلف أسماء النجوم، وأصبح الهجوم النقدي على أحدهم سببًا مباشرًا لإقصاء الناقد أو التضييق عليه.
ويشير إلى أن بعض النجوم مارسوا ضغوطًا مباشرة أو غير مباشرة على النقاد، إما عبر الاحتواء، أو الصداقة، أو المصالح المتبادلة، ما دفع كثيرين إلى تفضيل السلامة والمجاملة على المواجهة النقدية، خاصة في ظل امتناع بعض الصحف عن نشر آراء نقدية حادة تمس أسماء لامعة. ومع تراجع الصحافة الورقية والمجلات المتخصصة، وظهور وسائل الاتصال الحديثة، لم يعد أمام الناقد سوى منصات التواصل الاجتماعي، وهي كتابات – رغم أهميتها – لا تلقى الصدى الثقافي الكافي، ولا توفر أي مردود مادي.
تراجع مستوى الثقافة العامة للجمهور أسهم بدوره في تعميق الأزمة
ويضيف عمر فرج أن تراجع مستوى الثقافة العامة للجمهور أسهم بدوره في تعميق الأزمة، حيث بات جمهور اليوم هو “جمهور السوشيال ميديا”، جمهور سريع الاستهلاك يفتقر إلى التلقي التحليلي ولا يميل إلى قراءة النقد المتخصص. كما أن تدهور الأوضاع المعيشية للنقاد، وغياب العائد المادي من الكتابة النقدية، دفع كثيرين إلى البحث عن مصادر رزق بديلة، فلم يعد الناقد المتخصص حاضرًا كما كان في زمن أسماء كبرى مثل علي الراعي ومحمد مندور وحسن عطية.
أما عن مسؤولية الغياب، فيؤكد أن الأزمة ناتجة عن إرادة مشتركة؛ إذ اضطر الناقد إلى الابتعاد بسبب غياب الدخل، وفي المقابل غابت المنصات والمؤسسات الداعمة القادرة على احتضان النقد ونشره. فالصحف لم تعد توزع سوى أعداد محدودة، والمواقع الإلكترونية لا تعطي النقد أولوية، والقنوات الفضائية لا تستضيف سوى عدد محدود جدًا من النقاد، غالبًا دون الالتزام بالحياد المهني المعروف قديمًا. ويستدعي فرج صورة الماضي حين كان وجود الناقد في قاعة العرض كفيلًا ببث الرهبة في نفوس الفنانين، إدراكًا لأهمية رأيه وتأثيره.
ويفرّق عمر فرج بوضوح بين النقد المسرحي الحقيقي والتغطية الصحفية السريعة، مؤكدًا أن الفارق بينهما شاسع. فالناقد المسرحي دارس ومتخصص في جميع عناصر العرض، من النص إلى الإخراج والتمثيل والديكور والملابس، ويقرأ النص قبل مشاهدة العرض ليقارن بين رؤية المؤلف والتنفيذ على الخشبة. ويستشهد عمر فرج بحكاية شهيرة عن المخرج الكبير سعد أردش أثناء إخراجه لمسرحية «المخططين» ليوسف إدريس عام 1968، حين أثار تغيير نهاية النص جدلًا واسعًا وصل إلى حد الصدام، ليؤكد أن أي تعديل جوهري في النص يجب أن يُناقَش نقديًا لمعرفة ما إذا كان يغيّر رؤية الكاتب أم لا. وهنا تتجلى قيمة الناقد الحقيقي، لا الصحفي الذي يكتفي بوصف العرض أو تغطية وقائعه.
النقاد الحقيقيين باتوا مهمشين
وفيما يخص المهرجانات، يرى فرج أن دورها المفترض هو دعم الحركة النقدية وإفراز أجيال جديدة من النقاد، وأن تؤدي إلى طفرة فنية تنعكس إيجابيًا على النقد. لكنه يحذر من تحوّل بعض المهرجانات إلى منصات للمجاملات، حيث تتأثر لجان التحكيم أحيانًا برغبة رؤساء المهرجانات في إرضاء الجميع، وهو ما يفرغ الجوائز من قيمتها ويقوّض الخطاب النقدي. ويؤكد أن النقاد الحقيقيين باتوا مهمشين، ولا يُدعون حتى لحضور المهرجانات، في مقابل الاستعانة بصحفيين أو غير متخصصين في لجان التحكيم، مع تجاهل أساتذة الجامعات والنقاد الأكاديميين إلا في حالات نادرة.
