العدد 999 صدر بتاريخ 19أكتوبر2026
فى مسرح ما بعد الحداثة، أو ما يُعرف بمسرح ما بعد الدراما، حيث يتلّبس الفن أشكالًا جديدة، يتدفق من خلالها بقوالب بصرية وحسيّة متجددة، أُعيدت صياغة المفاهيم الكلاسيكية للزمان والمكان لتفتح آفاقًا غير مسبوقة للفهم والإبداع. ففى مجال الفهم، يُعرّض الجمهور لإستكشاف أطر سردية تكسر القوالب الجاهزة، إذ لم يعد المكان مجرد حيّز جغرافى صامت، ولا الزمان تسلسلًا أفقيًا يخضع لمنطق «الساعة». أما فى مجال الابداع، فقد تحوّل المسرح من مجرد حالة من «التشخيص والتمثيل» إلى حالة من الحضور المكثف الطاغى، والحضور الآنى الساحر مستفيدًا من مرونة «الزمكان» التى تمنح العرض المسرحى سيولة وحيوية ساحرة ومذهلة. فمسرح ما بعد الحداثة إذ يطرح أسئلة شاملة لا يسعى الى إجابات.
ويبرز المنظر الألمانى هانس-تيس ليمان كأهم من صاغ ملامح مسرح ما بعد الدراما فى كتابه الذى يحمل نفس العنوان، حيث قدّم رؤيا فلسفية أحدثت زلزالًا فى البنية التقليدية للمسرح، ويُعدّ المرجع الأساسى لفهم التحولات الجذرية للعمل الدرامى. فى هذا المسرح، تراجعت هيمنة النص بوصفه المحور الأساسى للعمل، لتتساوى أهميته مع بقية عناصرالعمل الحيوية كالجسد والاضاءة والصوت والفضاءات والمؤثرات الصورية والرقمية التى تؤثث المشهد المسرحى. علاوة على إن الجمهور، فى هذه التجربة، لم يعد مراقبًا ساكنًا من خلف «الجدار الرابع»، ولا هو مجرد وعاء للتلقى، بل أصبح كيانًا منغمسًا فى كيمياء العرض المسرحى ومحاطًا بتدفق الأحداث المسرحية من كل جانب، الى الحدّ الذى يُسمح له أحيانًا بالتدخل واقتراح مسارات بديلة لنمو الفعل المسرحى.
إن التجربة الإنسانية، فى ظل مسرح ما بعد الحداثة، أكتسبت أبعادًا أكثر إتساعًا وشمولًا بسبب تنوع الآليات السردية القصصية التى تتسم بالديناميكية والمرونة، إذ تعتمد على تعرية المكان وتفكيك الزمان، والأخذ بالبنى المبتكرة التى لا تكتفى بتقديم الحدوتة أو القصة، بل تُغرق المتفرج فى محيط من المسارات المتشعبة التى تستفز وعيه وتشركه فى صياغة المعنى. مع ملاحظة إن ليمان لم يدعوا إلى الغاء النص تمامًا، بل الى خلعه عن عرشه ورفع العوامل «الإستتيكية» الجمالية الى منزلته، أى رفع الجماليات البصرية والسمعية والرقمية، إلى ذلك العرش، ومساواة النص بها.
من المؤكد أن هانس-تيس ليمان لم يخترع مسرحًا جديدًا من العدم، بل من قدرته على رصد التحولات الجذرية التى قادها مسرحيون ثاروا على الطبيعة الكلاسيكية للعمل المسرحى واخترقوا قدسية النص الدرامى، أُشير هنا، باختصار، إلى تجربة مخرجين مهمين وأعنى بيتر بروك وآريان منوشكين اللذان شكلا، مع مخرجين آخرين، القاعدة التطبيقية لما نظّر له ليمان. فعلاقة ليمان الفكرية ببروك ومنوشكين علاقة تبادلية تجسّر الهوة بين النظرية والتطبيق.
