«التهافت».. حين يتحول الوهم إلى سلطة

«التهافت»..  حين يتحول الوهم إلى سلطة

العدد 960 صدر بتاريخ 19يناير2026

فى المسرح المعاصر لا تُقرأ النصوص بوصفها حكايات مكتملة بقدر ما تُقرأ من ناحية اجتماعية وفكرية تعكس طبيعة المجتمعات التى تنتجها. ومن هذا المنطلق، تأتى مسرحية التهافت للكاتب طارق رمضان كنص يتجاوز حدود السرد الدرامى، ليقدم قراءة لحالة التهافت الفكرى والاجتماعي  حيث يتراجع العقل أمام الخرافة. فالنص لا يقدّم دجالًا عاد من الموت، بقدر ما يكشف عن مجتمع مستعد لتصديق المعجزة هروبًا من مواجهة الواقع.
تطرح مسرحية التهافت سؤالًا جوهريًا حول علاقة المجتمع بالعقل، وكيف يمكن للخرافة أن تتحول من مجرد اعتقاد هامشى إلى سلطة كاملة تتحكم فى المصير الجمعى. ينطلق النص من حارة شعبية تبدو فى ظاهرها بسيطة، لكنها سرعان ما تكشف عن بنية اجتماعية هشة، يسهل اختراقها بالخوف والجهل، وتبحث دائمًا عن خلاص سريع حتى وإن كان وهميًا.
تتمركز هذه البنية حول شخصية نوفل الذى يعود من الموت ليُستقبل بوصفه صاحب كرامات، لا لأنه يمتلك حقيقة بل لأنه يلبّى احتياجًا نفسيًا لدى أهل الحارة. فالمجتمع هنا لا يتبع نوفل لصدقه بل لقدرته على تقديم تفسير جاهز للعجز والخوف، وتحويل القلق اليومى إلى معنى دينى مريح. وتدور حوله شخصيات تمثل أنماطًا اجتماعية واضحة: راضى الإنسان المقهور، المعلم الذى لا يرى فى السلطة سوى القوة، والشيخ فؤاد الذى يمثل صوت العقل، لكنه يظل معزولًا ومتأخرًا عن إيقاع الجماعة.
ويبلغ النص ذروته الدلالية مع الانتقال إلى حوش المدافن، حيث تنقلب المفاهيم رأسًا على عقب؛ فالمقبرة لا تصبح فضاءً للموت، بل مسرحًا لإعادة إنتاج الوهم. وجود نوفل حيًا داخل القبر يحذف الحدود بين الحياة والموت، وتتحول المفارقة إلى لحظة كاشفة حين يُقدّس نعشه بينما يُهمل نعش الميت الحقيقى. هنا يضعنا النص أمام صورة مكثفة لمجتمع يختار الوهم الحى على حساب الحقيقة الميتة.
ومع عودة نوفل إلى الحارة تتحول الجماعة إلى حالة من الهستيريا الجمعية، حيث يُعاد تشكيل الوعى عبر خطاب الخوف. لا يستخدم نوفل القوة المباشرة، بل يمارس ابتزازًا روحيًا، مستدعيًا عذاب القبر ومصائر الناس، فينجح فى السيطرة على العقول بلغة القلب لا العقل. فى المقابل، يبدو خطاب الشيخ فؤاد العقلانى عاجزًا عن المواجهة ليس لضعفه، بل لأنه لا يخاطب الذعر الكامن فى النفوس.
الانهيار الأكبر يحدث عندما يخترق الوهم أبناء الشيخ فؤاد أنفسهم، فيسقط آخر حصن للعقل أمام إغراء الكنز. يتحول الفأس فى مشهد أبناء الشيخ وهم يبحثون عن الكنز الوهمى إلى رمز لهدم القيم والمبادئ، لا الحجارة فقط ويُعلن الانتقال من التفكير إلى التصديق الأعمى. عند هذه اللحظة، لا يعود التهافت مجرد جهل بل يتحول إلى خيانة ذاتية يشارك فيها الجميع.
بالإضافة إلى انه يكشف عن مأساة مجتمع يرفض الفراغ، فيصنع أصنامه بيده، ويمنحها سلطة مطلقة. مسرحية لا تدين الخرافة وحدها، بل تفضح البيئة التى تسمح لها بالازدهار، وتطرح سؤالًا مؤلمًا: هل يكفى العقل وحده لمواجهة وهم جماعى يتغذى على الخوف؟ أم أن العقل مهما بدا صلبًا يظل مهددًا بالانكسار تحت ضغط الجماعة؟
حدث تحويل للشخصيات من عناصر يومية عادية داخل الحارة إلى تجسيد حى لمسخ الوعى الجمعى تحت هيمنة الوهم والخوف. ففى المشهد الخامس، نرى الحارة وقد أعادت إنتاج نفسها وفق منطق جديد تفرضه سلطة نوفل، حيث لا يتغير شكل الشخصيات فقط بل لغتها ووظائفها داخل الجماعة. يتحول بلبل إلى وسيط يروج للوهم باسم المقدس، مستثمرًا خوف الناس ليصنع لنفسه موقعًا جديدًا داخل منظومة السيطرة، بينما تنزلق أم أحمد إلى خطاب وعظى قسرى لا ينبع من وعى دينى حقيقى بقدر ما يعكس رغبة فى فرض الطاعة والانتماء إلى السلطة السائدة. أما مشوار فيصبح أداة تنفيذ وترهيب منساقًا خلف التيار الجماعى، فى حين يتراجع راضى تدريجيًا عن أى موقف عقلانى، ليصبح جزءًا من المنظومة التى كانت ضحية لها فى البداية.