النقد اليوم أصبح تابعًا لمنظومة التتويج والجوائز والمجاملات
ويخلص فرج إلى أن النقد اليوم أصبح تابعًا لمنظومة التتويج والجوائز والمجاملات، أكثر من كونه قراءة فكرية جادة للعروض المسرحية. أما عن سبل الخروج من الأزمة، فيؤكد ضرورة توفير منافذ حقيقية للنشر، تتبناها الدولة أو المؤسسات الثقافية أو الرعاة، مع منح النقاد تقديرًا ماديًا ومعنويًا يضمن لهم الاستقلال. كما يدعو إلى إسناد لجان التحكيم ورئاسة المهرجانات إلى نقاد متخصصين ودارسين للعملية المسرحية، والاستعانة بأساتذة الجامعات في الندوات الفكرية والنقدية، وتوفير مصادر دخل ثابتة تتيح لهم التفرغ للتأليف والنقد.
ويشدد على أهمية إعادة بناء العلاقة بين الناقد والفنان والجمهور والمؤسسات الثقافية، وتنشيط الحركة المسرحية في المدارس والجامعات، وتبني النقاد لهذه الحركة منذ مراحلها الأولى. فالنقد – في رأيه – هو ميزان الفن، ولا وجود لفن حقيقي بلا نقد حقيقي، لأن الناقد هو القاضي الذي يحفظ التوازن داخل الحركة المسرحية، ويعيد للفعل الإبداعي معناه وقيمته
د. دينا أمين: النقد المسرحي الحقيقي يظل ضرورة أساسية لا غنى عنها
ترى الدكتورة دينا أمين أن النقد المسرحي، في جوهره، ممارسة تحليلية معمّقة تتعامل مع العرض المسرحي بوصفه خطابًا جماليًا وثقافيًا مركّبًا، لا مجرد حدث فني عابر. فالنقد الحقيقي يسعى إلى تفكيك بنية العرض ودلالاته، وربطه بسياقاته الفكرية والتاريخية، وبناء معرفة قابلة للاستدامة والعودة إليها، على عكس التغطية الصحفية أو المراجعات السريعة التي تكتفي بالإخبار والوصف وتقديم انطباع عام وتقييم مختصر، مرتبط بزمن الحدث وينتهي بانتهائه. ومن هنا، يصبح الفارق الجوهري بين النقد والتغطية هو العمق مقابل السرعة، والتحليل مقابل الانطباع، وبناء الذاكرة الثقافية مقابل الاستهلاك الإعلامي.
المشهد المسرحي المصري يشهد اليوم هيمنة واضحة للتغطية الصحفية السريعة
وتشير إلى أن المشهد المسرحي المصري يشهد اليوم هيمنة واضحة للتغطية الصحفية السريعة، مدفوعة بتسارع الإيقاع الإعلامي وتراجع المساحات المخصصة للكتابة النقدية التحليلية، وهو ما أسهم في تهميش دور النقد بوصفه عنصرًا فاعلًا في تطوير الخطاب المسرحي. ومع ذلك، تؤكد أن النقد المسرحي الحقيقي يظل ضرورة أساسية لا غنى عنها، ليس فقط لتقويم التجارب، بل لبناء وعي نقدي وتاريخ فكري للمسرح.
كما تلفت إلى أن المهرجانات والجوائز ولجان التحكيم تركت، إلى حد ملحوظ، أثرًا على استقلالية الخطاب النقدي، إذ أسهمت أحيانًا في ترسيخ معايير تجعل النقد أقرب إلى منطق المسابقات ومنظومة التتويج، لا إلى قراءة فكرية مستقلة للعروض. ورغم ذلك، لا يزال بعض النقاد يحافظون على مسافة نقدية واعية، ويصرّون على ممارسة النقد كفعل تحليل وتأمل، لا كأداة تقييم مرتبطة بالجوائز أو المجاملات.
وترى د. دينا أمين أن استعادة دور النقد المسرحي لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مسارين متلازمين: تجديد أدوات الناقد الفكرية والمنهجية بما يتواكب مع التحولات الجمالية والمعرفية، وإعادة بناء علاقة واضحة ومستقلة بين الناقد والفنان والجمهور والمؤسسات. فبدون أدوات تحليل معاصرة يفقد النقد عمقه، وبدون مسافة نقدية وأخلاق مهنية يتحول إلى ترويج أو مجاملة. وتخلص إلى أن إنقاذ النقد المسرحي مرهون بإعادة الاعتبار له بوصفه فعل تفكير علني ومسؤول، لا خدمة إعلامية عابرة ولا سلطة فوقية، بل شريكًا نقديًا في بناء الوعي المسرحي.
