المهرجان التجريبى فى دورته الـ33.. إرث 32 دورة وأثرها فى المسرح وأسئلة التجريب والمستقبل

المهرجان التجريبى فى دورته الـ33.. إرث 32 دورة وأثرها فى المسرح وأسئلة التجريب والمستقبل

العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026


على مدى 32 دورة، لم يقتصر دور المهرجان على تقديم عروض مسرحية مختلفة، بل أسهم فى ترسيخ مفهوم التجريب داخل الحركة المسرحية، وفتح مساحات جديدة أمام الأفكار واللغات والأساليب المسرحية. ومع انطلاق دورته الـ33، تبرز تساؤلات حول الإرث الذى تركه المهرجان، ومدى نجاحه فى تكوين جمهور جديد للمسرح التجريبى، وما إذا كانت أفكار البدايات لا تزال صالحة اليوم أم أن مفهوم «التجريب» نفسه بات بحاجة إلى إعادة تعريف.
نافذة حقيقية على مسرح العالم وجسرًا يربط الفنانين والمبدعين
أكدت الدكتورة دينا أمين، مدير مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، أن إرث المهرجان بعد 33 دورة لا يقتصر على المسرح المصرى، وإنما امتد تأثيره بصورة كبيرة إلى الحركة المسرحية العربية، مشيرة إلى أن المهرجان أصبح على مدى سنواته مساحة مهمة للقاء وتبادل الخبرات والأفكار والتجارب بين المسرحيين من مصر والعالم العربى ومختلف أنحاء العالم.
وقالت دينا أمين، إن المهرجان كان وما زال «نافذة حقيقية على مسرح العالم، وفى الوقت نفسه جسرًا يربط الفنانين والمبدعين من مصر والعالم العربى بنظرائهم من مختلف أنحاء العالم»، مؤكدة أن قيمته لا تتمثل فقط فى العروض التى يقدمها، وإنما أيضًا فيما يتيحه من فرص للتواصل والتعلم وتبادل الأفكار، فضلًا عن خلق صداقات وشراكات وفتح آفاق جديدة أمام المسرح وأجياله المختلفة. 
وأضافت أن العاملين فى المسرح تعلموا الكثير من تجربة المهرجان، سواء من خلال العروض التى قدمت تجارب واتجاهات مختلفة من أنحاء العالم، أو من خلال الورش والندوات والحوارات التى أسهمت فى فتح آفاق جديدة أمام المبدعين. 
وحول مدى صلاحية الأفكار التى طرحها المهرجان فى بداياته، وما إذا كان مفهوم «التجريب» يحتاج إلى إعادة تعريف، أوضحت دينا أمين أن السؤال حول ماهية المسرح التجريبى، ومدى الحاجة إلى مهرجان متخصص فيه، يتجدد مع كل دورة، معتبرة أن استمرار هذا السؤال فى حد ذاته أمر صحى، لأنه يعكس طبيعة المسرح بوصفه فنًا متطورًا ودائم التساؤل حول ذاته. 
وأشارت إلى أن التجريب لا يعنى الغرابة أو الاختلاف لمجرد الاختلاف، وإنما يعنى شجاعة الفنان فى إعادة التفكير فى أدواته ولغته وعلاقته بالجمهور، وطرح سؤال دائم حول إمكانية تقديم المسرح بطريقة مختلفة. وأكدت أن الفن بطبيعته قائم على التغيير، وأن المسرح، باعتباره فنًا حيًا، يتغير بتغير المجتمع والإنسان والتكنولوجيا. وأوضحت أن دور الفنان لا يقتصر على عكس الواقع، وإنما يمتد إلى تخيل احتمالات جديدة وفتح أبواب للخيال ربما لم نكتشفها بعد. 
وشددت دينا أمين على أن دور المهرجان ليس تقديم تعريف نهائى لمفهوم التجريب، وإنما الحفاظ عليه بوصفه مساحة مفتوحة أمام الفنانين للتجربة والمغامرة والخطأ واكتشاف طرق جديدة للتعبير.
واختتمت قائلة إن «قيمة التجريب الحقيقية ألا يستقر على شكل واحد، وأن يظل دائمًا يطرح السؤال: ما الذى يمكن أن نقدمه ولم نقدمه من قبل؟»، مؤكدة أن هذا السؤال هو ما يمنح المسرح حيويته وقدرته على المشاركة فى تخيل المستقبل 

بعد مرور 33 عامًا على تأسيس المهرجان التجريبى يطرح السؤال نفسه حول مدى تأثيره الحالى
أوضحت د. أسماء يحيى الطاهر، عضو اللجنة العليا بالمهرجان التجريبى ومدرس بقسم الدراما والنقد بقسم علوم المسرح كلية الآداب بجامعة حلوان أن مفهوم التجريب فى جوهره يتمثل فى الخروج عن السائد، والقيام بعملية تفكيك للبناء التقليدى وإعادة بنائه مرة أخرى بشكل جديد، للخروج عن الأفكار المعلبة أو التقليدية، والبدء فى تقديم تجارب جديدة تنتمى إلى روح العصر الذى يُقدَّم فيه المسرح. 
