إلى أي مدى تأثرت مسارات التجريب في المسرح المصري بالمهرجان التجريبي

إلى أي مدى تأثرت مسارات التجريب في المسرح المصري بالمهرجان التجريبي

العدد 997 صدر بتاريخ 5أكتوبر2026

ثانيا: مسار توظيف التراث والطقس والأسطورة
استمرارا لمحاولة تتبع أثر العروض الأجنبية التي قدمها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في تطور بعض مسارات التجريب في المسرح المصري من خلال البحث عن الأفكار والأشكال التي ظهرت أمام المسرحيين المصريين، ثم عادت إلى الظهور بعد ذلك في تجارب مصرية مختلفة.
نتوقف أمام مسار آخر أكثر تعقيدا، هو الموروث والأسطورة والطقس. يعتبر هذا المسار من أهم مسارات التجريب في المسرح لخصوصيته الشديدة حيث أنه يسير في اتجاه مغاير لرعاة الحداثة لأته ينطلق من فكرة التجريب بالتعمق في المحلية والإغراق في توظيف الموروثات واستخدام الطقوس والشعائر المحلية لتأكيد الفكرة بدمجها في بنية العرض المسرحي وليس كمجرد شكل بصري جمالي وكلما تحقق ذلك ازداد العرض قربا من الفكر التجريبي الحديث.
فالموروث لم يكن غائبا عن المسرح المصري قبل المهرجان، كما أن استخدام الأسطورة أو الحكاية الشعبية أو الطقس الشعبي ليس اختراعا للتجريب. لكن الجديد الذي حملته التجارب الأجنبية لم يكن اكتشاف الموروث المصري للمصريين، وإنما تقديم طرق مختلفة للنظر إليه وتحويله من مادة للحكاية أو الاستعادة إلى لغة مسرحية قابلة للتجريب.
وهنا يبرز السؤال: كيف أعاد التجريب في المسرح المصري توظيف التراث والطقس والأسطورة؟ وإلى أي مدى تأثرت هذه المعالجات بما قدمته التجارب الأجنبية في المهرجان التجريبي؟
ملحوظة منهجية: هذه الدراسة تتناول دورات المهرجان منذ إنشاءه حتى 2025، بشكل وثاب بين السنوات وليست كلها للحفاظ على مساحة مناسبة للمقال. مع مراعاة شمولية التناول. 

أولا: العروض الأجنبية 
المرحلة الأولى - البدايات
إعادة تشكيل الأسطورة
تكشف خطوط المسار الخاص بالتراث والأسطورة وتوظيف الطقوس والموروثات الشعبية في العرض المسرحي, من خلال العروض الأجنبية بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عن تواجد بسيط في البدايات عمل على تحويل مجرد استخدام المظاهر داخل العرض كمجرد شكل إلى توظيف حقيقي في البنية المسرحية لتتحول إلى لغة مسرحية متكاملة قادرة على إعادة البناء والتأويل والتشكيل. حيث برزت في الدورات الأولى تجارب آسيوية قدمت التراث الأسيوي لاسيما الياباني من خلال الطقوس والحركة والإيقاع الجسدي والموسيقى والأقنعة، حيث تراجعت مركزية الكلمة لمصلحة الجسد والصورة والصوت، وأصبح الطقس ذاته مصدرا لبناء الفرجة.
وقد اهتمت التجارب المبكرة بالبحث في جذور الفعل المسرحي بواسطة إعادة  طرح العناصر المنتمية للأشكال الطقسية والتراثية بأسلوب مختلف على خشبة المسرح.  حيث يتحول الجسد إلى علامات ذات دلالة وإيقاع, في حين تجسد الحركة الحدث بحيث تصبح جزءا من المعنى, كما تصبح الموسيقى والأقنعة والمهمات التراثية لغة مسرحية ذات وظيفة درامية وليست جمالية فقط, وبالتالي تحرر التراث من التوثيقية، ليصبح مادة للتجريب في بنية الفرجة.

نكتشف هذا الاتجاه بقوة في عرض “الجندي المتفاخر” في الدورة الثالثة استخدم فيه المخرج المجري “جانوس توب” كل إمكانيات لعبة الكوميديا دي لارتي وفنونها: السيرك والأقنعة والأكروبات والفكاهة اللاذعة وقدرات الممثلين الفائقة الجسدية منها والأدائية، فيحاول أن يعود بفنون المسرح إلى أصولها الأولى، ابتعادا عن منطقية اللغة الدرامية الأدبية واقترابا بل والتحاما بفنون المسرح وأصولها. في اتجاه التجريب نحو الأشكال والصيغ الشعبية القديمة. لاستنباط أشكال مسرحية جديدة تستفيد من ثراء هذا التراث المسرحي الإنساني.

