أداجيو أو العزف على أوتار الآلم

أداجيو  أو العزف على أوتار الآلم

العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026

من العنوان وهو العتبة الأولى التى تواجهك حين تقرر مشاهد عرض أداجيو إخراج السعيد منسى عن رواية الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، والذى قدم فى قاعة مسرح الغد ضمن عروض المهرجان القومى للمسرح المصرى الدورة التاسعة عشرة، أداجيو مصطلح موسيقى يشير إلى الإيقاع البطىء، وقد تسلل إلى المسرحية Adagio.
بأكملها بحرفية جعلت من الإيقاع الموسيقى البطىء أكثر حيوية، فالحب والذاكرة والموسيقى وقسوة المرض وتحقق الموت جميعها أفكار وأحداث جلل ذات إيقاع مزدوج، وسريعة على أرض الواقع كلحظة معرفة المرض أو وقوع الموت، وبطيئة فى زمن المرض والرحيل فى بطىء إلى الموت.. يبنى المخرج عالم من الخيال ينسج خيوطه فى هدوء وروية يجعل متلقيه ينتمى لهذا الحب وهذه العائلة السعيدة االدافئة، هذا الزوج المُحب العاشق لزوجته التى تعد نموذج أمثل لفكرة الجمال الروحى على الأرض تعزف بيانو، وهى الفنانة والأكثر موهبة وإبداعًا فى جيلها،وتحب زوجها بصدق وتجعل لحياته معنى وتغمره بالسعادة، لكن فى لحظة أكثر تعقيدًا من الحياة ذاتها يصيبها المرض الذى لا تعرف له تشخيص فى البداية، وتنتهى حياتها أمام عينه لحظة بعد لحظة.. حكاية قاسية وحقيقية ومتكررة.
نعيش نحن كمتلقين مع بطلنا المُحب ومعاناته فهو الرافض لفكرة موت حبيبته، وهى لحظة جلل تبدو فيها الحياة بلا روح لحظة استنفاد الحضور والوقوف على حافة الهاوية، لحظة تتشكل فيها قسوة النهايات فى توقيت تبدو حقيقة الموت فيه واحدة تسيطر بسطوتها على كل شىء، فيعم الصمت، وتتوقف الحياة وتنتهى المسرحية باستسلام وتصديق الزوج أن حبيبته تحولت إلى فراشة، فلا مفر من الموت فقد ذاب الجسد حوله، حالة التسكين ومحاولة الرضاء يستخدم فيها العقل أدواته ليقبل التصديق والرضا، تلك خدعة يستخدمها العقل للحد من قسوة الواقع، نوع من الهروب فالعقل يرفض التصديق.
فشعور الإنسان بذاته الوحيدة العارية، يبلغ ذروته فى لحظة الألم، حيث يظل وجودنا ملتبسًا بالوجود الخارجى إلى أن نتألم ويدفعنا كل ما يحيط بنا بقسوة فنكتشف مدى عدم انسجامنا وتنافرنا مع ما ومن حولنا، لحظة إنتهاك قاسية لما كنا نعرفه لما فقدناه، هذه الحالة تجسد بعنف ما أصبح عليه الزوج لحظة أدرك فيها أنه فقد كل شيء وقارب على النهاية فجأة وجد نفسه بلاوعى إقترب من صديقة زوجته التى كانت تحبه، والمفارقة أنه رأها زوجته وهو بلا وعى وفى لحظة إستعادة الوعى وجدها غريبة عنه وهو غريب عن ذاته، فيشعر بالذنب وجلد الذات وينهار عالمه القائم على الإخلاص والحب، وتظهر الزوجة وكأنها طيف تلومه على مافعل ويراها الجمهور معه فيجسدها المخرج فى حياتها قبل المرض جميلة خفيفة الحركة كالفراشة، كل شعور غير مرئى يترجمه المخرج لحركة وصوت وأداء تمثيلى ليبرز مدى أهمية هذا الشعور وتأثيره على خط سير الأحداث. 
لا يكتفى المخرج السعيد منسى بنسج الخط الدرامى الرئيسى عن اللحن الأخير وقصة الحب بين الزوجين، وإنما ينتقد مشكلات المجتمع فيشير إلى التردى الذى أصبح عليه المجتمع المحيط حيث التشخيص الخاطئ لمرض ريم، والذى يضيع الكثير من الوقت فى العلاج الخاطئ ويستنزف العمر، وهو ضمنيًا ينتقد التعليم ويشير كذلك إلى غرق الفيلا الساكنين فيها وكأن كل شىء سينتهى بدلالة على ذوبان الحياة والحب بينهم بفعل الزمن، وأيضًا دلالة على الفساد والإهمال، ويشير أيضًا إلى العصابات حول الفيلا مما يشير إلى إنعدام الأمان، مجتمع مضطرب يضج بالفوضى، ويؤكد المخرج على ذلك بنعومة شديدة تسرى بين الخطوط الأساسية فى العرض فيحقق المعادلة حيث يمعن فى الدراما وحبكة العمل ويشير أيضًا إلى فساد المجتمع من خلال الدراما. 
الممثلون ينبنى عليهم العرض بشكل كُلى فالعرض من لحم ودم وكأنها الحقيقة، شخصيات تنبض بالحياة، فشخصية ريم هبة عبدالغنى قدمت دورها كما يجب أن يكون تشعر وكأنها الشخصية الدرامية بعثراتها ونجاحاتها ومرضها الذى حطم كل شىء، اختارت الممثلة أن تُحاكى الشخصية وتجسد دوافعها وتعزف على أوتار الآلم، فعبر الزمن تتطور الشخصية فى خطوات وئيدة إلى الزوبان أو الموت.
أما رامى الطمبارى سامر فأدى دوره بعمق وفهم يتضح فى إيماءاته ونظراته وطبقة الصوت وحركة الجسد، وصدمة الفقد المحتوم، فكيف يحتمل الإنسان معرفة أنه فاقد الزوجة والحبيبة؟ بعد كل الحب والحياة التى كانت بينهم يجسد رامى عددًا كبيرًا من المشاعر المرتبكة والمختلطة، فشعور الفقد أقوى من إدراكه الحياة.
جنا عطوة جسدت الأمل والحياة فى المسرحية فهى الابنة التى تتمنى الأسرة من خلالها أن يكون لها إمتداد، وقد أدت دورها بنعومة ورقة تؤكد كونها شخصية درامية تعكس فى سلوكها وتكوينها الحياة السعيدة التى كانت بين الأب والأم.
الممثلون: جورج أشرف، بسمة شوقى، محمد دياب، أحمد هشام، أمنية محسن: قاموا بأداء أدوارهم بما يخدم العرض المسرحى، وكانوا من أهم نقاط الدفع الدرامى فى العرض المسرحى، وجميعهم يمتازون بجودة الأداء.
أداجيو مقطوعة موسيقية تنسب إلى الإيطالى توماو ألبينونى فى القرن الثامن عشر، وهى مقطوعة تعتمد على الوتريات والأرغن، وهى مقطوعة ضمن أسلوب الباروك، المقطوعة فى غاية النعومة تلامس الروح، وهى أقرب إلى كتابة الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد وأسلوب الإخراج الذى اختاره السعيد منسى لتحقيق المقطوعة تمثيلًا بقاعة الغد.


داليا همام