وأشارت إلى أن عملية التجريب هى فى حد ذاتها عملية مستمرة، وجزء أصيل من قدرة المسرح على التكيف والتواؤم مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والأيديولوجية، وكذلك المتغيرات على مستوى الوسائط التى تنافس المسرح. وأكدت أنه إذا لم يمتلك المسرح قدرة على التجريب بشكل مستمر، فلن يستطيع الاستمرار فى ظل التطور الذى تشهده الوسائط الفنية المختلفة.
وأضافت أنه فى بدايات المهرجان التجريبى، كان البناء التقليدى الموجود هو بناء متوارث من مسرح الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، مع مجموعة من التحولات التى حدثت، لكنها لم تصل إلى ثورة كبيرة أو إعادة تفكيك حقيقية للبناء التقليدى، أو للموضوعات والأيديولوجيات والأفكار التى كان يطرحها مسرح الستينيات. 
وأوضحت أنه عندما جاء المسرح التجريبى إلى مصر، وعندما تم التعرف عليه فى أواخر الثمانينيات، كان المشهد بالفعل يحتاج إلى هذا النوع من الفكر الجديد، الذى يوضح للفنان أنه مسموح له بأن يجرب، ليس فقط بأن يخرج عن البناء التقليدى الموجود، وإنما أن يتعرف فى الوقت نفسه على أفكار مختلفة عما كان يشاهده، وطرق أخرى لاستخدام خشبة المسرح غير المتعارف عليها فى المشهد المسرحى، وفتح طرق مختلفة لإيجاد لغة جديدة، وطرق استخدام جديدة لخشبة المسرح، وتقنيات جديدة. 
وأكدت أن الأثر الذى تراه للمهرجان التجريبى، والذى تربطه بمرور 33 عامًا على المهرجان، يتمثل فى أنه بعد عام أو عامين من إقامته تشكلت حركة مسرحية حرة ومستقلة. وقالت إن مجموعة من الشباب كانت تمارس بالفعل نشاط المسرح من خلال المسرح الجامعى، وتحمل أيديولوجيات وأفكارًا جديدة، ودمًا جديدًا ولغة جديدة، ومن الطبيعى أن تتغير لغة العرض ولغة الكلام وتتطور مع الزمن. 
وأشارت إلى أن الجيل الذى كان يتشكل فى ذلك الوقت لم يكن يشعر بأن المسرح الذى يشاهده ويمارسه، والذى ينتمى إلى الجيل الأسبق، يعبّر عنه. وعندما شاهد المهرجان التجريبى، وجد فيه طوق النجاة الذى جعله قادرًا على إيجاد صيغ جديدة والتعبير عن ذاته، وتقديم مسرح يشبه الجيل الجديد الموجود فى أوائل التسعينيات، ويعبّر عن اهتماماته وانتماءاته وأيديولوجياته، وعن شكل المجتمع والأفكار المحيطة به. 
وأضافت أن الجيل الأسبق الذى بنى المهرجان كان يشجع هؤلاء الشباب ويقدم لهم الأدوات التى تسمح لهم بالتجربة، موضحة أن المهرجان احتضن الأجيال الشابة، وأعطاها الفرصة والجوائز والورش وأشياء كثيرة تسمح لهم باستكشاف أراضٍ وتقنيات وأفكار جديدة. ولذلك استطاعوا تشكيل حركة مسرحية جديدة ومختلفة. 
وأوضحت أن استمرار هذه الحركة ساعد عليه وجود أماكن قررت احتضان التجارب الخارجة من هؤلاء الشباب، الذين أتاح لهم المهرجان فرصة تغيير الأفكار التى يريدون تقديمها. وأشارت إلى أن مكانين بشكل أساسى فتحا المجال فى البداية أمام هذه التجارب، هما مركز الهناجر، الذى تولت د. هدى وصفى احتضان تجاربه، والمركز الثقافى الفرنسى، من خلال الأستاذة لطيفة فهمى ومهرجان المسرح الفرنسى. 