ومع الدورة السادسة عام 1994، التي حملت عنوان “المأثور الشعبي والتجريب المسرحي”، اتسع حضور الموروث ليشمل الحكاية الشعبية والمعتقد والطقس والأسطورة، بما يؤكد أن العلاقة بين التراث والتجريب لم تعد مقصورة على الأشكال الأدائية التقليدية، وإنما أصبحت تمتد إلى المواد الحكائية والرمزية التي تختزنها الذاكرة الشعبية.

ففي العرض الروماني “الأسبوع المضيء” يحضر طقس عيد القيامة والمعتقد الشعبي بوصفهما منطلقا لبناء رؤية معاصرة، حيث يعتمد العرض على طقس ديني يمارس في الأسبوع الأول من عيد القيامة، حيث كانت الخرافة القديمة تقول إن كل من يموت خلال هذا الأسبوع يدخل الجنة، مهما كانت آثامه وخطاياه، ويحدث إسقاط عصري على هذه “الموتيفة” الطقسية.
بينما يقوم العرض الأرجنتيني “أحباب” على حكاية شعبية وإبداع جماعي، تتناول فيه قصة شعبية تستفيد من جماليات اللغة وتستغلها على مستوى السينوغرافيا والزمن والفراغ المسرحي، والإضاءة والأزياء وغيرها من مفردات العرض المسرحي. أما عرض “على من يقع اللوم” (تايلاند) فكان مستلهما من أسطورة “كاكي” الشعبية. استخدم المخرج السرد الأسطوري مع الحركة والرقص التقليدي، محولا الحكاية إلى فرجة بصرية تعتمد على الإيقاع الجسدي والموسيقى التقليدية، مع إعادة قراءة رمزية للعلاقة بين الإنسان والقوى الخارقة.  ثم عرض “إيون” قدمته فرنسا ومأخوذ عن أسطورة إغريقية يرجع تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد. وقد صاغها المخرج الفرنسي “نيك فيليو” فنقل الأسطورة إلى واقع القرن العشرين ليطرح من خلالها قضايا الهوية والثقافة المعاصرة، ووضعية المرأة. وقدمت فنلندا عرض “حجر رنان” حيث اعتمد على أداء صوتي وحركي طقسي. من خلال تردد الأصوات والحركة المتناغمة مع الموسيقى الحية، محولا الأداء إلى طقس سمعي- جسدي يستحضر منابع الفن الأولى.

ومن ثم، تكشف هذه المرحلة عن تحول مهم في طبيعة المادة التراثية نفسها؛ فالموروث لم يعد مجرد شكل للأداء يتم توظيف جمالياته لاستعراضها على خشبة المسرح وإنما أصبح يشكل رصيدا من الحكايات والمعتقدات والأساطير والطقوس التي يمكن إعادة صياغتها وفق احتياجات العرض المعاصر. كما أن التجريب بعد فكرة الاستغناء عن الكلمة, أصبح يختبر قدرة المادة التراثية على طرح أفكار جديدة لا تنتمي بالضرورة إلى سياقها التاريخي الأصلي.

ويتواصل هذا المسار في الدورة السابعة، حيث يقدم العرض التونسي “كلام الليل” نموذجا لاستعادة شكل من أشكال المسرح الشعبي وتوظيفه في النقد اللاذع لظواهر اجتماعية وسياسية ، من خلال سينوغرافيا يجعل القفص فضاء مشتركا للممثلين والجمهور في كيان إنساني متوحد ، فيتحول الفضاء نفسه إلى عنصر دلالي في التجربة. وفي العرض الياباني “على قيد الحياة” تستعاد حكاية شعبية يابانية في صياغة ذات طابع طقسي، تتصل بمفاهيم السعادة والحكمة والحب. وهنا يتجاور التراث الشعبي مع الرؤية المعاصرة، دون أن يفقد حضوره بوصفه ذاكرة ثقافية وأدائية.