عبير علي: النقد المسرحي في مصر يمرّ بحالة تراجع حاد
المخرجة عبير علي ترى أن النقد المسرحي في مصر يمرّ بحالة تراجع حاد، ولم يعد فاعلًا أو مؤثرًا في الحركة المسرحية كما ينبغي، مؤكدة أن الأزمة مركّبة، تبدأ من غياب المنصات ولا تنتهي عند تدهور التعليم وسياسات الثقافة.
وتوضح أن عدد المنصات الصحفية والثقافية القادرة على استيعاب النقاد محدود للغاية، وهو ما انعكس مباشرة على الأجور الضعيفة، لتتحول مهنة النقد إلى نشاط بلا عائد مادي حقيقي، بلا سوق عمل، وبلا قدرة على الاستمرار. ونتيجة لذلك، يعمل عدد قليل جدًا من النقاد، بينما اضطر آخرون إلى ترك المجال أو ممارسة النقد بشكل هامشي إلى جانب مهن أخرى من أجل العيش، وهو ما أفقد الحركة النقدية تفرغها وتأثيرها.
التدهور العام في منظومة التعليم انعكس بوضوح على الحركة النقدية
وتشير عبير علي إلى أن التدهور العام في منظومة التعليم انعكس بوضوح على الحركة النقدية، حيث لم يعد هناك عدد كافٍ من النقاد الدارسين والمؤهلين بعمق، باستثناء قلة “من رحم ربي”، موضحة أن الحصول على دبلومة أو شهادة في النقد لا يعني بالضرورة وجود ناقد مثقف أو متابع حقيقي للحركة المسرحية. ونتيجة لذلك، غابت المتابعة الجادة، وغاب التقييم الحقيقي، ولم تعد هناك قراءة واعية ترصد التجارب أو توثقها أو تطرح تصورات لتطويرها.
وتؤكد أن المشهد الحالي تحوّل في أغلبه إلى تغطية صحفية موسمية تُستخدم كدعاية للعروض، أكثر منها حركة نقدية تناقش وتفكك وتقيم وتفتح آفاقًا للمستقبل. هذه التغطيات، رغم أنها ليست سلبية في ذاتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن النقد المسرحي بوصفه ممارسة فكرية ومنهجية.
وترى عبير علي أن غياب المؤسسات الثقافية، سواء الأهلية أو الحكومية، عن رعاية النقاد والحركة النقدية هو أحد الأسباب الجوهرية للأزمة، مشيرة إلى أن الناقد لا يُعامل بوصفه عنصرًا عضويًا في العملية المسرحية، رغم أنه المسؤول عن رصد التجارب وتوثيقها وتصنيفها وبناء خطاب يساهم في تطويرها. كما تلفت إلى وجود شريحة من المبدعين ترفض فكرة النقد من الأساس، وتتعامل معه بمنطق عدائي: “من لا يهتف لعرضي فهو عدوي”، وهو ما يعمّق الفجوة بين الفنان والناقد.
وفي ما يتعلق بالمهرجانات والجوائز، تؤكد أن المشكلة لا تكمن في وجود المهرجانات نفسها، بل في كيفية إدارتها، والآليات والمعايير التي تحكم عملها. فغياب المعيارية والشفافية، أو وجود معايير لا تُطبّق ولا تُفعّل، هو ما يكسر استقلالية الخطاب النقدي، ويحوّله إلى خطاب تابع أو ملتبس. أما في حال وجود معايير واضحة ومطبّقة، فإن النقد لا يفقد استقلاله، بل على العكس، يصبح أكثر قوة ووضوحًا، خاصة إذا توافرت فرص عمل حقيقية تضمن للناقد استقلاله المادي والمهني.