المخرج بيتر بروك أنجز أعماله المتمردة على القواعد الكلاسيكية للمسرح قبل أن يُبلور ليمان مصطلح ما بعد الدراما. ففى كتابه «المسرح العارى» The Empty Space الذى صدر عام 1968، ويُعتبر من أهم النصوص النظرية فى تاريخ المسرح الحديث، والذى يشرح فيه مفهومه للحد الأدنى للفعل المسرحى، فهو يؤكد بإن المسرح حين يكون خاليًا من أى ديكور، أى أن تكون خشبة المسرح جرداء وعارية تمامًا، حينها يكفى أن يسير رجل عبر هذه المساحة العارية وفى هذه الإثناء يشاهده شخص آخر، ينتج عن ذلك ما يسميه بروك « بالفعل المسرحي»، أى ان خشبة المسرح لا تحتاج الى اقنعة ديكورية لإيهام المتفرج، على العكس، ان تجريد الخشبة يهيأ مخيلة المتفرج لاستقبال الفعل المسرحى. وإستكمالًا لمفاهيمه النظرية أصدر كتابه «نقطة تحوّل» The Shifting point عام 1987 يؤكد فيه بأن العناصر الأساسية الوحيدة للمسرح هى الفضاء، والممثل والجمهور، ويدعو الى إزالة «الضجيج المشهدي» (الديكورات والأزياء المعقدة) للتركيز على العلاقات غير المرئية بين البشر فى اللحظة الآنية، أى فى الحاضر، فالعرض المسرحى هو حدث جماعى لا يمكن أن يوجد الآّ إثناء مشاهدته. ويمكن تلخيص مواضيع الالتقاء بينه وبين نظرية ليمان فى التالي:
أولًا. «الاختزال»، يُشير الى عملية تجريد وتعرية المسرح من العناصر الزائدة، حيث يسعى الى تبسيط الديكور، وتغيير بنية الأداء عبر تقليص أدوات التمثيل، يتوضّح ذلك فى الامتناع عن المبالغة والتضخيم، والتركيز على الحضور المكثف والمباشر للممثل. فى هذا السياق يُصبح الأداء أكثر صدقًا وعمقًا، حيث يبرز المشاعر الحقيقية ويرسّخ التواصل العاطفى بين الممثل والجمهور، مما يعزز من تأثير العرض المسرحى فكريًا وتعميق الوعيّ فى إثراء تجربة غير تقليدية، غنية ومؤثرة.
ثانيًا. يعتمد بروك على «الانثروبولوجيا»، بإعتبارها مفتاحًا يتم من خلالها تجاوز المفاهيم التقليدية للمكان والزمان، كما يتضح فى عمله الشهير «المهابهاراتا»، فى هذا العمل الملحمى يتم تجاوز إستخدام اللغة التقليدية الى الحضور المكثف للجسد والاشارات، مما يخلق تجربة غامرة للجمهور. يستخدم بروك هذا النهج لإبراز الأبعاد الثقافية والإنسانية العميقة، معززًا من تفاعل الجمهور مع الأحداث، إضافة الى ذلك، تمتد مدّة العرض المسرحى الى تسع ساعات متواصلة، او إحدى عشر ساعة مع إحتساب فترات الاستراحة، وهو ما يسمح للجمهور بالتفاعل مع الاحداث بشكل أعمق، ويمنحهم الفرصة لإستكشاف المعانى المتعددة التى تتضمنها سرديات الحكاية، مما يُعزز من تأثير العمل ويجعله تجربة فريدة لا تنسى.
ثالثًا. «استخدام الأسطورة» كوسيلة فنية متقدمة فى أعمال بروك المسرحية، حيث تُعد رديفًا قويًا وفاعلًا لنقل الرموز والدلالات التى تحمل معانى متعددة. فالأسطورة لا تقتصر على كونها مجرد «حكايات قديمة» بل هى تُستخدم كعربة تحمل فى بواطنها العواطف الإنسانية والمفاهيم العميقة دون اللجوء الى اللغة التقليدية. من خلال هذا الإستخدام تتمكن الأسطورة من تجاوز الحدود الثقافية ومعايير المجتمع السائدة، مما يُتيح للجمهورالتواصل مع التجربة المسرحية بشكل أعمق. علاوة على ذلك، فإن الأسطورة تتيح إستخدام الرموز والإشارات الجسدية لتوصيل الرسائل بشكل أكثر تأثيرًا وفعّالية، حيث إن ذلك يخلق تجارب بصرية غنية تعكس التعقيدات الإنسانية. فى هذا السياق تصبح الأسطورة نافذة على العالم النفسى والإجتماعى، معززةً قدرة العرض على استكشاف قضايا الوجود والتحديات التى تواجه الإنسان بطرق تتجاوز الكلمات واللغة الشائعة، ما يجعلها تجربة فنية متكاملة تلامس عمق الروح البشرية.