وفي الدورة الثامنة عام 1996، يظهر تحول أكثر تركيبا في “كارمينا بورانا” البولندي؛ إذ يحتفظ العرض بالبنية الأسطورية وما يرتبط بها من ثيمات الحب والموت، استنادا على مقتطفات من الشعر للقرنين الثاني والثالث عشر، تمتزج مع القصة الانجلو / نورمانية المعروفة باسم “ترسيتان وإيزولدا”. حيث خلق المخرج علاقة حميمية ما بين لغة العرض المسرحي، ولغة النظارة المتواجدين الجالسين فوق الخشبة. ولغي المخرج بهذا صالة المتفرجين، محطما معها تقاليد مسرح العلبة الإيطالية بكل موروثاته ومعماره في محاولة لخلق حالة مسرحية طقسية تعيد المسرح إلى ينابيعه الأولى، من خلال الأسطورة وشَكَّلَ الطقس الإنساني.

ومن نماذج توظيف التراث والأسطورة في التجريب المسرحي في الدورة التاسعة 1997  عرض “أتريس” من اليونان الذي قدّم معالجة معاصرة لأسطورة آل أتريوس، مستندا إلى مقتطفات من أعمال إيسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس، باعتبارها مادة لإعادة تأويلها دراميا ومسرحيا. وقد جمع العرض بين الرؤى التراجيدية الثلاث في صياغة واحدة، واستثمر الفضاء الأثري عند أبي الهول والأهرامات بوصفه جزءا من التشكيل المسرحي، فأنشأ حوارا بصريا وثقافيا بين الموروث الإغريقي والحضارة المصرية القديمة، لتتحول الأسطورة إلى مادة للتجريب في التأويل وفي العلاقة بين النص والفضاء والسينوغرافيا.

من خلال التجارب السابقة التي تمثل مرحلة البدايات من تأسيس المهرجان حتى نهاية التسعينيات, نلاحظ أن توظيف التراث والأسطورة في العروض الأجنبية اتخذ عدة اتجاهات, وتطور من مجرد نقل العناصر التراثية والطقسية والأدائية  إلى إعادة اكتشاف توظيف مختلف في المادة المسرحية تبعا لإمكاناتها الفنية, ثم الانتقال إلى تحويل الحكاية الشعبية والأسطورة إلى مادة فنية ينتج منها دلالات معاصرة. ذلك بعد أن كان التركيز في البداية على الجسد والحركة والموسيقى والأقنعة والطقس، ثم اتسع ليشمل الحكاية والمعتقد والموروث الشعبي، قبل أن تتقدم الأسطورة إلى موقع أكثر تركيبا، تصبح فيه وسيلة لإعادة بناء النص والفضاء والعلاقة بين الممثل والجمهور.

وبذلك لم يعد التجريب قائما على مجرد طرح الموروث كما هو، وإنما على الطريقة التي يعاد بها تفكيكه وتركيبه داخل العرض. فقد يتحول التراث إلى لغة جسدية، أو إلى بنية طقسية، أو إلى مصدر لتوليد الشكل المسرحي، أو إلى حكاية يعاد تأويلها، أو إلى أسطورة يعاد تركيبها، أو إلى فضاء ثقافي يدخل في حوار مع ثقافة ومكان آخرين. ومن هنا تتشكل إحدى أهم سمات هذا المسار: الانتقال من التراث بوصفه موروثا ثابتا إلى التراث بوصفه مادة حية للتجريب، ومن الأسطورة بوصفها حكاية موروثة إلى الأسطورة بوصفها بنية قابلة لإعادة القراءة والتشكيل المسرحي.

وهذا التحول لا يعني اختفاء البعد الطقسي أو الشعبي في المراحل اللاحقة، بل يعني إعادة توظيفه داخل بنى أكثر تركيبا؛ فالطقس يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة تنظيم علاقة الجمهور بالعرض، والأسطورة يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة بناء النص، والمكان الأثري يمكن أن يصبح شريكا في طرح المعنى. وبذلك تتسع مساحة التجريب من الشكل المسرحي إلى طريقة التفكير في المادة التراثية نفسها، ليصبح السؤال ليس كيف نستعيد التراث، وإنما كيف يمكن لهذا التراث أن ينتج، داخل العرض المعاصر، معنى جديدا وشكلا جديدا وعلاقة جديدة مع المتلقي.