وأشارت إلى أن مركز الهناجر للفنون بقيادة د.هدى وصفى احتضنت هذه التجارب واستفادت مما كان مطروحًا، وكان له دور فى المهرجان التجريبى، واستفاد مما يطرحه المهرجان فى بناء أرضية مستمرة فى مسرح الهناجر تستقبل كل التجارب التى يرغب صناعها فى استكشافها وبنائها. وكذلك أتاح المركز الثقافى الفرنسى، من خلال مهرجان المسرح الفرنسى، لمجموعة أخرى من الشباب فرصة التدريب والإنتاج ومشاهدة عروض مختلفة 
أوضحت أنه بعد مرور 33 عامًا على تأسيس المهرجان التجريبى، يطرح السؤال نفسه حول مدى تأثيره الحالى وما إذا كان يواصل إنتاج الحركة المسرحية ذاتها، معربة عن أسفها لأن الواقع يشير إلى عكس ذلك. وأرجعت هذا التراجع إلى وجود فجوة زمنية كبيرة تشكلت إبان فترة توقف المهرجان وما تلاها بعد عودته، وهو ما جعل الأجيال الشابة الحالية غير قادرة على اكتشاف أهميته أو العثور على اللغة المسرحية التى تطمح إليها. ?
وتابعت مبينةً أنه رغم عدم وجود إجابات قاطعة حول أسباب هذه الفجوة، إلا أن الاستنتاج الأبرز يكمن فى البعد الزمنى الذى جعل الأجيال الجديدة غير معتادة على وجود المهرجان كحدث سنوى منتظم يُنتظر من السنة إلى السنة، وتُقطع لحضوره الطوابير لمتابعة عروضه وندواته كما كان يفعل جيلها. ورغم وجود متابعين من الشباب حاليًا، إلا أنه يفتقر إلى الزخم النقدى والشبابى السابق، والتعطش لإيجاد بيئة مغايرة تطرح نموذجًا أو حركة مسرحية جديدة، حيث لم تتشكل حتى الآن حركة شبابية تضاهى «حركة المسرح الحر». وأشارت إلى أن الفاصل بين مسرح الستينيات ونشأة حركتى المسرح الحر والمستقل كان 30 عامًا، واليوم بعد مرور أكثر من 30 عامًا، قد آن الأوان لتشكل حركة مسرحية شبابية جديدة. ?
وذكرت أن تشكيل لجنة اختيار العروض فى المهرجان هذا العام جاء شبابيًا بشكل واضح وجلى، وهو توجه تتمنى استمراره مع الإدارات القادمة؛ لكون الجيل الحالى هو الأقدر على فهم لغة جيله واختيار عروضه. وأضافت أن وجود عناصر شبابية فى اللجان يمنح المبدعين الجدد الشجاعة للتجريب والابتكار بدلًا من الخوف والسعى الدائم لإرضاء «الكبار» فى رؤيتهم للمسرح، والذين باتت أشكالهم المسرحية -حتى التجريبية منها سابقًا- تقليدية اليوم. ?
كما أكدت أهمية دور المهرجان التجريبى فى استقطاب الأجيال الأصغر وإتاحة الفرصة لها لصياغة لغتها الخاصة، بالتكامل مع المبادرات والمهرجانات الشبابية الأخرى مثل «مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة» بالأكاديمية، و»مهرجان «الميكرو تياترو» الذى تنظمه د. نبيلة حسن. وختمت بالتأكيد على أن تضافر هذه الجهود والتطور التكنولوجى الحالى يجب أن يدفع الشباب لتأسيس حركة مسرحية معاصرة ومستقلة دون الارتهان بموافقة الأجيال السابقة، على أن يكون المهرجان التجريبى هو المحتضن لشرارة انطلاق هذه الحركة الشبابية الجديدة تمامًا كما احتضن حركة المسرح الحر من قبل 
 
التجريب هو أصل المسرح
أوضح الناقد والباحث د. محمود سعيد أن التجريب هو أصل المسرح، فمنذ البدايات نذكر إسخيلوس كمجرّب مسرحى بديع، لتتوالى مفردات التجريب، وأهمها الإضافات الحقيقية إلى فن المسرح؛ فكل إضافة هى تجريب حقيقى، طالما تحمل التجديد والجدية فى ذات الوقت. 
وأضاف أن التجريب هو حوار بين المبدع والواقع، ورؤية مغايرة بأدوات فنية جديدة، لذا فإن المسرح الجاد هو المسرح المجرّب الذى يترك إرثًا وأثرًا حقيقيًا من شأنه أن يعيش لقرون. وهذا ما فعله مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، قائلًا: «فقد تربّينا على إصداراته وعروضه ونشراته التى كوّنتنا منذ التسعينيات». 
وأشار إلى أن المسرح يصنع جمهوره، ولا علاقة للتجريب بجذب الجمهور أو طرده، وإنما المسرح الجاد والجديد يجذب إليه الجمهور بكل احترام، لكن مع ضرورة العمل على خلق خطابات فكرية وفنية مغايرة. فالكتابة الجديدة تتطلب قراءة جديدة، خاصة فى ظل الواقع الذى يزداد تركيبًا وتعقيدًا، لذا يصبح التجريب ضرورة وفى حاجة ماسّة إلى أدوات مركبة أيضًا، لنرى تقنية مستحدثة قادرة على استيعاب المضمون المغاير فى ظل لغات جديدة فى الكتابة والعرض والأداء، وأداء حر ومتحرر من شتى القيود. 
