أندروماك وناقد الصاعقة!

أندروماك وناقد الصاعقة!

العدد 983 صدر بتاريخ 29يونيو2026

كان ناقد مجلة «الصاعقة» آخر نقاد عرض مسرحية «أندروماك»، عندما كتب عنها فى باب «فى النقد المسرحى.. أندروماك للفرقة القومية المصرية»، قائلًا: «يذكر القراء أن وزارة المعارف كانت قد كلفت بعض كبار الكُتّاب والمتوسطين منهم بأن يترجموا بعض القطع الرائعة عن المسرح الأوروبى، فوكلت مهمة ترجمة «أندروماك» إلى الدكتور طه حسين».
وقد استمد الكاتب الفرنسى الأشهر «راسين» فكرة هذه الرواية من الأدب اليونانى القديم أى مما نظمه هوميروس فى إلياذته من أنباء خرافية عن حروب متلظية ظلت تشتعل بين الطرواديين والهيلانيين عدة قرون قبل ميلاد المسيح بأكثر من ألف عام. ولقد عاش راسين فى فرنسا فى أواسط القرن السابع عشر على عهد لويس الرابع عشر.
وألف للمسرح الفرنسى كثيرًا من الروايات الخالدة خلقته خلقًا جديدا، واشتهر بتدعيمه للفن الكلاسيكى بعد الرومانتيكى الذى بدأه رجال التأليف المسرحى اليونانى منذ نحو ألفى سنة، وسار على غرارهم فيه من ألفوا للمسارح الأوروبية كشكسبير، وهو ينحو إلى إدخال الخرافات التى لا يقبلها العقل فى صميم التأليف والتمثيل، أما الكلاسيك فيتحرى المنطقية ويساير الطبيعة تأليفًا وإخراجًا؛ وقد تجمع الرواية الرومانتيك بين حوادث مرتبطة استغرق وقوعها عامًا أو عدة أعوام، فيكون تمثيلها فى ثلاث ساعات أو أربع والعرض المتتابع السريع لحوادثها، بعيدًا كل البعد عن تصديق العقول، أما الكلاسيك فقد اشترطت فيه وحدة الزمن أى أن يكون من الطبيعى المعقول وقوع حوادث الرواية فى ثمانية وأربعين ساعة ومن هذا الطراز رواية أندروماك.
وتحت عنوان «ترجمة الرواية»، قال الناقد: لا نستطيع أن ننكر على الدكتور طه حسين مكانته كأديب عربى ممتاز ولا كمترجم مفصح أمين، فإذا نحن أخذنا عليه أنه وضع فى ترجمة هذه الرواية جملًا وكلمات هى من أسباب التحلية الإنشائية التى لا فائدة منها فى معانى الرواية وإن كانت جميلة الوقع فى الآذان إلا أنها تطيل الوقت وتكظ ذاكرة الممثل فى غير طائل فليس فى ذلك إنكار لمقدرته. يضاف إلى ذلك كثير من التكرار لبعض الجمل التى لا معنى لها مثل (ولو أن) و(على أن) و(على أقل تقدير) وبعض هذه الجمل والكلمات تفقد جمالها على التكرير، بل وبعضها لا يهون على النطق ولا يسهل تكييفه، فيبدو نابيًا عن بقية الكلام ونحن إن نأخذ هذه الهنات على الدكتور طه فلن ننسى تلاعبه بالألفاظ وتكييف كل موقف بما يصلح له منها، وسهولة التعبير وفصاحته، وإيراد المعانى فى أجمل الصور (على أننا) (على أقل تقدير) لا ننتظر من طه حسين أن يكون مترجمًا، بل ننتظر منه أن يترك الترجمة لسواه، وكثيرون هم الذين يجيدونها، ويخرج لنا شيئًا من نوع تأليفه يكون فخرًا للأدب المصرى.
وتحت عنوان «نوع الرواية»، قال: قلنا إن رواية أندروماك ألفت فى أواخر القرن السابع عشر، ونقول إن أحاديثها مبنية على الحوار الطويل، كما أنها تمثل بفصولها الخمسة فى مكان واحد، فهى تكاد أن تكون خالية من المناظر، وما دامت تلك حالها فما يرتقب منها أن تعجب الجماهير وتجتذب مشاعرهم. وهى كذلك تختص بمجتمع قديم لعل هوميروس تخيله تخيلًا، وليست ذات تاريخ واقعى يستفاد من عرضه؛ وكل ما فيها تصوير لنواحى الأدب اليونانى القديم فكأن معلوماتها لا توافق غير الدؤوبين المثقفين من عشاق الأدب فهؤلاء هم الذين يغتبطون بها ويسارعون إلى رؤيتها وحتى هؤلاء لا يجدون الفرصة لمتابعة مشاهدة أمثالها لأنهم يودون لو عرضت عليهم صور من الآداب المختلفة يفيدهم تعرفها، فرواية أندروماك إذن هى رواية خاصة لا تفيد الجمهور، وإنما نقبلها على أن تكون عرضًا للون معين من ألوان التأليف المسرحى لا يُعرض إلا مرة واحدة.