المرحلة الثانية – الألفية الجديدة
من استدعاء التراث إلى إعادة تأويله وتجريبه
في المرحلة الثانية في الألفية الجديدة نجد أن هذا المسار قد اتخذ شكلا أكثر تجريدا ففي عرض “ بيت العرائس” الياباني في الدورة ال13 عام 2001, فقد استثمر العرض بعض تقاليد المسرح الياباني خصوصا الأقنعة والموسيقى والإيقاعات, حيث عمل على إعادة طرح سؤال معاصر حول الحرية والخضوع. في هذا العرض نجد العلاقة بين الرجل (محرك الدمية) وبين المرأة (الدمية) عملت على تحويل العنصر التقليدي إلى لغة رمزية لقراءة المجتمع. في هذا العرض تعامل المخرج مع فكرة العميقة والجريئة ببساطة مازجا بين تقاليد المسرح الياباني في استخدام أقنعة الكابوكي (القناع الأبيض من المكياج على وجوه النساء) إلى جانب الملابس الحريرية المزركشة الألوان، مع الإيقاعات الحديثة والموسيقى اليابانية والتقنيات الجديدة. فالتجريب هنا انتقل من عملية توظيف التراث كمضمون إلى توظيفه على أنه شكل بصري وأسلوب أدائي يمكنه إنتاج دلالات جديدة.

من زاوية مختلفة يمضي في نفس الاتجاه العرض الصيني “ووشانغ ونودياو” في الدورة ال14 عام 2002، حيث يربط العرض مشكلات المجتمع الصيني المعاصر بتراثه الطويل، فيظهر التراث هنا بوصفه وباعتباره مدخلا لفهم أزمات المجتمع والبحث عن إمكانات مواجهتها. ومن ثم يتسع مفهوم التجريب ليشمل إعادة توظيف الذاكرة الثقافية في قراءة الواقع المعاصر.

أما عرض “القول البندير” الجزائري (2004) في الدورة ال16, نكتشف فيه منحنى مختلف في هذا المسار، فنجد المخرج يستدعي شخصيات تاريخية وتراثية مثل عنترة بن شداد والحسين بن منصور ليخرج بها من سياقاتها الأصلية ويضعها في مواجهة العصر. أي أن التراث تحول هنا إلى أداة لمساءلة الحاضر؛ كما اعتمد العرض بشكل كبير على الفلكلور الجزائري الذي  اندمج مع البناء السينوغرافي والأدائي ليصبح جزءا من اللغة المسرحية نفسها. وبذلك ينتقل التجريب من استحضار الشخصية التراثية إلى إعادة مساءلتها وإعادة تشكيل صورتها أمام المتلقي المعاصر.
وبعد ذلك تتسع دائرة التجريب لتشمل التراث المصري القديم في عرض “انطلقوا” الأمريكي في الدورة الرابعة والعشرين (2017)، المستوحى من “كتاب الموتى” المصري. الاستلهام هنا لم يكتف بإعادة تقديم الطقوس الجنائزية كما هي، فقام بإعادة تركيبها من خلال الموسيقى والحركة والرقص والتكوين البصري، لتتحول الطقوس القديمة إلى عناصر داخل لغة مسرحية معاصرة. وهكذا أصبح التراث الفرعوني مادة بصرية وطقسية قابلة لإعادة التشكيل، وليس مجرد خلفية تاريخية للأحداث.
وفي الاتجاه ذاته قدم العرض الصيني “9 ونصف حب” في نفس الدورة نموذجا أكثر تركيبا منطلقا من مرجعيات مختلفة ، حيث بلغ توظيف التراث مرحلة الدمج والتوليف بين مصادر ثقافية وزمنية متباعدة باستخدام تقنية المونتاج في جمع عدة مستويات حيث يجمع بين قصة انتقام واقعية وملحمة هوميروس والشعر والأسطورة والأدب الكلاسيكي. فيعمل على إعادة بناء المادة المسرحية من شظايا الذاكرة والأسطورة والأدب والتاريخ.
ويصل هذا المسار إلى صياغة أكثر تركيبا في العرض الصيني “أرض لوتشا” في الدورة ال27 عام 2020, الذي يستثمر عالم الأشباح والشياطين وعناصر من التراث الآسيوي ويعيد صياغتها من خلال شكل فني جمع بين عناصر مسرح العرائس والأوبرا ومسرح الأقنعة والرقص المعاصر. لذا فإن العرض اعتمد على الصورة البصرية مع جمل حوارية بسيطة وقليلة. فقد شهد العرض ديناميكية حركية من خلال الأداء الجماعي والرقص الحركي بين ديكور تجريدي معبر عن الخواء والفضاء الذي سقط فيه البطل ليعطي مساحة للصراع داخل النفس مع موتيف لشكل وحشي في أحد الجوانب معبرا عن عنصر الشر والشياطين, مع استخدام الأقنعة بكثافة في العرض. وهنا ينتقل التراث من مستوى الدلالة إلى مستوى البنية المسرحية ذاتها؛ فالقناع والدمية والموسيقى والحركة والصورة لا تعمل كإضافات زخرفية، وإنما تشكل لغة العرض الأساسية في التعبير عن الصراع الداخلي بين الخير والشر.