وأكد أن الحاجة أصبحت ملحّة إلى مؤلف يخط بيده أحرفًا جديدة، ويجتهد فى تفكيكها وخلطها ليبتكر منها أحرفًا جديدة فى الأبجدية الحالية، تمامًا كمزج الألوان للحصول على لون جديد. فالمؤلف المجرّب دومًا يُحدث فزعًا وارتباكًا فى المادة الكلامية، وهى حالة تصل بنا إلى الفزع الفكرى لإحداث الاستنارة الجسدية. وتابع: «فنحن أمام لعبة هى بحاجة إلى إعادة تعريف، لأن المعطيات الزمنية اختلفت، حيث إضافة مساحة جديدة فى كل لحظة، مساحة تأتى لتخفى الأخرى عبر اللغة التى تندفع فى جسد الممثل، ومن ثم فتح الهوامش واللعب عند الحدود». 
واختتم موضحًا أن هذه هى حالة التجريب الحقيقية المرجوّة، وليست حالة الغرابة المتعمدة لتغييب المتلقى، وإنما هى حالة الوعى المطلوبة لتحضير المتلقى وطرح الأسئلة.

الإرث الحقيقى للمهرجان يتمثل بالمُنجز التراكمى للأثر والتأثير
قال د. بشار عليوى، إن الإرث الحقيقى للمهرجان يتمثل فى «المُنجز التراكمى للأثر والتأثير» بعد 33 شوطًا تجريبيًا قطعه المهرجان، ليحقق إيقونته المعروفة فى الوسط المسرحى المصرى والعربى والدولى، باعتباره «المهرجان التجريبى». 
وأوضح أن الجدل الذى يُثار مع إطلالة كل دورة يظل مشروعًا فيما يتعلق بمساءلة معطيات العنونة ومدى صلاحية منطلقاتها المعملية مع مجمل التحولات السريعة التى يشهدها المشهد المسرحى العالمى، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المهرجانات الدولية فى شتى بقاع الأرض تحمل ذات العنوان «المسرح التجريبي»، وما زالت تنعقد بالتوجه ذاته، ومنها «مهرجان شانغهاى الدولى للمسرح التجريبي» الذى تنظمه سنويًا أكاديمية شانغهاى الدولية للمسرح فى الصين، وحافظ على هويته الجمالية والمعرفية. 
وأضاف عليوى أن واحدة من أبرز تمظهرات المُنجز التراكمى تتمثل فى نجاح المهرجان فى صناعة جمهور راكم فرجاته على مدار سنوات، ملاحقًا عروض المهرجان التى تنشد المغايرة على مستوى الاشتغال والطروحات ومجمل الصناعة المسرحية للعروض المسرحية التجريبية. 
وأكد أن الرؤية التى قام عليها مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى قبل ما يقارب 40 عامًا ليست هى ذاتها فى عصر سيادة الوسائطية والذكاء الاصطناعى المُعاش حاليًا، مع الرجات العنيفة التى تعرض لها العالم، مشددًا على ضرورة إجراء التحديث المستمر فى جسد المهرجان ومواكبة كل ما جديد فى العالم، حتى لا يتم ترحيل توصيف «المسرح التجريبي» كعنوان ثابت للمهرجان إلى المتحفية.

الإرث الحقيقى للمهرجان يقاس بالأثر الذى تركه فى الوعى المسرحى
أشار المؤلف والمخرج الكويتى عبد الله عبد الرسول إلى أن الإرث الحقيقى للمهرجان يقاس بالأثر الذى تركه فى الوعى المسرحى، موضحًا أن المهرجان أسهم، عبر مسيرته، فى جعل التجريب جزءًا من التفكير فى المسرح، وليس مجرد اتجاه فنى موازٍ للمسرح التقليدى. 
وذكر أن المهرجان أتاح للمسرحى العربى مساحة للاحتكاك بتجارب وثقافات وجماليات مختلفة، وفتح أمام أجيال متعاقبة أسئلة جديدة حول الممثل، والفضاء، والجسد، والصورة، والتكنولوجيا، وعلاقة العرض بالمتلقى، مؤكدًا أن إرثه الأعمق يتمثل فى ترسيخ ثقافة السؤال والمغامرة، وحق المسرحى فى أن يعيد مساءلة أدواته، وأن يبحث باستمرار عن أشكال جديدة للتعبير. 
