المسرح والعلاج العلاج والرعاية أم الوهم(1)

المسرح والعلاج   العلاج والرعاية أم الوهم(1)

العدد 857 صدر بتاريخ 29يناير2024

يتطلب منا طرح الأسئلة عن المسرح الذي يشفي أن نوضح عدة نقاط أولا: 
1- ما هو المسرح الذي نتحدث عنه؟ وفي أي ثقافة؟ وفي أي مجتمع؟ 
2- وما هي علاقة المسرح موضوع المناقشة: بالأدب الدرامي؟ وبالطريقة التي   يتم تلقي الأداء من خلالها؟ أو بممارسته؟ 
3- وما نوع الممارسة المسرحية؟ 
4- وما هي الأمراض التي نتحدث عنها؟ 
5- وما هي الأسباب التي ننسبها للمرض؟ 
6- وما هي المفاهيم والطرق التي نستخدمها في الشفاء؟ 
7- وإذا كان المسرح قادر على أن يشفي، فهل هو أيضا مسبب للمرض؟ 
 يؤدي الكثير من الأسئلة إلى أسئلة أخرى. ومن الضروري أن نتابع نشأة فكرة أن المسرح له مزايا علاجية من خلال المستفيدين من هذا العلاج وطبيعة الأمراض. فهل نتحدث عن العلاج الاجتماعي؟ الجماعي؟ والمعاناة البدنية؟ والنفسية؟. وبنفس الطريقة نحتاج إلى التقاط العناصر الغائبة عن الطب العلمي مع أنها موجودة في المسرح. أعني: ما هو المفتقد في علم الطب – يمكن أن يوجد في المسرح – لكي يكون فعالا تماما؟ 
 ويجب أن ندرس تاريخ المسرح بالمعنى الدقيق للكلمة وتاريخ الطب الغربي، ونتأمل هل هو سؤال عام أم اهتمام تاريخي محلي. 
 فمن وجهة نظر السينولوجيا العرقية أو الأنثروبولوجيا فإن المسرح بالمعنى الدقيق هو مجموعة فرعية تاريخية وثقافية من السلوك الأدائي الإنساني المنظم. وهذا السلوك متنوع بشكل مدهش حتى داخل المجتمع. ولاحظ أن نعت «أداء performing” في اللغة الفرنسية يتم استبداله غالبا بكلمة “مسرحي theatral” التي يتضمن مجال دلالاتها الواسعة شحنة دلالية سلبية أو تحقيرية. وهذه هي الطريقة التي دخلت بها كلمة “المسرحة theatralisme” إلى المفردات الإكلينيكية للإشارة إلى المظاهر المسرحية في نوبات الهيستيريا. ولاحظ أنه بالرغم من أن كلمة “المسرحة” توجد أيضا في اللغة الإنجليزية بمعنى المتأثر الاستعراضي المهذب فإن هذا النوع من الدلالات لا يظهر عند الصينيين والكوريين مثلا عندما نشير إلى الأداء الحي. 
 وباعتبار المسرح “فنا نبيلا” في المجتمعات الأوروبية ولاسيما في فرنسا، فقد أدت مكانته المميزة إلى التقليل من قيمته، إن لم يكن احتقاره، من أجل أشكال الأداء التي سمحت للمشاهد أن يدافع عن نفسه ضد ظلم الأقوياء أو مصائب الحياة اليومية من خلال الإدانة الكوميدية والضحك والسخرية. ناهيك عن العروض المثيرة، التي من خلال متعة العين تشبع محركات المتفرج البصرية! ويمكننا أن نشير إلى أداء فرقة كوتيبا Koteba في مالي أو فرقة تالشوم Talchum  في كوريا، وهو عرض رقص في الهواء الطلق يحدث في منتصف دائرة مكونة من المتفرجين. وقد ارتبطت موضوعات المعالجة بقصص من المجتمع: الرهبان المعزلون والارستقراطيون الذين يتعرضون للسخرية والرجل العجوز الذي يرغب في إغواء فتاة صغيرة .. الخ. 

