العدد 999 صدر بتاريخ 19أكتوبر2026
فى تجربة مسرحية تنحاز إلى المغامرة والبحث عن لغة جديدة، استطاع المخرج التونسى الطاهر عيسى أن يلفت الأنظار من خلال عرضه «لا موضى Show Off»، الذى جمع بين الأداء الجسدى، والرقص، والسيرك، والموسيقى، والتقنيات البصرية، فى محاولة لتفكيك مفهوم الموضة وعلاقته بالثقافة والاستهلاك وصناعة الذوق. وقد تُوّجت هذه التجربة بجائزة أفضل مخرج ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، ليضيف التتويج محطة مهمة إلى مسيرته الفنية والبحثية.
وفى حواره مع «مسرحنا»، يتحدث الطاهر عيسى عن لحظة التتويج وما تمثله له، ويكشف ملامح رؤيته الإخراجية فى «لا موضى Show Off»، والتحديات التى واجهته.
كيف استقبلت خبر فوزك بجائزة أفضل مخرج فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، وماذا يعنى لك هذا التتويج فى هذه المرحلة من مسيرتك الفنية؟
استقبلت هذا التتويج ببالغ الفخر والامتنان، لأن مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى يُعدّ من أهم وأعرق المهرجانات فى جنوب المتوسط، والحصول على جائزة الإخراج فيه يمثل دخولًا حقيقيًا فى تاريخية المسرح العربى. حيث أننى أعمل منذ سنوات على تجربة فنية متفردة وذات خصوصية بحثية، ولم يكن من السهل دائمًا تفهمها أو استيعابها، وجاء إنصاف المهرجان ليضع هذا المسار تحت المجهر.. ويؤكد صواب الرهان الجمالى فى هذه المرحلة الحرج من مسيرتى.
عرض «لا موضى Show Off» يحمل طرحًا بصريًا وفكريًا خاصًا؛ ما الرؤية الإخراجية والتجريبية التى راهنت عليها فى هذا العمل وحققت هذا الفوز؟
راهنت على تفكيك مفهوم “الموضة” والتسليع الثقافى الذى تمارسه المنظومة الرأسمالية عبر “صناعة الذوق” وتدجين الفكر البشرى لتحويل الإنسان إلى مجرد “قطاع مستهلك”. وإخراجيًا، اعتمدت على أدوات مسرح ما بعد الدراما عبر خلق تداخل وسائطى وديناميكى (Intermediality) يدمج التمثيل، والرقص، والسيرك، والموسيقى، مع النص السيميوطى والشاشات البصرية فى وحدة شكلية متناسقة، يكون فيها الممثل والجسد الحى هما النواة الصلبة التى تنتج المعنى وسط الزخم التقنى.
المسرح التجريبى يمنح المخرج حرية كسر القواعد المعتادة؛ ما أبرز التحديات التى واجهتك أثناء تجسيد هذه الرؤية على الخشبة؟
التحدى الأكبر تمثل فى السيطرة على خطورة “التداخل الفنى والوسائطي”؛ فدمج لغات أدائية متنوعة كفن العرائس والسيرك مع التقطيع السينمائى والتقنيات الرقمية يتطلب دقة هائلة كى لا يسقط العرض فى التشتت البصرى أو المجانية الزخرفية. فكان عليّ الحفاظ على الانسجام العضوى بين المتطلبات التقنية وبين الوجود الحى للممثل على الخشبة، بالإضافة إلى صياغة نص متماسك يوازن بين البناء الجمالى والرسالة الفكرية الناقدة للهيمنة الاستهلاكية.
يحتل مهرجان القاهرة للمسرح التجريبى مكانة عريقة عربيًا ودوليًا.. كيف تقيم التفاعل الجماهيرى والنقدى مع عرضك فى القاهرة؟
كان التفاعل ممتازًا وعميقًا للغاية، فالجمهور المصرى يمتلك حسًا نقديًا وذائقة مسرحية تاريخية ممتدة؛ ورغم الطابع التجريبى المركّب للعرض، فإن الحضور تفاعل بوعى مع الطرح السوسيولوجى والأداء الجسدى. أما نقديًا، فقد فتح العرض نقاشات مثمرة حول حدود التجريب ومفهوم الكتابة على الخشبة، ما جعل التجربة محطة لإعادة التفكير فى الأدوات وتطويرها.