مما سبق يتضح أن توظيف التراث والأسطورة في العروض الأجنبية المسرح التجريبي سار في عدة اتجاهات متدرجة؛ فقد بدأ باستعادة الأسطورة وإعادة تأويلها، ثم انتقل إلى توظيف عناصر التراث بوصفها علامات ورموزا، ثم إلى مساءلة الشخصيات والأفكار التراثية من منظور معاصر، وصولا إلى تفكيك الموروث وإعادة تركيبه داخل لغات مسرحية جديدة تعتمد الصورة والحركة والقناع والرقص والموسيقى والمونتاج. وبذلك أصبح التراث مادة يعيد المسرح إنتاجها وفق أسئلته الجمالية والفكرية الراهنة.


ثانيا العروض المصرية
البدايات: الموروث الشعبي والبحث عن لغة محلية
ظهر هذا المسار بشكل مبكر في العروض المصرية في المهرجان التجريبي منذ بدايته في الدورة الأولى عام 1988, حينما قدم المخرج محسن حلمي عرض “دقة زار” تأليف محمد الفيل, حيث وظف فيه المظاهر والشعائر الطقسية التراثية المصرية انطلاقا من طقس الزار بوصفه رمزا للتخلف والخرافة في مواجهة العلم كما استعان العرض بالحاوي والقهوة الشعبية والأغاني القديمة مما خلق عالما بصريا محليا, اعتمد في مشاهده الصامتة على الحبكة والإيقاع ومكونات الصورة المسرحية. بجانب ذلك ظهرت عروض أخرى استعانت بالموروثات الشعبية مثل “عروسة الزار”, و”سهرة ريفية”, و”صلوات فرعونية” لأحمد مختار.
إذن هنا كانت البداية مصرية خالصة بعيدا عن أي تأثير أجنبي, فالمسرح المصري لم ينتظر تقديم العروض الأجنبية للتراث والأساطير والموروثات حتى يستدعيها منهم أو يقلدهم بل كانت له انطلاقة البداية نحو البحث عن شكل جديد للتجريب ناتج من الجذور المحلية, لكن يمكن القول إن المهرجان أتاح الفرصة للمسرحيين المصريين للاجتهاد في البحث عن لغة مسرحية جديدة نابعة من الهوية المصرية. 

مرحلة التسعينيات: من العنصر الفولكلوري إلى البنية المسرحية
اتسعت التجربة التراثية خلال التسعينيات, فتنوع حضور الموروث بشكل أكبر تنوعا لاسيما مع الدورة السادسة التي تركز فيها الاهتمام على محور المأثور الشعبي كمحور أساسي للمهرجان, وبالتالي التزم عدد من الفرق بهذا المحور, فتنوعت العروض في تقديمه لتشهد تعددا واضحا في أشكال استلهام الطقس والتراث الشعبي؛ ففي مجال الرقص الحديث قدم وليد عوني “أجاثا”, وقدم انتصار عبد الفتاح “كونشيرتو” الذي أقام علاقة بين الإنسان والآلة الموسيقية الشعبية. أما المخرج سعيد سليمان فقد اتجه في عرض “أيوب” إلى الطقس مستلهما صبر أيوب وفقره بوصفهما معادلا لقهر المواطن المصري المعاصر.  ثم نجد الفنان نور الشريف  يقدم عرض “محاكمة الكاهن” الذي استعاد فيه الطقسية الفرعونية محاولا البحث عن شكل جديد للتعبير الفني من خلال التراث المصري القديم. كما ظهر استلهام الألعاب الشعبية في” سنيورة” لمجدي النور محمد. كما قدم مسرح الشباب فرجة مسرحية تستعيد طقوس الحياة المصرية من الميلاد والسبوع والطهور والزواج إلى المواسم المرتبطة بحياة الفلاح.
في تلك العروض يكشف هذا التنوع أن مفهوم التجريب من خلال الموروث قد اتسع لدى المخرج المصري فأصبح يرتبط بعدة صور للفرجة الشعبية بدءا من الرقص والموسيقى امتدادا إلى الطقس الديني والشعبي، ومن الأسطورة الفرعونية إلى دورة الحياة اليومية. كما أصبح للطقس نفسه وظيفة درامية مثلما في عرض “أيوب” حيث أصبح وسيلة للتعبير عن واقع إنساني واجتماعي معاصر. وهنا يبدأ التحول من الموروث بوصفه موضوعا للعرض إلى الموروث بوصفه أداة لتوصيل المعنى.
تأتي بعد ذلك الدورة الثامنة عام 1996 لنرى عرض الطوق والأسورة الذي قدمه المخرج ناصر عبد المنعم عن رواية يحيى الطاهر عبد الله ومن إعداد سامح مهران, وبنى فيه الفرجة على ممارسة الطقوس في جنوب مصر, حيث استعاد عالم محلي تحكمه ثلاثية الفقر والجهل والمرض فاستخدم العرض الطقس والتراث كمادة تكشف استمرار واقع اجتماعي متردي، وأحاط الجمهور بمنطقة التمثيل واستخدم الجوقة والغناء الشعبي والمواويل والتحطيب والطقوس المحلية الموروثة.