وأوضح أن المهرجان أسهم بلا شك فى تكوين ذائقة أكثر انفتاحًا على الأشكال غير التقليدية، مشيرًا إلى أن جمهور التجريب لا يأتى دائمًا بحثًا عن الحكاية بمعناها المألوف، وإنما يدخل فى علاقة مع العرض يصبح فيها شريكًا فى القراءة والتأويل واكتشاف المعنى. 
وأشار إلى أن التحدى اليوم هو الانتقال من جمهور المهرجان إلى جمهور التجريب، أى أن تمتد هذه الذائقة إلى الحياة المسرحية طوال العام، وألا تبقى مرتبطة بأيام المهرجان وحدها.
وأوضح أن التجريب، فى جوهره، ينبغى ألا يستقر على تعريف نهائى، لأن اللحظة التى يتحول فيها إلى قواعد ثابتة يبدأ بفقدان طبيعته التجريبية، لافتًا إلى أن ما كان يعد تجريبًا قبل ثلاثة عقود أصبح بعضه اليوم جزءًا من اللغة المسرحية المألوفة. 
وأضاف أن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعى والفضاءات الجديدة وتغير علاقة الإنسان بالصورة والجسد والزمن، جعلت التجريب مطالبًا بألا يكتفى بتغيير شكل العرض، بل أن يعيد مساءلة مفهوم المسرح نفسه، مؤكدًا أن إعادة تعريف التجريب ليست خروجًا على هوية المهرجان، بل ربما تكون أصدق تعبير عنها؛ لأن التجريب الحقيقى لا يكرر حتى تجاربه السابقة، وإنما يظل فى حالة بحث عما لم يُكتشف بعد.

التجريب جزء من وعى المسرحى المصرى 
قال الناقد هانى مهران: «أعتقد أن الإرث الحقيقى للمهرجان التجريبى لا يتمثل فقط فى عدد الدورات أو العروض التى قدمها، وإنما فى أنه جعل «التجريب» جزءًا من وعى المسرحى المصرى.
المهرجان فتح الباب أمام أشكال ولغات مسرحية لم تكن مألوفة بالقدر نفسه فى المسرح التقليدى، وعرّف أجيالًا من المسرحيين على تجارب واتجاهات وأساليب مختلفة فى الكتابة والإخراج والأداء والسينوغرافيا تحديدًا. 
لكن فى الوقت نفسه، لو سألنا: كم تجربة خرجت من المهرجان واستطاعت أن تعيش بعد انتهاء المهرجان؟ وكم فكرة تحولت إلى تيار أو ممارسة مستمرة داخل الحركة المسرحية؟ هنعرف تأثير المهرجان وإرثه. وأوضح: «لأن قيمة أى مهرجان لا تقاس فقط بما يحدث خلال أيام انعقاده، وإنما بما يتركه بعد أن ينتهى. 
ومن هنا أرى أن إرث المهرجان موجود بوضوح فى الوعى المسرحى الحالى، وفى الجرأة على التجريب وكسر المألوف، ورأينا ذلك فى عروض مسرح الجامعة ومسرح الثقافة، لكن ما زالت هناك حاجة أكثر لجعل المتلقى متقبلًا لهذا النوع من العروض». وأشار هانى مهران إلى أنه «أعتقد أنه نجح جزئيًا، لكن من الصعب القول إنه استطاع صناعة جمهور دائم ومستقر للمسرح التجريبى. هناك جمهور أصبح يعرف المهرجان، وينتظر دوراته ويتابع عروضه، وهناك أجيال ارتبطت بالمسرح التجريبى من خلاله، وهذا فى حد ذاته إنجاز مهم.
لكن صناعة جمهور للمسرح لا تعنى فقط أن يمتلئ المسرح أثناء المهرجان، لأن 95% منهم مسرحيون، والأهم هو إن توصل نسبة الجمهور العادى لأكتر من كدة، ويظل هذا الجمهور يبحث عن التجربة المسرحية المختلفة طوال العام. 
وأعتقد أن المشكلة ليست فى المهرجان وحده، لأن الجمهور المسرحى يتشكل من خلال منظومة كاملة، منها شهرة الدولة المنتجة للعرض، وأماكن تقديم العرض، والدعاية، والنقد على العروض دى، والأهم استمرار التجارب بعد المهرجان.
لذلك ربما نجح المهرجان فى خلق حالة من الفضول تجاه التجريب، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه فى تحويل هذا الفضول إلى علاقة مستمرة بين الجمهور والمسرح التجريبى. نحن فى حاجة إلى أن ينتقل التجريب من كونه «حدثًا مهرجانيًا» إلى كونه جزءًا طبيعيًا من الحياة المسرحية اليومية، ويصبح مألوفًا للجمهور». 