رابعًا «إسقاط الجدار الرابع» وتحويل العرض المسرحى الى طقس تشاركى يُلغى المسافة الجمالية التقليدية، حيث إن تفكيك الفواصل بين الممثلين والجمهور يعكس تحدى المفاهيم التقليدية للعرض المسرحى، ما يستدعى الاستفاقة التامة من الوهم والإندماج مع أحداث العرض. ذلك يسهم فى تعميق التفكير النقدى لدى الجمهور الذى يشعر، بأنه جزء من الحدث، على امتداد العرض المسرحى.
أما «المكان» عند بروك فهو لايمثل الفضاء بأبعاده الجغرافية، بل الفضاء الفارغ، حيث إن المسرح يبدأ من نقطة الصفر، لهذا فهو يرى أن أى فضاء عادى يمكن أن يتحول الى مسرح. وبهذا فإن خشبة المسرح الخالية هى دعوة لإستفزاز مخيلة المتفرج، كما حدث فى مسرحية «المهابهاراتا»، حيث تمّ استخدام بعض الرموز والدلالات المكانية كالرمال والشجيرات وغيرها، تسمح بالانتقال بالمشهد المسرحى من مكان بعينه الى آخر يناقضه، الغابة مثلًا تتحول الى القصر، أو بالعكس، بالاعتماد على مخيلة المتفرج التى تغذيها عناصر مكثفة على الخشبة.
الزمان عند بروك هو الزمان المتداخل، حيث يدمج الزمان التاريخى بالمعاصر، والأسطورى بالواقعى فى لحظة واحدة، فهو زمان مكثف أو هو الزمان الجوهرى، وهو زمان يسعى بروك من خلاله إلى الوصول إلى «اللحظة الآنية»، وهى اللحظة الصافية التى لا تمثل مدة العرض بل تكثيفًا للحياة فى لحظة الحاضر، هذه اللحظة مرهونة أيضًا بطاقة الأداء التمثيلى فهى التى تجعل المتفرج يشعر بأن الزمان يتمدد أو يتقلص، لكنه غير معنى بالزمان بمقاسات الساعة، بل بتكثيف اللحظة الراهنة فى الحاضر.
وبذات السياق لم تكن المخرجة الطليعية أريان منوشكين مهمومةً بتقديم عروضًا مسرحية تقليدية، بل خلقت عوالم بصرية جذّابة وساحرة، فالعرض المسرحى، عند تكامله، يكون بالنسبة الى منوشكين بمثابة قصيدة شعرية بصرية أخّاذة. ابتدأت منوشكين رحلتها المتمردة فى المسرح منذ أوائل ستينيات القرن الماضى، متأثرة بالاساطير والموروثات الشرقية، وبشكل خاص، بالمسرح اليابانى التقليدى، كمسرح الكيباكى ومسرح النو، وصاغت عوالم مسرحها بآفاق ساهمت فى تشكيل الإطار النظرى لهانس- تيس ليمان فى نظريته للمسرح ما بعد الدراما. ويمكن تلخيص أهم الأسس المشتركة، التى عملت عليها منوشكين، وشكلّت فيما بعد، جوهر نظرية ما بعد الدراما.
أولًا: المسرح داخل المسرح، أو الميتا مسرح، فى هذا الإطار، تختفى حدود الزمان والمكان دراميا. تكشف منوشكين كواليس العرض، فتتركها مفتوحة لتمكين الجمهور من مشاهدة الممثلين خلال عملية الماكياج او تحضير الآلات الموسيقية وما شابه. بهذه الطريقة تُلغى الايهام تماما وتكسر حاجز الجدار الرابع، مما يعزز من تفاعل الجمهور مع الاحداث.