 الجانب المسرحي للعلاج 
 لا يجب أن يجعلنا إسناد العلاج للمسرح أن نغفل عن البعد المسرحي للممارسات العلاجية العلمية والشعبية والعرقية: طقوس ليلة جناوة  Lila Gnawa في المغرب، والأوباندا Ubanda والكاندومبلي Candomble والماكومبا Macumba في البرازيل والأرجنتين وأورجواي، والديزي Di Xi في الصين، والنيدوب N›doep  عند قبيلة الليبو في السنغال، وطقوس السيدة العذراء للكاثوليك Notre Dame de Lourdes في فرنسا، ورقصات الترانتيلا الإيطالية وأشياء أخرى متعددة. وقد ولدت بعض المهارات في الطب النفسي العرقي ethnopsychiatry من تكامل هذه المهارات. ودعونا نذكر بحث الدكتور لويس مارس في هايتي عن ما سماه المسرحيات العرقية ethnodramas؛ ومبادرة  الدكتور جنرال هنري كولومب (1913 -1979) في المستشفى في فان Fann في مدينة داكار، حيث أسس مدرسة للطب النفسي والتي كانت من أوائل المدارس التي حاولت أن تضع أسس المنهج الأنثروبولوجي للجنون موضع التنفيذ. واعتمادا على التعليم الذي تلقاه من المعالجين الأفارقة عندما تتلمذ عليهم، وهدف عمله إلى إعادة التأهيل الاجتماعي للمرضى العقليين وتطوير بنيات العلاج الأصلية بدلا من المصحة، والاعتراف بثقافة والديه واحترامها. وقد طورت أفريقيا المتحدثة بالفرنسية “مسرح المشاركة theater of participation” بداية من الثمانينيات من القرن الماضي، بهدف علاجي واضح أحيانا على المستوى الاجتماعي والذهني أيضا: المسرح الطقسي «ديديجا didiga” وهو مسرح من أجل التنمية، والمسرح المفيد theatre utile (المسرح التربوي) ومسرح كوتيبا ومسرح المناظرة.. الخ.
 وكان الدرس العظيم للطب النفسي العرقي هو وضع ادعاءات نتائج الطب الرسمي، وحقيقة أن هدفه هو المجال الواسع للطب النفسي (الذي امتد في الوقت الحاضر إلى علم الأعصاب) الذي ساهم في الانطباع بأن الاهتمام بإضفاء الطابع الدرامي على العلاج لا يتعلق بطب الجسم والأعضاء والجسم البيولوجي. ورغم ذلك، إذا بدا أن ما نسميه ممارسات علاج تقليدية أو عرقية مسرحيا في عيوننا، فإننا ننسى أن ممارسة الطب لا تستمد من علم آليات الجسم – كما اعتقد أصحاب الفكر الطبي الآلي iatromechanists – ولكنه يجب أن يأخذ في اعتباره المشاعر الخيالية وغير المنطقية. وقد صعوبات التفكير في الإنسان بشكل عام إلى ظهور تخصص هجين: الطب النفسي الجسدي psychosomatic medicine الذي ينسب مفهومه إلى الطبيب النفسي الألماني هاينرث (1773 -1843) والذي حاول معارضة الانحراف العضوي للطب. 

 الرعاية والشفاء
 تدعونا فكرة الشفاء نفسها إلى المناقشة. لقد ميز الطب الحديث بين ما يسمى في اللغة الإنجليزية «الشفاء Cure” و”الرعاية Care”. ويبقي أن نحدد “المريض the ill “ في أصل المرض، سواء كان المريض عرف ذلك أو يجهله. في الحقيقة، من الممكن أن نعاني من مرض لن يتم التعبير عنه بالمعاناة أو العلامات الخارجية. وفي الطرف الآخر، وساوس المرضى الخيالية بأنهم يعانون من مرض ما. ويجب أن نذكر أيضا العرض الجسدي المسرحي الذي يكون في بعض الأحيان مجرد عرض لخلل نفسي وعصبي. تقدير المريض لخطورة المرض وطريقة التعبير عنه يتم إرسالها من خلال الثقافة والتعليم والشخصية. فقد يصرخ مريض بألم مبرح من جرح صغير بينما يعاني آخر من مرض مميت في صمت. أخيرا الاعتقاد يشجع المريض على رفض المعالجة الأخلاقية ويعتقد في فضيلة بعض المبادئ شبه الطبية أو العقائدية، أو مبادئ أخرى. 