وأوضح هانى مهران: «أعتقد أن روح التجريب ما زالت صالحة، لكن مفهوم التجريب نفسه يحتاج بالفعل إلى إعادة نظر، أو الاتفاق على معايير واضحة. 
الأول كان التجريب مرتبطًا بدرجة كبيرة بالبحث عن أشكال مغايرة للمسرح التقليدى، والاستفادة من اتجاهات وتقنيات جديدة فى العالم. أما الآن، فلم يعد مجرد كسر الشكل التقليدى كافيًا لكى نقول إننا أمام عرض تجريبى، فمن الممكن أن ترى عرضًا يستخدم الفيديو، والعرائس، والشاشات، أو يخرج من خشبة المسرح، أو يعتمد على الحركة والجسد فقط، ومع ذلك يظل تفكيره تقليديًا جدًا. وبالنسبة لى، التجريب الحقيقى اليوم ليس فى أن يكون العرض «غريبًا» أو مختلفًا فى شكله، وإنما فى أن يطرح سؤالًا جديدًا حول المسرح نفسه: كيف يصنع المعنى؟ ما علاقة المتفرج بالعرض؟ هل يظل المتلقى مجرد مشاهد أم يصبح شريكًا فى إنتاج الدلالة؟ ماذا يمكن أن تفعل التكنولوجيا بالجسد وبالمكان وبالسرد؟ وكيف يمكن للمسرح أن يتعامل مع عالم تغيرت فيه علاقتنا بالصورة والزمن والواقع، خاصة فى ظل التطور التقنى اللى بنعيشه؟ لذلك أرى أننا لا نحتاج إلى التخلى عن فكرة التجريب، بل نحتاج إلى تحريرها من ارتباطها بمجرد مخالفة المألوف. فليس كل ما هو غير تقليدى تجريبيًا، وليس كل عرض بسيط فى شكله بعيدًا عن التجريب. لا بد أن نكسر ونضرب ونغوص فى الثقافة، وليس مجرد البحث عن «فرجة مختلفة» لافتة للنظر. 

الإرث الحقيقى يكمن فى «فلسفة التجريب»
قال المخرج سعيد سليمان إن الإرث الحقيقى لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى -إذا ما اعتبرنا أن هناك إرثًا حقيقيًا وقائمًا بالفعل- لا يقتصر على الإصدارات السنوية التى يقدمها، على أهميتها البالغة للباحثين والمشتغلين بالعمل المسرحى كمرجع هام ومستمر، ولا على توثيق الندوات التى كان معظمها مهمًا بدرجة كبيرة فحسب بل إن الإرث الحقيقى يكمن فى «فلسفة التجريب» ومفهومه الذى طرحه المهرجان منذ انطلاقه وتأسيسه فى مصر نهايات الثمانينيات، حين بدأنا نطرح التساؤلات الجوهرية: ما هو التجريب؟ وما فلسفته؟ ?
وأشار سعيد سليمان إلى أن المهرجان، وبغض النظر عن طبيعة تلك المفاهيم وسواء اتفقنا أم اختلفنا حولها، نجح على الأقل فى تحريك مفهوم التجريب من حالة الثبات ودفعنا لاستكشاف ماهيته فى المسرح. فقبل إقامة المهرجان لم يكن هذا الأمر مطروحًا بصفة جماعية، بل كان البحث فى التجريب مجهودًا فرديًا خالصًا ينطوى عليه المسرحى فى عمله، وهو ما كان أمرًا نادرًا للغاية وقتئذ فى مصر. ?
وأوضح: لقد استطاع المهرجان منذ بداياته الأولى أن يخلخل المفهوم التقليدى للمسرح، وأن يؤسس للتجريب بمفاهيمه المتعددة، كون كل مسرحى يمتلك رؤيته ومفهومه الخاص. وعند الحديث عن المهرجان التجريبى، فإننا نتحدث مباشرة عن الابتكار، والإبداع، واللا مألوف كحد أدنى يتفق عليه الجميع بصفة مبدئية. وهذه الخلخلة للمسرح التقليدى تمثل الإرث الفلسفى والفكرى الحقيقى الذى يجب أن يظل حاضرًا فى أذهاننا بشكل دائم، فالفلسفة ذاتها هى الإرث الأكبر.?