وإذا انتقلنا إلى الدورة العاشرة عام 1998  تم عرض “مخدة الكحل” إخراج انتصار عبد الفتاح، وقد مثل محطة أخرى مهمة في تطور المسار الطقسي والتراثي. اعتمد المخرج في العرض على المسرح الصوتي والبوليفونية، بحيث تقود الموسيقى والإيقاعات والأصوات البشرية حركة الممثلين، مع تراجع سلطة الحوار التقليدي. وقد استلهم ووظف طقوسا تعبيرية مزج فيها الفولكلور بالواقعية السحرية، لتصبح الأصوات والأجساد قادرة على إنتاج نص موازٍ للنص المنطوق. وقد حقق العرض إنجازا مهما بوصفه أول عرض مصري يفوز بجائزة أفضل عرض متكامل في المهرجان.
في الدورة الحادية عشرة، قدم انتصار عبد الفتاح عرض”طبول فاوست” في صالة صغيرة، أعاد فيها تشكيل فضاء العرض حول منصة تحيط بها الشخصيات والجوقة، مع توظيف الطقوس والإيقاعات النوبية بوصفها عنصرا بنيويا في التكوين المسرحي. ويتجلى الموروث هنا في تداخل الموسيقى والحركة والجوقة مع الأسطورة الفاوستية، بما يحول العناصر التراثية إلى لغة أدائية معاصرة.

مما سبق يمكن القول أن في مرحلة نهاية التسعينيات انتقل الموروث من مجرد الزينة والزخرفة الشكلية الجمالية إلى التداخل في البنية, كما تحول من كونه مجرد موضوع إلى لغة مسرحية, كما أنه تحول من كونه نقل أو استعادة لمادة موروثة إلى إعادة تشكيل لتلك المادة.

الألفية الجديدة: الطقس بوصفه لغة مسرحية
في الألفية الثانية، يتضح أنه قد ازداد نضج الاتجاه الطقسي، حيث أصبح الموروث الروحي والجسدي أكثر اندماجا في البناء المسرحي. ويتصدر هذا الاتجاه سعيد سليمان في “هكذا تكلم ابن عربي” التي قدمها عام 2006، كان سعيد سليمان يبحث عن شكل مسرحي يقوم على الطقس والحركة والموسيقى والصورة أكثر من الحوار التقليدي.
يمثل هذا العرض ذروة نضج التيار الطقسي الصوفي. حيث أصبح الطقس هنا البنية الأساسية للفرجة وحول المخرج الفضاء المسرحي إلى فراغ كوني هلامي يجسد فلسفة وحدة الوجود عبر التجريد الكامل من الديكور الثابت والحركة الدائرية المتقاطعة التي تحاكي الأفلاك وحلقات الذكر. كما جعل الإضاءة عنصرا دراميا يجسد الإشراق والاتصال بين الأرض والسماء، واختار ملابس فضفاضة تجرد الجسد من الهوية الزمنية، واعتمد على الموسيقى الحية والصمت المقصود كأدوات تأمل تدفع المتلقي إلى المشاركة الوجدانية. بهذا انتقل التجريب من استخدام الموروث الروحي كمادة مساعدة إلى جعله اللغة المسرحية ذاتها.
واستمرت في نفس الوقت تجارب وليد عوني في الدراما الحركية المستلهمة من الموروث، واستمر انتصار عبد الفتاح في توظيف الفنون الشعبية والطقوس ففي عروضه، ومنها عرض “رادوبيس” إلى جانب تجارب أخرى مثل “دعاء الكروان” لكريمة بدير.
بعد توقف المهرجان لمدة خمس سنوات, واصل دوراته عام 2016 بالدورة الثالثة والعشرين واستمر معه سعيد سليمان في تطوير هذا المسار, ففي مسرحيته “الإنسان الطيب” ظل البحث قائما على الحركة والموسيقى والصورة والطقس، كما كان للغناء والأداء الجماعي حضورا أكبر, حتى انتقل في عرض “شامان” عام 2017 إلى شكل آخر، حول الطقس من الحالة الصوفية التأملية إلى طقس جماعي ذي بعد علاجي وتطهيري. ويقوم العرض على خواطر ومونولوجات قصيرة وأداء جماعي غنائي وعزفي وانتقل عبر مراحل رمزية من الحالة المادية إلى استدعاء الشامان ثم التطهر والنشيد الجماعي. كما كسر شكل الفرجة التقليدي بوضع الجمهور في دائرة، واستخدم السلالم والحبال في تكوينات ترتبط بالصعود والتحول. وهكذا تطور المسار من الطقس الصوفي إلى طقس جماعي مباشر، مع الاحتفاظ بالحركة والموسيقى والصورة والعلاقة المختلفة بين الممثل والجمهور.
وهكذا نجد أن الطقس والموروث أصبحا بنية درامية ووجدانية أساسية، بل إنهما في بعض التجارب أصبحا اللغة المسرحية ذاتها.