وتحت عنوان «محور الدائرة» قال: «ولقد عُنى راسين بأن يجعل للعاطفة المقام الأول فى روايته، فجعلها حربًا مستعرة بين الحب والبغض فى أنفس أبطالها، بل فى نفس كل بطل من هؤلاء الأبطال فقد كانت أندروماك تحب زوجها هكتور بن بريام ملك طروادة وسيد أبطالها، فلما قتله خصومه الهيلانيون فى الحرب أسروا زوجته الفاتنة أندروماك ومعها ولدها الطفل الصغير، فكانا من حظ بيريس أمير أيبير وابن أخيل سيد أبطال الهيلانيين، وهو هو الذى قتل زوج أندروماك، ثم أحب المرأة وهى تبغضه أشد البغض وتفى لزوجها المقتول أشد الوفاء؛ فلما رفضت الزواج منه هددها بقتل طفلها الذى تحبه أشد الحب، وثارت كراهية شعب أيبير كله بل الشعب اليونانى كله للطفل الصغير ابن هكتور، فيطالب بقتله خشية أن يكبر فينتقم لأبيه؛ ولكن بيريس يعد أندروماك بأن لا يقتله وبأن يعترض رغبة الشعب كله، ويقبل التعرض لسخطه إذا رضيته زوجًا.. وهناك فى الناحية الأخرى نرى هرميون ابنة ملك اليونان وخطيبة بيريس النازلة فى قصره تمهيدًا للاقتران به. أما هى فتحبه أشد الحب، وأما هو فلا يحبها ولا يريد بأندروماك بديلة؛ وأما الذى يحب هرميون ويشغف بها غرامًا فقائد يونانى هو أورست الذى أقبل على قصر بيريس سفيرًا من قبل ملكه مطالبًا بتسلم الطفل ابن هكتور وقتله وهو فى الوقت نفسه يعلل النفس برؤية الفتاة التى أحبها، أما أندروماك فقد ضحت من أجل الطفل وتزوجت من قاتل زوجها بيريس، وتزوجته وهى تبغضه أشد البغض، وأما هرميون فتجد على بيريس لأنه تركها ليقترن بأندروماك، وتغضب عليه لأنها تحبه، وتعد أورست الذى يحبها ولا تحبه بأن تسافر معه وتقترن به إن قتل بيريس، فإذا رفض أنبته وإذا ازداد رفضه أوسعته تحقيرًا حتى قبل ونفذ فعلته. فلما عاد يبشر هرميون تجلى حبها لبيريس بالغًا فإذا هى تصرخ وتولول وتجمع كل ألفاظ المهانة والوحشية فى أذنى أورست، وتمضى فتقتل نفسها على جثمان من أحبته، أما أورست فيجن ثم يسقط من الهول فاقد الروح. هى إذن قصة الحب وكيف يفعل بالمحبين حتى ينسوا كل واجب ويستهينوا بكل شيء إلا حبهم، وكل هؤلاء المحبين الذين تبرزهم الرواية يبدون كبرياء الأبطال وهو السمة التى يتسم بها الأدب اليونانى القديم».
وتحت عنوان «الإخراج»، قال: فإذا عرفت هذا كله، علمت أى جهد يقتضيه إخراج هذه الرواية التى لا تبنى على الحوادث بل على إظهار العواطف المتنافرة؛ مع خلوها من المناظر ورغم طول الحوار. فلقد ذكرنا أنها ذات منظر واحد هو حجرة العرش فى قصر بيريس، وقد شيدت هذه الحجرة على النمط الإغريقى مع بعض المبالغة التى لا تفسد الصورة المطلوبة وإنما تبرزها، وما دام المنظر واحدًا، وما دامت الرواية تتتابع حوادثها فى ساعات قليلة، فقد كانت العناية بالإضاءة واجبة، ولكننا لم نر نور النهار يتدرج فى الذهاب شيئًا فشيئًا حتى يأتى الليل؛ فإذا أقبل أخذ يظالم كلما مر الوقت. وكل ما رأيناه كدليل على تغير الوقت إن الضوء تحول من البياض إلى حمرة نارية مخيفة لعلهم أرادوا أن يرمزوا بها لليل. ولقد سمعنا النفير فى أول الرواية ينبئ بقدوم الملك بيريس، ثم دخل الملك وخرج مرات فلم نسمع من أجل ذلك صوت النفير وكأنه كان بيضة الديك كما كان يدخل وحراسه معه مرة ودون حراسه مرة أخرى. وكان بعض هولاء الحراس يؤدون التحية لمليكهم عند الوداع ولا يؤديها بعضهم الآخر.