وأكد سليمان أما بالنسبة للجمهور، وكى نكون واضحين تمامًا، فإن مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى لم يصنع جمهورًا عامًا؛ فجمهوره ينحصر فى المتخصصين والمهتمين بالحركة المسرحية المصرية والعربية والعالمية الموجودين كضيوف فى القاهرة، إضافة إلى بعض طلاب معاهد وكليات المسرح. لكن هذا لا يعنى وجود عزوف عام عن الابتكار، بل إن المبدع المجرب نفسه - بعيدًا عن مظلة المهرجان - يمتلك جمهورًا خاصًا فى معمله ومسرحه وعروضه يتابعه بشغف، حيث يذهب الجمهور والنقاد وهم يعلمون يقينًا أنهم بصدد مشاهدة تجربة مسرحية مختلفة عن السائد. ومن هنا، فإن الجمهور تشكل وتدرب لدى بعض المبدعين الفرادى وليس بفضل المهرجان التجريبى كجمهور عام. بخصوص تقييمه للتحولات التى شهدها مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، قائلًا: «إن الأفكار والتوجهات والدوافع التى انطلق منها المهرجان التجريبى فى القاهرة عامى 1988 و1989 اختلفت تمامًا عما نعيشه اليوم؛ ففى أواخر الثمانينيات لم تكن شبكة الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعى موجودة، ولم نكن نملك، كمسرحيين ومصريين، نافذة للاطلاع على ما يدور فى العالم إلا من خلال المراجع النظرية والأخبار، أو عبر مبادرات فردية بالصدفة، حين كان الأستاذ الراحل الدكتور هناء عبدالفتاح يعرض لنا شرائط فيديو للمسرح البولندى فى معهد السينما أو ما كان يجلبه الأساتذة من فيديوهات تجريبية من النمسا وألمانيا. ولذلك، كانت أى عروض يستضيفها المهرجان فى بداياته تثير فينا انبهارًا شديدًا وآفاقًا واسعة للرؤية، كونه النافذة الوحيدة المتاحة آنذاك. 
ومع بدايات عامى 2005 و2006 وتطور شبكة الإنترنت والقنوات الفضائية، تغيرت المعادلة كليًا؛ فأى شاب أو طالب اليوم يستطيع بضغطة زر واحدة مشاهدة أحدث العروض الراقصة والمسرحية من الشرق والغرب. ونتيجة لهذا التوافر التكنولوجى، تلاشت حالة «الدهشة» التى كانت تصاحب العروض القادمة من الخارج، ولم تعد القيمة ذاتها متوافرة كما كانت فى البدايات.
كما أن معظم العروض التى تُقدم حاليًا، والتى تصل نسبتها إلى نحو 90%، سواء كانت عربية أو دولية، لا تنتمى إلى روح التجريب فى شيء، بل هى عروض تقليدية وعادية جدًا لا تحمل أى تجديد مبتكر. وهو ما كنا ننادى به منذ الدورات الأولى للمهرجان؛ حيث نؤكد دائمًا أن الاستثمار المالى فى استقدام 5 عروض فقط لأصحاب المشاريع المسرحية الحقيقية فى العالم، مثل استقدام أريان منوشكين وفرقتها من فرنسا، خير من استقدام عشرات الفرق قليلة التكلفة التى لا تقدم أى إضافة أو ابتكار مسرحى.
والتطور التكنولوجى لم يُمكّن المسرحيين من متابعة كل ما هو جديد من منازلهم فحسب، بل أتاح لنا إعادة اكتشاف التراث المسرحى بأثر رجعي؛ فأصبح بإمكاننا اليوم مشاهدة فيديوهات لتطبيقات «مايرهولد» والبيوميكانيك الحركى، بعد أن كنا نكتفى بدراستها نظريًا فى المعهد. ومن هنا، فإن مصطلح التجريب يظل قائمًا، لكن مفاهيم المهرجان وعنصر الدهشة فيه تراجعت بدرجة كبيرة جدًا لعدم ملاءمة العروض المشاركة لروح التجريب الحقيقى، لتختلف المفاهيم كليًا بين أواخر الثمانينيات وما نعيشه اليوم فى عام 2026.
  
مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى.. 33 عامًا من التجريب وبصمة راسخة فى المسرح العربى 
قال المخرج والمؤلف والباحث والأستاذ الدكتور عجاج سليم: 
بعد 33 عامًا، يُعدّ الإرث الذى تركه مهرجان المسرح التجريبى إرثًا عظيمًا، فلا يمكن الحديث عن الإبداع دون الحديث عن التجريب؛ فأى خطوة إلى الأمام هى خطوة يكون فيها المبدع، سواء كان رسامًا أو موسيقيًا أو مسرحيًا أو مخرجًا أو ممثلًا، فى بحث دائم عن حلول جديدة، باعتبار أن الفن، وفق أحد تعريفاته، هو صانع الدهشة وصانع المفاجأة. فأى عمل جديد لا توجد فيه دهشة ولا مفاجأة يكون قد دخل فى صندوق يكرر ما أنجزه الآخرون من قبل. 