ثانيًا: تلاشى الفردانية، وذلك بإلغاء دور البطل التقليدى فى العمل المسرحى من خلال الاحتفال بالأداء الجماعى، حيث يتم التركيز على الكورال والكتل البشرية. ولتعزيز هذا المفهوم يتم استخدام الأقنعة والمؤثرات البصرية المتنوعة لتحوّيل التركيز من التشخيص الفردى إلى الأداء الجماعى، بعيدًا عن مفهوم التمثيل عند ستانسلافيسكى.
ثالثًا. تطويع الجغرافية دراميًا، أى القدرة على تحويل المساحات المفتوحة، مثل الساحات العامة أو المستودعات، الى خشبات مسرحية نابضة بالحياة، من خلال هذا التحويل يمكن خلق فضاءات درامية جديدة تتجاوز الأبعاد التقليدية المتعارف عليها فى المسرح، مما يسمح للجمهور بالتنقل بين الممثلين والتفاعل معهم بشكل مباشر. هذه الديناميكية لا تعزز فقط من تجربة المشاهدة، بل تُضفى عمقًا على الاحداث الدرامية، حيث يتمكن الجمهورمن الشعور بوجوده فى قلب الأحداث، كما أن هذا الأسلوب يساهم فى كسر الحواجز بين العرض المسرحى والجمهور، مما يخلق بيئة تفاعلية تجعله جزء من التجربة المسرحية، ويعزز من إنغماس الجمهور فى السرديات الدرامية والأداء.
رابعًا. تهميش النص، أو الغاء العلو والتراتبية بينه وبين بقية عناصر العرض، أى التعامل مع النص كعنصر ثانوى وكمادة خام لاتمتلك أولوية على بقية عناصر العرض المسرحى. فغالبًا ما تعتمد منوشكين على الجسد، كحضور مكثف على خشبة المسرح، مدعومًا بشكل متوازى، بعناصر العمل الدرامى، من الإضاءة والمؤثرات الصوتية والبصرية والرقمية المختلفة، إضافة الى الموسيقى الحيّة، واللغة الشاعرية ليكتمل العرض المسرحى.
«المكان» عند أريان منوشكين هو الفضاء الملحمى الذى يجعل المسرح «كوطن»، لأنه المكان الشامل الذى يفرز نموذجآً مغايراَ يعتمد على الكورال والجماعيّة الاحتفالية فى المسرح. المكان هنا لا يتخصص بسرد الحكايات والغوص فى الأوهام، إنما هو الفضاء الذى تُكشف فيه التجارب الإنسانية ويُشرك بها الجمهور. فالعرض المسرحى لا يبدأ من رفع الستارة عن الخشبة (كما فى العروض التقليدية) إنما يبدأ من لحظة دخول الجمهور للمسرح (وخاصة فى أماكن المستودعات القديمة التى تحولت الى «مسرح الشمس» الذى تديره منوشكين) حيث يكتشف (الجمهور) وجود الممثلين، بين زوايا المسرح، وهم يتحدثون فيما بينهم، ويضعوا المكياج، والموسيقيون وهم يوزيعون آلاتهم فى الأماكن المخصصة، وغير ذلك. فالمكان عند منوشكين ليس بفضاء جغرافى صامت، إنما مساحة ديناميكية لبث نبض التجارب الإنسانية، والكشف عن المعاناة الإنسانية إقتصاديًا وسياسيًا، إضافة الى مشاعر التحريض على المقاومة والتمرد على الإستبداد والظلم.
الزمان عند منوشكين يصبح زمانًا طقسيًا يستحضر التاريخ لا بإعتباره سردية مقتطعة من التراكم الإنسانى، إنما يستحضره كخامة صماء ليعيد قراءته على ضوء الحاضر بالإعتماد على التواجد الجماعى للممثلين على المسرح، والإيقاع الحركى، والموسيقى الحية لتوليد زمان اللحظة الراهنة، وهو زمان العرض المسرحى الذى يُوقظ الوعى ويُحفز الذاكرة الجمعية. فالزمان يأخذ شكلًا «إحتفاليًا» قد يمتد زمان العرض المسرحى لعدة ساعات طويلة، على النقيض من سرعة ومحدودية الزمان فى المسرح «التقليدي».