التوازي بين التغطية الصحفية والنقد الحقيقي
وتقترح عبير علي مسارًا عمليًا لاستعادة دور النقد، يقوم على التوازي بين التغطية الصحفية والنقد الحقيقي؛ فالمقالات الصحفية التي تتحدث عن العروض ومكانها وعناصرها الإيجابية مهمة ولطيفة، لكنها يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع ندوات نقدية جادة تناقش العروض، يحضرها الجمهور، وتكون جزءًا من تجربة التلقي نفسها، بل وربما من تذكرة العرض. كما تؤكد على أهمية تدريب الجمهور على التلقي، وكيفية قراءة العرض وفك رموزه، لأن الوعي الجمالي لدى الجمهور ينعكس بدوره على تطور المبدعين وأعمالهم.
وتذهب عبير علي إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن المشكلة لا تقتصر على غياب النقد، بل تمتد إلى غياب ما يمكن تسميته بـ“الحركة المسرحية” بمعناها الحقيقي. فبرأيها، لدينا إنتاج مسرحي كثيف، ولدينا مسرح، لكننا لا نملك تيارات أو مشاريع مسرحية واضحة المعالم، تحمل أفكارًا ورؤى وتقنيات مختلفة، وتتطور عبر الزمن، ويتابعها نقد حقيقي وجمهور واعٍ. ما يُقدَّم في الغالب هو منتج مسرحي متشابه، بلا مدارس، وبلا مشاريع فكرية أو تقنية تتراكم وتتطور.
وتحمّل عبير علي التعليم النمطي والمعلّب جزءًا كبيرًا من المسؤولية، مشيرة إلى أزمة حقيقية تتمثل في وجود حاملي شهادات عليا ودكتوراه دون امتلاك الثقافة أو التأهيل الحقيقي للمهنة. كما تؤكد غياب الرؤية والسياسة الثقافية الواضحة داخل المؤسسات، فلا توجد خطط سنوية، ولا مشاريع تستهدف التنوع الفكري والتقني، ولا حاضنات تدعم المبدعين أصحاب المشاريع المختلفة، ولا مفهوم للاستدامة أو التطوير طويل المدى.
وتختم المخرجة رؤيتها بالتساؤل القَلِق: نحن نمتلك عددًا كبيرًا من المسرحيين، وإنتاجًا مسرحيًا واسعًا، لكن إلى أين يتجه كل هذا؟ في غياب النقد، والرؤية، والسياسة الثقافية، يظل السؤال مفتوحًا بلا إجابة.
د. محمد عبد المنعم: استعادة الدور الفاعل للنقد تقتضي مسارًا مزدوجًا
يرى أ.د. محمد عبد المنعم، المخرج المسرحي وأستاذ التمثيل والإخراج بقسم المسرح جامعة الإسكندرية، أن النقد المسرحي في مصر يمرّ بأزمة بينية معقّدة، تتجسد في تأرجحه بين حضور رمزي وغياب فعلي عن الممارسة اليومية للحياة المسرحية. ويؤكد أن النقد لم يعد فاعلًا بالمعنى التاريخي الذي أسهم، في فترات ازدهاره، في تشكيل الذائقة الجمالية وتوجيه مسارات الإبداع، بعدما كان شريكًا في إنتاج المعنى ووسيطًا معرفيًا واعيًا بين العرض والمتلقي، يؤدي دورًا تحليليًا وتأويليًا يتجاوز الانطباع إلى مساءلة البنى الجمالية والفكرية وربطها بسياقاتها الثقافية والاجتماعية. ويشير إلى أن هذا الدور تراجع لصالح حضور موسمي مرتبط بالمهرجانات والفعاليات الرسمية، مقابل غياب شبه كامل عن المتابعة المنتظمة للعروض، خصوصًا تجارب الهواة والمسرح المستقل، ما أضعف وظيفة النقد بوصفه ذاكرة للمشهد وقوة تفسيرية ترصد التحولات الجمالية وتفكك أنماط الإنتاج السائدة.
هيمنة التغطية الصحفية السريعة أفرغت الخطاب المسرحي من عمقه المعرفي.