من الطقس إلى الأسطورة
في الدورة ال24 عام 2017 انتقل التجريب في الموروث  إلى صورة أكثر وضوحا بإعادة قراءة الرمز والأسطورة. فاستعان المخرج تامر كرم في عرض “يوم أن قتلوا الغناء” بالأسطورة لمواجهة الفكر المتطرف وبنى عالما اسطوريا خياليا استخدم فيه صراع الشقيقين، مع استدعاء سفينة نوح من الأثر في توظيفه للسفينة في مقابل المعبد أو الصنم, إضافة للتشكيل الحركي والصورة البصرية الغنية. فوظف الموسيقى والحركة والصورة كأدوات للتعبير عن قضية معاصرة دون أن يلجأ إلى  المباشرة.
فنجد هنا أن الموروث اتخذ وظيفة مغايرة فالغرض ليس مجرد عرض الأسطورة أو سردها  فهي هنا صارت بنية رمزية تسمح بطرح قضية راهنة.

وفي 2019 في الدورة ال26 أعادت كريمة بدير في عرض “بهية” تشكيل الموال الشعبي المعروف من خلال الرقص والحركة والصورة. حيث نجد بهية تحولت إلى رمز له دلالات متعددة مع التأكيد على الجسد كوسيط أساسي لإعادة إنتاج الحكاية. فقد وظفت رقصات التحطيب والاحتفال والرقصة الرومانسية ورقصة الذئاب كأشكال بصرية متجاورة مع استخدام الفيديو آرت والموسيقى والملابس الشعبية. إذن انتقل الموروث مع بهية من الحكاية والكلمة إلى الجسد والصورة والإيقاع،
وهنا صورة جديدة لتوظيف الموروث فالتراث  يتحول إلى لغة مسرحية معاصرة، تختلط فيها الذاكرة الشعبية بتقنيات العرض الحديثة.
وفي الدورة السابعة والعشرين استدعى المخرج محمد مكي في عرض “حريم النار” لفرقة مسرح الطليعة، تأليف شاذلي فرح عن “بيت برنارد ألبا” لفيدريكو جارثيا لوركا، البيئة الصعيدية لإعادة تشكيل النص وتمصيره كما يناسبها. فاعتمد العرض على اللهجة الصعيدية، وخامات البيئة المحلية في تشكيل فضاء البيت، وفي مقدمتها الجريد والخوص ومنتجات النخيل، إلى جانب الجلباب الصعيدي والمفردات والأدوات المنزلية التقليدية، والموسيقى ذات الملامح الشرقية، بما جعل التراث الشعبي حاضرا في الصورة المسرحية ومكونا من مكونات بناء العرض. فهو وظّف المفردات التراثية لتشكيل عالم درامي خاص، تدور داخله علاقات القهر والحرمان والغيرة والانتقام، ومن ثم جاء التراث في العرض بوصفه مادة جمالية وبيئية تتفاعل مع الرؤية الإخراجية والسينوغرافية.
في مرحلة ما بعد جائحة الكورونا استمر تطور هذا المسار ليعمل على وصل مواد الماضي بالحاضر وأسئلته من خلال إعادة قراءة ومساءلة التراث والأساطير والكلاسيكيات. حيث يتضح هذا المسار بقوة في عرض “رماد من زمن الفتونة” لكريمة بدير، فيتحول نظام الفتونة إلى صورة لسلطة شعبية قائمة على القوة، ويتقاطع مع أسطورة الخلق والتفاحة والدراويش والأراجوز. وهنا  تتداخل عدة عناصر شعبية وأساطيرية وروحية في بناء بصري مسرحي واحد.