ومع تصاعد الأحداث لا يعود الوهم مجرد اعتقاد فردى، بل يتحول إلى ما يشبه مؤسسة تحكم السلوك العام، حيث تُدار العلاقات الاجتماعية بلغة الخوف، ويُعاد تعريف الدين بوصفه أداة للضبط لا للفهم. تتبدى هذه الحالة فى الممارسات الجماعية التى تفرض نفسها باعتبارها حقائق مطلقة، ويغدو الاعتراض عليها خروجًا عن الجماعة. هنا لا يُمارَس العنف بشكل مباشر، بل عبر آليات نفسية ولغوية تُقصى العقل وتستبدله بالطاعة، فتنهار القيم تدريجيًا تحت ضغط الوعد والرهبة.
ويبلغ هذا الانهيار مداه حين يخترق الوهم أبناء الشيخ فؤاد أنفسهم، فالأبناء الذين نشأوا داخل منظومة صارمة قائمة على الطاعة لا الفهم، يعجزون عن مقاومة الإغواء ويتحولون إلى أدوات لهدم قيم الأب.
تتوج المسرحية أحداثها بمشهد ختامى يمثل ذروة الصراع بين الحقيقة والوهم، حيث يجد نوفل نفسه أسير المعجزة التى صنعها بيديه. فالحارة التى صدّقت عودته من الموت، ترفض الآن بقاءه حيًا، وتطالبه بالرحيل بوصفه وسيطًا رسميًا بين العالمين. يشتد الحصار الجماعى من حوله، ليصبح وجوده ذاته موضع اختبار لاختيار المجتمع بين التفكير أو الطاعة.
فى هذه اللحظة ينقلب الوهم على صانعه؛ نوفل الذى بنى سلطته على الخوف واليقين الزائف، يواجه الموت الحقيقى عاجزًا عن النجاة من المنظومة التى أسسها. تتكثف الرموز دون افتعال، فالنعش والدفن الرمزى وأحلام الموت تكشف هشاشة سلطة قامت على الكذب، وتفضح كيف يتحول الخيال الجماعى إلى قوة قمعية لا تقبل التراجع. وحين يصرخ نوفل: الشك هو المدد، لا يبدو ذلك اعترافًا متأخرًا بقدر ما هو لحظة سقوط كاملة، إذ يكتشف أن المجتمع الذى عطّل عقله باسم المعجزة لم يعد يرى فى الشك خلاصًا، بل تهديدًا يجب القضاء عليه.
ولا ينتهى المشهد بموت نوفل، بل بكشف أخطر ما فى التجربة؛ فالوهم لا يسقط بسقوط صاحبه، بل يعيد إنتاج نفسه فى صورة طقس جماعى وعنف مبرر بالمقدس. قرار الحارة بذبح (الدرويش) انتظارًا لعودة الإمام الغائب يعلن انتقال الخرافة من اعتقاد فردى إلى نظام يحكم السلوك، بينما يقف الشيخ فؤاد (صوت العقل) مهزومًا أمام هيستيريا جماعية حوّلت القتل إلى فعل تقرّب. ومع ارتداء الدرويش عمامة نوفل، تكتمل الدائرة ويولد طاغية جديد قبل أن تبرد جثة القديم، فى تأكيد قاسٍ على أن التهافت ليس خطأ عابرًا، بل منظومة قادرة على البقاء والتجدد.
بهذا المشهد، لا تقدم المسرحية نهاية درامية فحسب، بل تضع المشاهد أمام سؤال وجودى حاد: ماذا يحدث لمجتمع يتخلى عن الشك ويستبدله بالطاعة؟ الإجابة تأتى بلا مواربة؛ حين يغيب الوعى النقدى، يصبح العقل هو الضحية الأولى، ويتحول الإيمان إلى أداة قتل ويغدو الطريق بعيدًا عن التفكير الحر انحدارًا جماعيًا فى بئر الخرافة.
تظل مسرحية (التهافت) لطارق رمضان وثيقة درامية تحذر من تغييب الوعى الجمعى، فهى ليست مجرد صراع بين رجل دين ودجال، بل تشريح دقيق للعقل المستلب الذى إذا فقد بوصلة الشك استسلم لليقين المدمّر. الحارة التى صدقت كذبة نوفل تظل أسيرة الوهم، والشيخ فؤاد عاجز عن مواجهة سحره بالمنطق وحده، لتتجلى المأساة الحقيقية فى رغبة المجتمع الصادقة بأن يُخدع. نوفل الذى بنى سلطته على الخوف والكذب يختفى، لكن الخرافة لا تموت بموت صاحبها، بل تتحول إلى إرث يستمر فى استنزاف المجتمع ويصبح الوهم مؤسسة تغذيها الطاعة والخوف الجماعى.
المسرحية تتركنا أمام حقيقة مريرة وهي: غياب العقل والفكر النقدى يحول المجتمع إلى آلة تنفيذ للجهل، بينما الشك والتفكير الحر هما الطريق الوحيد للبقاء والإنسانية. و بين الطاعة والخوف يذكرنا رمضان بأن أى تهاون فى هذا الصراع هو بداية الانحدار نحو مأساة جماعية، وأن طريق العقل صعب ، لكنه الطريق الوحيد الذى يضمن للإنسان فرصة النجاة من الاستبداد الفكرى والاجتماعى، ويمنحه القدرة على مواجهة الأوهام قبل أن تتحول كل حاراتنا إلى مسارح للعبث.


نورهان ياسر