وتحت عنوان «التمثيل» ويحق لنا فى هذه المرة أن نقول إن هذه الرواية كانت مسرحًا لظهور الممثلات على الممثلين، فكم أجادت دولت أبيض وكم أحسنت زينب صدقى، أولاهما فى دور أندروماك والثانية فى دورهرميون، وليس عندى أقل ريب فى أن دولت أبيض لم تترك بعد تمثيلها مجالًا لإجادة. فقد أحسنت فى كل شيء، فى حركاتها وفى كبريائها وفى عظمتها وفى جلاء منطقها وفصاحة حديثها والتعبير عن المعانى المختلفة المطلوبة. ونبخس حق زينب صدقى إن لم نقل إنها أجادت تمثيل دور الفتاة التى تعشق وهى ليست معشوقة، ويزداد حبها حتى يصير بغضًا، فمثلت الأنوثة والحب كأحسن ما يكونان، إلا أنها مضت فى إلقائها على نسق يكاد أن يكون واحدًا. وخانها النطق فى كلمات قليلة، وليست هذه الهنات بالتى تنال من إجادتها إجادة تدعو إلى الإعجاب، وأحسنت كذلك فتاة ثالثة هى الآنسة نجمة إبراهيم فى دور صغير هو دور تابعة هرميون: أحسنت بقدر ما لم تحسن سرينا إبراهيم التى لم تكن تصلح على الإطلاق لدور تابعة أندروماك.. أحسنت الممثلات وأحسن جورج أبيض أيما إحسان فى الفصول الأربعة الأولى، ثم أضحك الناس فى نهاية الفصل الأخير وهى نهاية رجل تقع على رأسه أقسى بلايا الزمن، فلعله قصد إلى إفهام الناس أن شر البلية ما يضحك، ولولا المبالغة فى أناته وآهاته وحركاته التى أراد بها إبراز الألم الممض لكان نجاحه باهرًا. أما أحمد علام فليس بالممثل الذى يرضيه أن نقول له لا بأس فليعن بأمر نفسه أكثر من ذلك وليبتعد عن أسباب التكلف وليحاسب نفسه على عمله فلقد كان فى دوره هذا وفى أدواره السابقة متشابهًا. ولا زلنا مذ نهض التمثيل فى مصر إلى اليوم نقول ما زلنا نطالب الممثلين بحفظ أدوارهم طوال عشرة أعوام ولكن لا حياة لمن تنادى.
انتهى تقريبًا الدور التمثيلى الأول للفرقة القومية بالأوبرا الملكية، فانتهز مدير الفرقة «خليل مطران» هذه الفرصة ودعا جميع ممثلى وممثلات الفرقة إلى اجتماع ألقى فيه كلمة – نشرت ملخصها مجلة «الصباح» - قال فيها: «أبلغكم مع عظيم السرور تهنئة لجنة ترقية التمثيل العربى، وعلى رأسها سعادة حافظ عفيفى باشا لنجاحكم فى الدور الأول من موسم هذا العام. كما أهديكم خالص التهانى على ما بذلتموه من جهود كان التوفيق حليفها ولقد كان رائدى فى تلك الحقبة من الزمن التى مضت أن أستمع إلى كل ما تقدمتم به إلى من الاقتراحات الفنية.. بل لقد جاريت أكثركم فى الذهاب معه إلى أبعد محلقات خياله. وكانت من بعضكم تشبثات خاصة لم أحجم عن مقاومتها إلا لأعطى القوس باريها. ولأمهد لكل منكم السبل لتحقيق ما يعمر خياله وما أنا بالرجل الضعيف كما يقال عنى. أما الآن وقد ظهرت النتائج ووقف الجمهور على جهودكم فى هذا الموسم فسيكون شأنى مع المتشبثين منكم اليوم غير شأنى معهم بالأمس.. يجب عليكم ألا تغتروا ما أصبتم من نجاح وتوفيق زاعمين أنكم بلغتم أقصى ما لا يمكن الوصول إليه.. فما برحت المرحلة طويلة شاقة لتصلوا إلى هدفكم الأعلى. وإذا كان الجمهور قد أقبل عليكم وأسرع إلى مشاهدتكم فالجمهور بذلك قد منحكم عطفة وأقبل على رواياتكم محييًا جهودكم بدافع