وهكذا يتضح من إعادة صوغ مفاهيم الزمان والمكان، فى أعمال بيتر بروك وآريان منوشكين، عن عمق وتعقيد السرد فى المسرح. فكما فى مسرح ما بعد الحداثة، يصبح الزمان عندهما سائل ومرن والمكان يتحول عندهما الى عنصرمتحرك وديناميكى. أى بدمج مرونة الزمان بديناميكية المكان يكون المسرح حيًّا يتنفس اللحظة الحاضرة، علاوة على تهميش النص وإلغاء علوه وتخفيض تراتيبيته ليتساوى، من حيث الأهمية، مع بقية العناصر البصرية والصوتية والرقمية، إضافة الى تغيير موقع ومكانة ووظيفة الجمهور، وذلك بإتاحة الفرصة له فى ان يدخل بتجارب غامرة تعزز الاتصال الواعى والنقدى بالاحداث الجارية على الخشبة.
الختام:
فى ختام هذه الرحلة بين مدارات الزمان وأبعاد المكان، ندرك أنهما لم يكونا يومًا مجرد خلفيتين ساكنتين وراء الحدث، إنما هما النبض الحيّ والنسيج الوجودى الذى يتنفس به المسرح، إذ هما المادة الخام التى يُعاد بها تشكيل الوعى الإنسانى. لقد أسهمت الفلسفات المتعددة، بدءًا من عقلانية التنوير مرورًا بقلق الوجودية وصولًا إلى شظايا ما بعد الحداثة، فى تعميق فهمنا لهذا الإشتباك الإنسانى، مما أضفى على المسرح القدرة المذهلة على سبر أغوار الذات ومآلاتها فى هذا الكون الفسيح. محوّلًا الخشبة من «مرآة تعكس الواقع» الى مختبر يُفكك يقينياته. هنا عند هذا المنعطف المعرفى، تتصافح فلسفة وإشراقات إبن عربى الصوفية عن إندماج رخو المكان بسيولة الزمان مع نسبية أينشتاين، التى أسقطت الأبعاد التقليدية وثبتت «الزمكان» بأبعاده الواقعية الأربعة، وتتكامل رؤى بروك ومنوشكين فى تطهير الفضاء، مع صمت بيكيت الصاخب وعبثية أونسكو التى تبعثر اللغة لتكشف عجزها، ليولد من هذا المزيج مسرح متفرد لا يعترف بالتخوم، ولا يهادن الغموض والإلتباس، بل يجتذب الجمهور الى عين العاصفة ليكون هو المركز والغاية، وشريكًا فى إنتاج المعنى لا مجرد مستهلك له. إن المسرح الحديث والمعاصر ليس الاّ دعوةً شجاعة لإعادة اختراع الذات، ومساحة تلتهم الخشبة فيها الراهن والمألوف، لتصبح كل لحظة عليها ولادة متجددة لزمان ومكان نُعيد صياغتهما بأنفسنا خارج قيود التاريخ وحتمية الجغرافيا.