 و في افتتاح الدورة الثانية والثلاثين عام 2025، قدم وليد عوني عرض “انتصار حورس” ليعمل على إعادة بناء العلاقة بين النص الأثري والجسد والفضاء والتكنولوجيا في  مسار الموروث في التجريب في المسرح. من خلال عالم آثار يقوم بزيارة  لمعبد إدفو حيث تتحول الجدران والنقوش الجامدة إلى أجساد حية تتحرك. وتُعرض النقوش الحقيقية المنقوصة، قبل أن يدخل الممثلون بأجسادهم في فراغاتها ليكملوا المشهد؛ فيصبح الجسد امتدادا حيا للنص الأثري. كما يمزج العرض بين الأزياء الفرعونية والمعاصرة ويعيد إنتاج  ثنائية النظام والفوضى عن طريق ثنائية حورس وست ، ثم ينزع الممثلون الأزياء الفرعونية ليقدموا الأحداث نفسها بملابس عصرية، بما يؤكد أن الأسطورة هي مادة أصيلة يمكن إعادة إنتاجها في الحاضر.

في الختام يتضح مما سبق أن التجارب المصرية في هذا المسار قد تبلورت في اتجاهين متقابلين. الأول هو الاستقلالية التامة من حيث المبادرة والبدايات فلم تكن أبدا تابعة للمسار الأجنبي، بل نابعة من فكر وثقافة المسرحي المصري من قبل أن يشاهد ما يقدمه الآخر. أما الناحية الأخرى فهي أن المسرحي المصري بعد احتكاكه واطلاعه على تجارب الآخرين اختلفت نظرته نحو كيفية توظيف الموروث في المسرح. فتحول من مجرد النقل والاستكشاف إلى طرح أفق جديد ليتحول الموروث من كونه شكلا جماليا أو زينة أو استعراض بصري إلى لغة مسرحية بديلة وليس مجرد خلفية فلكلورية, والحكاية الشعبية بعد أن كانت مجرد نص يحكى صارت مادة مسرحية غنية يعاد طرحها بالجسد والحركة والموسيقى والإيقاع, وصارت الأسطورة الفرعونية مادة لمساءلة الحاضر وأصبح الزار بنية مسرحية فرجوية وليس فقط ظاهرة شعبية محلية.
إذن فالأثر يبدو هنا حينما قامت العروض الأجنبية بتقديم  نماذج متعددة حررت فيها التراث من صورته الأصلية وحولته إلى صورة مسرحية تجريبية ذات أنماط متعددة فعمل المسرحي المصري على اختبار هذه الأنماط من خلال ثقافته الخاصة. فالزار، والحكاية الشعبية، والطقوس الصوفية، والموروث الفرعوني، والأشكال الاحتفالية، كلها مكونات سابقة على المهرجان بوقت طويل. لكن التحول الأهم يكمن في طريقة النظر إليها: من مواد فولكلورية أو مظاهر ثقافية يمكن استعادتها، إلى مواد مسرحية قابلة للتفكيك وإعادة البناء، واستخدام إيقاعاتها وحركاتها وطقوسها داخل تركيب مسرحي حديث. ومن هذه الزاوية أصبح التأثير الأجنبي  تأثيرا في وجهة النظر إلى الموروث أكثر منه انتقالا مباشرا لعناصر أجنبية إلى المسرح المصري.

 الخلاصة أن التجريب المصري في هذا المسار لم يكن انعكاسا مباشرا للأجنبي وإنما هو نتيجة حوار متبادل بين ما شاهده خارجيا وبين ما اكتشفه في الداخل.
فكان المهرجان هنا يمثل فضاء رحبا للتبادل الفني وإعادة اكتشاف الذات حينما أعاد المسرح المصري اختبار امكانات التعامل مع الطقس والجسد والأسطورة والفرجة المستوردة داخل ذاكرته الخاصة مما أتاح له اكتشاف المختلف الكامن داخل الموروث المصري نفسه.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