ويشدّد عبد المنعم على أن الأزمة لا تعود إلى تقصير فردي بقدر ما هي نتاج بنية ثقافية ومؤسسية مأزومة، تقلّصت فيها المنصات المتخصصة، وانحسر الخطاب التحليلي في الصحافة الثقافية لصالح صيغ إعلامية سريعة تحكمها اعتبارات الاستهلاك، مع تراجع دور المؤسسات الأكاديمية والثقافية الداعمة للنقد كممارسة بحثية مستقلة. كما يلفت إلى الفارق الجوهري بين النقد بوصفه خطابًا معرفيًا، والتغطية الصحفية السريعة التي تكتفي بالوصف والانطباع، معتبرًا أن هيمنة الأخيرة أفرغت الخطاب المسرحي من عمقه المعرفي. ويضيف أن منظومة المهرجانات والجوائز، رغم أهميتها، أربكت استقلالية النقد حين تحوّل أحيانًا إلى خطاب موازٍ للتتويج أو مبرّر لاختيارات لجان التحكيم. ويخلص إلى أن استعادة الدور الفاعل للنقد تقتضي مسارًا مزدوجًا: تجديد أدوات الناقد المعرفية والمنهجية والانفتاح على التحولات الجمالية المعاصرة، بالتوازي مع إعادة بناء العلاقة بين النقد والفنان والجمهور والمؤسسات على أسس من الاستقلال والاستمرارية، بما يعيد الاعتبار للمسرح كفضاء للمعرفة والحوار والتغيير.
أمل ممدوح: خفوت النقد المسرحي يرتبط بخفوت الحركة المسرحية
ترى الناقدة أمل ممدوح أن النقد المسرحي في مصر لا يعيش اليوم واحدة من عصور ازدهاره، لكنه لم يختفِ تمامًا، بل ما زال موجودًا في حالة مقاومة. فالحركة النقدية – بطبيعتها – تتأثر بالحركة المسرحية نفسها كمًّا وكيفًا، كما تتأثر بالمناخ العام الذي قد يُرجئ أحيانًا الفنون من كونها ضرورة ثقافية إلى رفاهية لا تسمح بها الظروف الاقتصادية أو أولويات الاهتمام العام، خاصة في ظل ضعف الدعاية وقلة الإقبال على مسارح الدولة ذات الأسعار المقبولة، مقارنة ببعض المسارح التجارية القادرة على جذب الجمهور.
وتوضح أن خفوت النقد المسرحي اليوم يرتبط بخفوت الحركة المسرحية وجمهورها من جهة، وبقلة منصات الكتابة المتاحة للنقاد من جهة أخرى، حيث يكاد الحضور النقدي يقتصر على المهرجانات الموسمية، وهو حضور لا يصل بالقدر الكافي إلى الجمهور العادي. كما تشير إلى أن شريحة من الجمهور – للأسف – تميل إلى ما يرفّه عنها أكثر مما يرهقها ذهنيًا، وهو ما يدفع بعض صنّاع المسرح، دون تعميم، إلى التركيز على الجاذبية الشكلية على حساب المضمون. وترى أن الحل الأجدى يكمن في الجمع بين القيمة الفنية والجاذبية الجماهيرية، باعتبارهما غير متناقضين، بل يشكلان معًا أحد أهم سبل بقاء المسرح واستعادة جمهوره، بما ينعكس بدوره على حيوية الحركة النقدية.
وتؤكد أمل ممدوح أن الفارق بين النقد المسرحي الجاد والتغطية الصحفية السريعة فارق جوهري. فالتغطية الصحفية تكتفي غالبًا بملامسة القشور العامة للعرض، وتهدف إلى التعريف به وجذب القارئ، ولا تتطلب بالضرورة إلمامًا عميقًا بأدوات النقد ومناهجه، وهو ما قد يظلم العرض أحيانًا أو يحتفي به بما لا يستحق. أما النقد الجاد، فيتناول العرض على مستويات متعددة، تحليلًا وتفكيكًا وقراءة متأنية، تكشف عناصر إجادة أو قصور قد لا تبدو واضحة للوهلة الأولى. وتشدد على أن النقد، حتى حين يكون مبسطًا وموجهًا للجمهور العام، يظل نقدًا ما دام قائمًا على رؤية تحليلية، لا مجرد خبر في ثوب نقدي، وأن طبيعة الخطاب النقدي تؤثر بعمق في طريقة تلقي القارئ للأعمال الفنية.
منظومة المهرجانات والجوائز، أثّرت بشكل واضح على استقلالية الخطاب النقدي
وفيما يتعلق بتأثير المهرجانات والجوائز، ترى أمل ممدوح أن هذه المنظومة أثّرت بشكل واضح على استقلالية الخطاب النقدي، إلى حد يصعب معه على بعض النقاد التعبير عن آرائهم بحرية. فالنقد المخالف قد يُنظر إليه بوصفه خروجًا عن السرب، ويواجه بالنبذ أو الهجوم، خاصة من بعض الفنانين الذين يعتبرون الجوائز بمثابة “صكوك نجاح” لأعمالهم، ولا يتقبلون أي قراءة مغايرة قد تُربك خطاب الترويج. ومع ذلك، تؤكد أن هناك قلة لا تزال تحترم الرأي النقدي المختلف وتقدّره.