لذلك فإن دراسة هذين المفهومين فى المسرح ليست مجرد تمرين أكاديمى نظرى، إنما نافذة مشرعة على صراع الإنسان الأزلى للقبض على معنى الكينونة فى عالم لا يتوقف عن التغيير. فلم يعد تأثيرهما على بنية وهيكلية العرض المسرحى حبيس رؤية المخرج الصارمة أو حدود النص المغلق، بل تحول الى ملحمة حيّة تستولد الحكايا من شتات الأفكار، وتصهر مجاميع الممثلين لتخلق مسرحًا تفاعليًا يتنفس بالجمهور ومعهم. هكذا، يغدو كل عرض مسرحى كونًا مصغّرًا، تتلاشى فيه الجدران والحدود الوهمية بين الماضى والحاضر والمستقبل، ليصبح «الزمان والمكان» أشبه بظلال تتراقص على جدران الوعى، تتشكّل مع كل مشهد وتنبض مع كل كلمة. إنه ميتا وجود Meta-Exsistance (أى الوجود المرجعى الذى يستقى حالة الوجود نفسها موضوعًا له) يتأمّل نفسه محاولآً تكثيف الأزل فى لحظة، واختزال اللامتناهى فى بقعة ضوء. فالمسرح، فى جوهره، ليس سوى محاولة الإنسان لترويض «الزمان» الهارب واحتواء «المكان» المنزلق. هناك، حيث يغدو الزمان حلمًا دائريًا، لا بداية له ولا نهاية، والمكان متاهة من الرموز، تتسع وتضيق على إيقاع مخيال المبدع ووعى المتفرج.
المراجع:
• إيمانويل كانت، نقد العقل المحض، ترجمة: إلياس فركوح وحنان شرايخة، الناشر: المركزالثقافى العربى بيروت/الدار البيضاء 2005
• إبن عربى، فصوص الحكم، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت،2000
• إيان الموند، التصوف والتفكيك: درس مقارن بين ابن عربى ودريدا، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2011
• الدكتور مصطفى النشار، إفلاطون رائد المثالية، الناشر: الدار العربية للكتاب، القاهرة 2018
• أرسطو، مجموعة أعمال مختارة، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوى، الناشر: دار القلم، 1980
• ألبرت أينشتاين، نسق الفكر العلمى، الناشر: دار الفكر، دمشق، 2003
• جورج لوكاش، نظرية الرواية وتطورها، ترجمة محمد عبد الله، الناشر: دار وطن للنشر والتوزيع، بغداد 2022
• جورج لوكاش، التاريخ والوعى الطبقى، ترجمة حنا الشاعر، الناشر: دار الأندلس، بيروت 1982
• هانس تيس ليمان، مسرح ما بعد الدراما، ترجمة مروة مهدى عبيدو، الناشر: المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2023
• صموئيل بيكيت، فى إنتظار غودو، ترجمة بول شاوول، الناشر: دار الجمل، بيروت، 2012
• صموئيل بيكيت، مسرحيات قصيرة، يتضمن مسرحية «اللعبة»، ترجمة د. بكر عباس، الناشر: وزارة الاعلام، سلسلة المسرح العالمي( 233) الكويت، 1989
• يوجين أونيسكو، الكراسى، ترجمة عبد الله أبو هيف، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت، 1973
• لويجى بيراندللو، مسرحية «ستة أشخاص يبحثون عن مؤلف»، ترجمة الدكتور سهيل إدريس. مجلة الاداب. رقم العدد (10 ) ، بيروت، الأول من أكتوبر 1953
• هارولد بينتر، الغرفة، ترجمة محمد عنانى، الناشر: دارالشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989
• هارولد بينتر، الخيانة، ترجمةعادل صالح، الناشر: دار المدى، دمشق، 1996
• برتولت بريخت، الاعمال المختارة، الام شجاعة والسيد بنتيلا وخادمه ماتى، ترجمة د. عبد الرحمن بدوى، سلسلة من المسرح العالمى، وزارة الاعلام، الكويت 1978
• أنتونين آرتو، المسرح وقرينه، ترجمة الدكتورة سامية أسعد، الناشر: دار النهضة العربية، القاهرة، 1973
• Henry Bergson, œuvres complètes Éditions Arvensa, Kindle, 2014
• Lukács, György, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, MIT Press, 1971.
• Bertolt Brecht, Écrits sur le theatre, Edition : Gallimard, Paris 2000
• Peter Brook, The Empty Space, edition : Nick Hern Books, London, Kindle, 2019
• Peter Brook, The Shifting Point, Bloomsbury Academic, London, Kindle, 2018
• Garry O’Connor, The Mahabharata, Peter Brook,s Epic in the making, Edition : Lume Books, Kindle, 2018
• Béatrice Picon-Vallin, Ariane Mnouchkine, choix et présentation des textes, Édition : Actes Sud, Kindle, 2018