حسن الظن بكم ونزعته إلى التشجيع. ولكن أجل هذه المحنة قد انقضى. وسيطالبكم غدًا بأكثر مما أعطيتموه فى الأمس فضاعفوا جهودكم وقوموا ما بكم من ضعف أو وهن وأحسنوا القوة للمرحلة المقبلة من موسمكم. ولقد انتهى إلى أثناء تلك الفترة الماضية الكثير من مهاترات حمى وطيسها فيما بينكم فأطلب فى هذا المقام أن تضعوا حدًا لذلك واحترموا أنفسكم ما دمتم فى حاجة إلى احترام الناس لكم. وإننى لن أسمح بأن أرى أو أسمع أى خروج عن الآداب واللياقة فيما بينكم عامة وفيما بين الرجال منكم والسيدات خاصة فيجب ألا يؤثر عليكم اختلاطكم الذى أنتم فيه. ويجب أن تذكروا دائمًا أنكم شرقيون وأننا جميعًا عائلة شرقية واحدة فما لا تسمحون به بين عائلتكم لا تسمحون به هنا. وبعد هذا التحذير أكون صريحًا إذا قلت إن كل خارج عن الآداب وما تقتضيه واجبات اللياقة فيما بينكم سأنزل به أشد العقوبات. ولن أرحم كبيرًا أو صغيرًا كائنًا من كان فأرجو وأكرر رجائى ألا تضطرونى إلى الخروج عن طبعى وأن تكونوا دائمًا موضع عطفى وتقديرى واحترامى. لقد مضت التجربة. واليوم سنبدأ بوضع القوانين اللازمة للاستمرار فى طريقنا بادئين عملنا بوضع اللائحة الداخلية فاحترموا كل ما يصدر إليكم من قوانين وأوامر لتظلوا دائمًا أبدًا موضع الاحترام والتبجيل».
وقد قوبلت كلمة الأستاذ خليل مطران بالتصفيق الحاد ثم طلبت السيدة دولت منه أن يأذن للفرقة بإجازة يوم الثلاثاء؛ لأنه عيد الأقباط ولأن السيدة زينب صدقى تنوى إقامة حفلة عشاء لإخوانها الممثلين والممثلات بمناسبة نجاح رواية «تاجر البندقية». وقبل أن يُعلن الأستاذ مطران رأيه نهض الأستاذ زكى طليمات مكانه محتجًا وقال إن الفرقة تنعم بالنوم والغطيط منذ أربعة شهور وأنه يعتبر أن الجمهور المصرى كريم إلى أقصى حد؛ لأنه يشجع الفرقة. وانتظر قليلًا ثم عاد فقال فى لغة أشبه بالتهكم: «إذا أراد أحدكم أن يتهمُنى بشيء فليتقدم لأننى أريد أن أتهم كثيرًا». لما لم يجبه أحد على سؤاله تمالك نفسه ثم قال إنه بمناسبة أن السيدة زينب صدقى ستقيم مأدبة عشاء تكريمًا لنجاح (تاجر البندقية) فإنه ينتهز هذه الفرصة ليشكر للأستاذ الجليل خليل مطران تعريبه لهذه الرواية بذلك الأسلوب البديع خصوصًا أنه عُهد إليه بإخراجها وتمثيلها بعد أن سمح له بإجراء حذف ودمج فى مشاهدها وهو الأمر الذى كان له أكبر الأثر فى إنجاح الرواية لأنه قربها إلى الذهن وجعلها عند مقتضيات العصر الحديث. وكانت مداعبة من السيدة زينب صدقى عندما قالت إنها تنوى أن تصدر بيانًا للجمهور على صفحات الجرائد تشكر فيه الذين حضروا تمثيل بعض الروايات. ثم قام الأستاذ عبد الرحمن رشدى ليخطب وقال إنه يتكلم بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن إخوانه وهنا تهامس بعض الممثلين وكانت خلاصة خطبة الأستاذ عبدالرحمن رشدى شكر الأستاذ مطران على خطبته السابقة. وعاد بعض الممثلين والممثلات يطلبون يومًا للاستراحة فابتسم الأستاذ خليل مطران وقال:” إذن.. غدًا إجازة.. ولا بأس أن يحتج الأستاذ طليمات حامل راية النشاط فى الفرقة».


سيد علي إسماعيل