 الشاعر والممثل والطبيب
 اليوم، عندما تشهد التكنولوجيا الطبية والجراحية، علاوة على الصيدلة، تطورا ملحوظا، يلفت انتباها انعكاسا نقديا لثلاث نقاط: 
(أ ) إضفاء الطابع الطبي على المجتمع، ولاسيما في الدول الصناعية. 
(ب) الإفراط في استخدام الأدوية ولاسيما في فرنسا. 
(ج) تجريد الرعاية الطبية من إنسانيتها مع التطور السريع في الهندسة الطبية -التصوير واستخدام الروبوت وممارسة الطب عن بعد. 
 وللتعويض عن التقنية المفرطة في العلاج أنشأ عالم السرطان مارك يتشو أستاذ الطب في جامعة مونبيليه عام 2006 أول برنامج للتجارب المسرحية لأطباء السرطان، وعهد به إلى المخرج المسرحي سيرج واكين. وفي عام 2013، أدخل البرنامج ضمن منهاج السنة الرابعة لوحدة أمراض السرطان في الدراسات الطبية. وبالتعاون مع المدرسة الوطنية العليا للفنون الدرامية في مونبيليه تم تقسيم 240 طالبا من طلاب الطب من مونبيليه ونيم إلى مجموعات صغيرة، وأمضوا أسبوعا في العمل مع المخرج والممثلين على مدار فترة مكثفة مدتها أربعة أنصاف يوم يستمر كل منها لمدة أربع ساعات. ودربت مدرسة الفن الدرامي أربعة ممثلين لهذه الوحدة الإلزامية. وكما يعلق البروفيسور جاك برينجر، رئيس قسم أمراض الغدد الصماء في مستشفى لابيروني وعميد كلية الطب في مونبيليه، على التدريب العادي لطلاب الطب بقوله “نحن ندرب الطلاب الأكفاء والخبرات في التكنولوجيا على مستوى الصوت واختيار الكلمات”. الرؤساء، رؤساء العيادات ذوي الخبرة، جميعهم يبلغون عن حالات تقدم إيجابي بين مرضاهم استهدفتهم أو ساعدتهم ناتجة عن موهبة بعض الأطباء. والموهبة هي خاصية الحضور المناظر للممثلين الكبار. ويؤكد العمل على العلاج البديل أهمية الإيمان بالحالة الصحية. ومن الغريب أن نلاحظ أن الدواء الوهمي الذي يعطى للمريض من قبل مقدمي الرعاية الذين لا يدركون أن المنتج الذي لا يحتوي على مادة فعالة يكون أكثر فعالية من العلاج الذي يقدمه مقدم الرعاية الذي يعرف ما هو الدواء مسبقا. ومع ذلك تؤكد الأبحاث التي أجريت على العلاج الوهمي أنه من المهم التمييز بين المرض نفسه وتطوره وإدراك المريض للمرض ومعاناته من أعراضه. في الواقع يمكن أن يتطور الورم دون أن يعرف المريض أو يعاني من أعراض معينة. 
لقد كان تأثير شخصية الطبيب معروفا منذ فترة طويلة: ففي أثينا في القرن الخامس كان يتم اختيار الأطباء من خلال السجال الخطابي التي كان يجريها المرشحون. وبمجرد اختيار الطبيب من السكان، يقدم الطبيب الأداء بوضع المريض والترياق على خشبة المسرح، بشكل يذكرنا بعروض الطب أثناء غزو الغرب الأمريكي. وتكتب جوانا أن الطبيب الخاص هو شخص عام رغم ذلك: «إنه يؤدي دائما أثناء ممارسة فنه. ويحاول بعضهم أن يربح من التأثير المسرحي أن يدهش الجمهور ويخفي عدم كفاءتهم. 
 ويقارن المؤلف المنسوب إلى أيبقراط الأطباء السيئين بالممثلين الذين يظهرون في المسرحيات التراجيدية: هؤلاء الأطباء المشعوذون يشبهون بقوة الممثلين الذين ظهروا في المسرحيات التراجيدية. فكما أن الكومبارس لهم مظهر وملابس وأقنعة الممثلين دون أن يكونوا ممثلين، كذلك فإن الكثير من الأطباء هم أطباء بالاسم، قليلون جدا في الواقع . 
 يجب على الطبيب المنتخب من قبل الشعب أن يعرف كيف يقنع في ظل ثقافة الخطاب التي تميل إلى الإيمان بفعالية الكلمة وتأكيد النبرة أكثر من العلاج الذي لا يزال غير مؤكد بشكل واضح. فالأطباء والممثلون هم الناس الذين يخففون أمراض الآخرين من خلال قوة الاستحضار. ويضيف الأطباء اللفتة التي تشفي إلى أصواتهم؛ ويحرك الممثلون النص من خلال الإيماءة المتحركة  ويجب أن نتذكر أن تشريح العروض كان شائعا جدا في أوروبا، في النهاية، نقول بالإنجليزية إن الجراح يشارك في المسرح! 
 وفي كل حضارة، من الصعب استحضار أي منطقية مطلقة للطب أو حتى نتحدث عن العلم حيث يكون الطب هو المعنى. وتقارن محاورة أفلاطون «فيدروس» الادعاءات النظرية للطب والشعر الدامي لتأكيد شيء واضح: لا يمكن أن يصنع تعلم الكتب طبيبا، وقصاصات الوصفات لا تصنع التراجيديات. 
 ونعلم أن نفس التمرين الذي يقترحه مخرج مسرحي يتمتع بكاريزما لا ينتج نفس التأثير عندما يخرجه شخص لا يتمتع بأي كاريزما. اذ يتعلق كل من فن الممثل وفن الطبيب بنقل الاقتراحات والوهم والعواطف الفردية والجماعية. ولذلك نجد مهنا علاجية لا حصر لها في المجتمعات الإنسانية. 
     ويلاحظ روبرت همايون أن الممارسة الشامانية فن، مثل الشعوذة وطرد الأرواح الشريرة، ورجل الطب ومجبر العظام والمعالج والوسيط والكاهن والنبي والمعالج... وقائمة الممارسات التي تنطوي على التلاعب بالمعتقدات والخيال والعواطف والمشاعر محدودة. 

....................................................................................
 • جان ماري برادير  كاتب وباحث فرنسي في مجال المسرح 
 • هذه المقالة هي الفصل الثاني عشر من كتاب «المسرح وعلم الإدراك  والأعصاب»  إعداد كليا فاليتي  - جابريل صوفيا  - فيكتور يا كونو


ترجمة أحمد عبد الفتاح