ما الذى يميز منصة مهرجان القاهرة التجريبى مقارنة بباقى المهرجانات العربية من حيث مستوى العروض والتلاقى الثقافى؟
يتميز المهرجان بكونه “سوقًا فنيًا وبيئة استراتيجية للتشبيك”؛ فهو لا يكتفى بعرض الأعمال بل يربط المبدعين بالمنتجين وخبراء التوزيع والبرمجة من مختلف دول العالم.
كما يُعرف برقابته الفنية العالية، حيث يجمع تجارب عالمية فارقة (من سويسرا، وإسبانيا، وبيلاروسيا، وفرنسا، وغيرها) إلى جانب العروض العربية، ما يخلق بيئة تنافسية وتواصلًا معرفيًا وأبستمولوجيًا نادرًا.
كيف ترى دور القاهرة كعاصمة للمسرح والفنون فى دعم المسرحيين العرب وتبنى العروض الطليعية والتجريبية؟
القاهرة تلعب دورًا تاريخيًا كمركز لإشعاع الفن المسرحى فى المنطقة العربية، حيث يجمع المشهد المسرحى المصرى بين التنوع الجماهيرى والتجريب البحثى الصارم.
تبنى القاهرة للعروض الطليعية يمنح المسرحيين العرب منصة اعتراف وازنان دولى، ويكرس القناعة بأن المسرح ليس مجرد أداة للتسلية، بل هو مختبر للتفكير والنقد ومواجهة القضايا الوجودية والإنسانية.
هل تعتقد أن المهرجانات المسرحية اليوم ما زالت تؤدى دورها كمعمل للتجريب والتطوير، أم أن بعضها اتجه للنمطية والاحتفالية فقط؟
لا يمكن التعميم، لكن المهرجانات الجادة — كمهرجان القاهرة التجريبى أو أيام قرطاج — ما زالت تحافظ على دورها كـ «ممارسة مخبرية” تُسهم فى صياغة الحقل الثقافى والمؤسسى. ولكن الخطورة تكمن فى سقوط بعض المهرجانات فى استهلاك الموضة الاحتفالية والصرعات التزينية السطحية، بينما التجريب الحقيقى يحتاج دائمًا إلى الحفر العميق ورفض الاتباعية.
كيف يسهم التنافس فى المهرجانات فى تطوير لغة المخرج المسرحى، وهل تضع التتويجات والجوائز فى الحسبان أثناء فترة الإعداد للعرض؟
التنافس يضع المخرج فى احتكاك مباشر مع مستويات جمالية مختلفة ويحثه على تدقيق لغته وتطوير أدواته السيميوطية. وبالنسبة لى، التتويج لا يكون أبدًا هدفًا أثناء عملية الخلق والبروفات؛ فالعمل المسرحى ينبع من انشغال فكرى وجمالى ذاتى، والجوائز تأتى كأثر جانبى ونتيجة للصدق والدقة الجمالية، وليس كمحرّك مسبق للتجربة.
رُشح العمل لعدة جوائز وحصد التتويج.. ما المعايير التى تعتبرها المقاييس الحقيقية لنجاح العرض المسرحى بعيدًا عن لجان التحكيم؟
المقياس الحقيقى يكمن فى القدرة على إحداث شحنة تفاعلية حية (Liveness) مع الجمهور، وتحريك وعيه دون الابتذال. ونجاح العرض يقاس بمدى أثره الاستمراري؛ أى أن يظل العرض كـ«كائن حى عضوى» يتطور بتغير الجغرافيا والجمهور، وأن يفتح حوارًا نقديًا ممتدًا يدفع المتقبل لإعادة التفكير فى واقعة وعلاقته بالمحيط.
إلى أى مدى تفتح الجوائز والترشيحات الدولية أفاقًا جديدة للعرض المسرحى للجولات والانتشار فى مهرجانات عالمية أخرى؟
التتويج فى مهرجان بحجم القاهرة التجريبى يمثل جواز سفر دولى للعرض. إنه يضع العمل تحت أنظار شبكات الإنتاج المشترك ومبرمجى المهرجانات العالمية، ما يفتح آفاقًا واسعة للجولات الميدانية والانتشار، ويمنح التجربة التونسية والعربية فرصة للتموقع ضمن أفق المسرح العالمى المعاصر.