العلاقة بين النقد والحركة المسرحية والجمهور علاقة متداخلة ومتشابكة
وتختتم أمل ممدوح رؤيتها بالتأكيد على أن العلاقة بين النقد والحركة المسرحية والجمهور علاقة متداخلة ومتشابكة، يؤثر كل طرف فيها في الآخر. ويمكن للنقد أن يكون دافعًا لحركة مسرحية جادة حين يلتزم بالموضوعية، ويتخلى عن الاختلاف من أجل الاختلاف، وينتصر للقيمة والجودة والجاذبية معًا، وللخير والحق والجمال. فالنقد، في جوهره، ينبغي أن يكون عونًا للفنان، يكشف مواطن الإجادة والقصور، ويساعد على ضبط الرؤى المشوشة ومناقشتها، لا خنجرًا يهدم كل شيء عند أول خلل، ولا خطابًا مجاملًا يتغاضى عن أخطاء جوهرية لصالح عناصر واهية. وترى أن ابتعاد الناقد عن التورط في الترويج والمجاملات، والالتزام بأخلاقيات المهنة ورسالتها، هو السبيل لكسب ثقة الفنان والجمهور معًا، إلى جانب ضرورة دعم المؤسسات والدوريات، باعتبار أن الجميع شركاء في إعادة الاعتبار لدور النقد المسرحي.
فادي نشأت: المشاريع النقدية الجادة تكاد تكون قد اختفت
ويرى الناقد فادي نشأت أن تقييم موقع النقد المسرحي في مصر اليوم لا يمكن فصله عن السياق الإبداعي العام للحركة المسرحية، إذ إن النقد في جوهره خطابٌ موازٍ للعملية الإبداعية، لا يزدهر إلا بازدهار العرض المسرحي ذاته. ومن ثمّ، فإن تراجع الإبداع الحقيقي وغياب المشاريع الفنية الجادة انعكسا مباشرة على النقد، الذي فقد الكثير من حيويته وقدرته على الفعل والتأثير. ويشير إلى أن المشاريع النقدية الجادة تكاد تكون قد اختفت، ليحل محلها نمط من الممارسات السريعة والموسمية، المرتبطة غالبًا بالمهرجانات والمسابقات، لا باعتبارها فعلًا نقديًا عميقًا، بل بوصفها نشاطًا عابرًا يُنجز على عجل، ويخدم في الأساس أغراض التواجد الاجتماعي أو تحقيق مكاسب مادية ومعنوية. وبهذا المعنى، تراجع النقد المسرحي إلى هامش التغطية الموسمية، ولم يعد قادرًا إلا في حالات فردية محدودة على مساءلة الحركة المسرحية أو توجيهها.
النقد الحقيقي لا يكتفي بعدم إطعام صاحبه
ويؤكد فادي نشأت أن غياب النقد المسرحي الراهن هو نتيجة مركّبة لعاملين متداخلين: إرادة بعض النقاد من جهة، والتغييب المؤسسي من جهة أخرى. فهناك نقاد اختاروا التماهي مع الواقع القائم والخضوع لمنطق الشللية والمصالح، حفاظًا على فرص الحضور داخل المهرجانات واللجان، أو اتقاءً للصدام مع منظومة ثقافية لا تحتمل النقد الحقيقي. وفي المقابل، هناك نقاد امتلكوا الأدوات والوعي، لكنهم تعرضوا للتهميش بسبب رفضهم الانخراط في هذه المنظومة، فدفعوا ثمن استقلالهم عزلةً وإقصاءً. أما على المستوى المؤسسي، فالأزمة أعمق، إذ تعاني المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية من خلل بنيوي واضح، يبدأ من أسباب الالتحاق بتخصص النقد، ويمر بمناهج تقليدية أو معطّلة، وينتهي بغياب منصات مستقلة تتيح للناقد مساحة حقيقية للنشر والتأثير. ويختصر نشأت جانبًا من الأزمة في المقولة الشائعة بين النقاد: «النقد ما بيأكلش عيش»، لكنه يرى أن الحقيقة الأشد قسوة أن النقد الحقيقي لا يكتفي بعدم إطعام صاحبه، بل يجعله يخسر أيضًا ما يُعرف بـ«السقط واللقط»، لأنه يضعه في مواجهة مباشرة مع شبكات المصالح والعلاقات.
وفي تمييزه بين النقد المسرحي الحقيقي والتغطية الصحفية السريعة، يوضح فادي نشأت أن الفارق لا يقتصر على اللغة، بل يمتد إلى الوظيفة والمنهج. فالنقد المسرحي ممارسة معرفية تقوم على التحليل والتأويل وربط العرض بسياقه الجمالي والفكري والتاريخي، بينما تظل التغطية الصحفية ممارسة إعلامية هدفها الرصد السريع وتقديم انطباعات عامة. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في وجود التغطية الصحفية، باعتبارها ضرورة إعلامية مشروعة، بل في الخلط المتعمد أو الجاهل بين الوظيفتين، وهو ما أدخل المشهد في مأزق حقيقي. فقد تحوّل النقد، في ظل ضعف حضوره المؤسسي وقلّة المتخصصين فيه، إلى مساحة مفتوحة لممارسات انطباعية يقدمها أصحاب خلفيات مختلفة بوصفها نقدًا مسرحيًا. ولا ينكر نشأت حق الجميع في التذوق وإبداء الرأي، لكنه يشدد على أن الكتابة النقدية، بوصفها ممارسة علمية ومنهجية، ليست مجالًا بلا ضوابط أو معايير، تمامًا كما لا يمكن لأي قارئ أن يفرض رأيه داخل مؤسسة علمية متخصصة. ووفق هذا الواقع، تهيمن التغطية الصحفية والانطباعية على المشهد، فيما يتراجع النقد المسرحي الحقيقي إلى الهامش.
تحوّل النقد في كثير من الأحيان إلى جزء من ماكينة التتويج
وحول تأثير المهرجانات ولجان التحكيم والجوائز، يقرّ فادي نشأت بأن لهذه المنظومة أثرًا بالغًا على استقلالية الخطاب النقدي، إذ تحوّل النقد في كثير من الأحيان إلى جزء من ماكينة التتويج، لا إلى خطاب مستقل عنها. فالناقد الذي يرتبط حضوره المهني بدعوات المهرجانات أو عضوية اللجان أو فرص السفر والظهور، يجد نفسه أسيرًا—بوعي أو من دونه—لمعادلات المجاملة وتصفية الحسابات وإرضاء الأطراف الفاعلة. وهنا يغدو النقد خطابًا تبريريًا أو تزيينيًا، لا قراءة فكرية جريئة. والأخطر، في رأيه، أن هذه المنظومة تعيد إنتاج نفسها عبر توزيع الفرص على من يشبهها أو من يضمن عدم فضح فقرها المعرفي، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان الأمر دهاءً محسوبًا أم خوفًا حقيقيًا من إتاحة المساحة لأصحاب المعرفة.
الحل ينطلق من إعادة بناء شاملة تشمل الناقد والمؤسسة مع الفنان والجمهور
أما عن سبل استعادة دور النقد المسرحي، فيؤكد فادي نشأت أن الحل لا يمكن أن ينطلق من نقطة واحدة، بل من إعادة بناء شاملة تشمل الناقد والمؤسسة والعلاقة مع الفنان والجمهور. ويبدأ ذلك بتجديد أدوات الناقد معرفيًا ومنهجيًا، وربط النقد بالتحولات الجمالية والفكرية المعاصرة بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج مناهج جامدة. كما يتطلب إعادة تعريف العلاقة مع الفنان على أساس الحوار لا المجاملة، ومع الجمهور على أساس التنوير لا الوصاية. غير أن الركيزة الأهم، في نظره، تظل وجود منصات ومؤسسات تحمي استقلال الخطاب النقدي، وتفصل بوضوح بين النقد ومنظومة التتويج، وبين القراءة الفكرية وتوزيع المصالح. من دون ذلك، سيظل النقد المسرحي أسير التغطية الموسمية، فاقدًا لوظيفته الأساسية بوصفه ضميرًا فكريًا للحركة المسرحية، لا مجرد صدى لها.
...
في النهاية ومما سبق نجد أن غياب النقد المسرحي لا يعني فقط غياب مقالات، بل غياب ذاكرة، ووعي، وحوار ضروري لتطور الفن. فالمسرح بلا نقد يشبه عرضًا يُصفّق له الجميع دون أن يُسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