وأرى أن التجريب كان ضرورة؛ فمصر تمتلك تاريخًا عريقًا فى المسرح والفن، والعاملون فى المسرح المصرى أدركوا منذ وقت مبكر، ربما قبل أكثر من 40 عامًا، أى قبل عمر المهرجان نفسه، أنهم دائمًا بحاجة إلى دفعة إلى الأمام، وإلى التجديد، وإلى دعوة الشباب وتحفيزهم على المشاركة، باعتبار أن نظرتهم إلى الحياة معاصرة وآنية، ولأن المسرح فن راهن، ومن شروطه أن يقدم قضايا معاصرة. 
وانطلاقًا من عراقة مصر فى المسرح، قام أبناؤها من الأساتذة الكبار الذين أسهموا فى هذا المجال، مثل الدكتور فوزى فهمى وكل العاملين معه، وكذلك القامة العلمية والفنية الأستاذ الدكتور سامح مهران، رئيس الأكاديمية الأسبق ورئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى لعدة سنوات، بتأسيس المهرجان التجريبى. إن إقامة المهرجان تعنى فتح نافذة وبوابة عريضة باتجاه التجارب فى العالم كله؛ فلا أرى أن كلمة «غربية» تناسب، كما لا أرى أن تعبير «مسرح عالمي» هو الأدق، باعتبار أن أى مكان يُقام فيه عرض هو جزء من هذا العالم، ونحن جميعًا من هذا العالم ونقدم عروضًا عالمية. لكن الواقع والتجربة وطبيعة العمل والظروف القائمة، بما فيها التابوهات ومستويات الخبرة والتجربة، تؤثر بشكل أو بآخر فى النتاج الفنى. 
وبالتالى، فتح مهرجان القاهرة التجريبى بوابة كبيرة على تجارب معاصرة من بلدان تسمح بدرجات متفاوتة، من المعتدل والطبيعى إلى الأقصى، فى مسألة تقديم الأفكار أو المعالجة على الخشبة أو النص، والأهم من كل ذلك العرض الذى يعتمد على لغة حقيقية، تسبق لغة الكلام المنطوق، وهى لغة الجسد، إلى جانب عناصر العرض المختلفة. وعندما فتح مهرجان القاهرة التجريبى الباب أمام تجارب مختلفة من العالم، سمح لهواء عاصف ونقى بأن يتغلغل فى كل التجارب المسرحية، أولًا فى مصر، وبعد ذلك فى الوطن العربى، لتنظر هذه التجارب إلى ما وصلت إليه ثقافتها، وبالتالى تفكر فيما يمكن أن تقدمه وتجدده، لتظل دائمًا حاضرة فى مسيرة المسرح العالمى. 
ومن جهة أخرى، فإن استضافة مصر لعروض مختلفة وشخصيات بارزة أسهمت فى إثراء الحركة المسرحية، سواء من خلال الورش التى أقيمت، أو المحاضرات، أو الندوات الفكرية. والأهم أيضًا موضوع المنشورات والندوات التى جرى توثيقها؛ ففى كل سنة كانت هناك مجموعة من الكتب التى يعترف الجميع، من العاملين فى المسرح وحتى العاملين فى بقية الفنون، بأن منشورات المهرجان التجريبى، التزامًا بالأهداف والأفكار التى أُقيم من أجلها مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، كانت كتبًا تفتح الآفاق أمام رؤى جديدة، وتؤصل للتنظير والتوثيق، وتضع المسرحيين العرب، ومن بعدهم المتابعين، من خلال الكتب المترجمة أو التى نُشرت باللغة الإنجليزية، فى صورة ما يجرى فى المسرح العالمى. 
ومهرجان القاهرة ليس مجرد مهرجان أو تظاهرة فنية، رغم كونه تظاهرة فنية جميلة، لكنه حدث ثقافى استطاع، خلال سنوات قليلة، أن يضع بصمة قوية على مسيرة المسرح العربى المعاصر، وأن يتبوأ مكانه فى مقدمة المهرجانات الفاعلة، بعدما انتقل من مجرد مناسبة أو تظاهرة ثقافية وفنية واجتماعية إلى مؤسسة تُعنى بالرؤى الجديدة، وبأعمال الشباب، وبالاستمرار فى التواصل مع التجارب العالمية الحديثة، وإقامة مختلف النشاطات التى تخدم هدفه الأساسى، وهو التواصل الواسع مع تجارب المسرح فى العالم وأضاف قائلًا: «فى اعتقادى، إن مفهوم التجريب قد أثار الكثير من اللبس لدى الجمهور، حتى بات البعض يصنف الأعمال المسرحية بشكل حاد إلى «عرض تجريبي» و»عرض غير تجريبي». والحقيقة أن هذا المصطلح قد تُولول بالنقاش المفرط وطُرح كثيرًا دون الخروج بنتيجة حاسمة. ?
ما أعرفه يقينًا أنه لا يوجد أى عرض مسرحى يصبو لتقديم حالة إبداعية متميزة إلا ولا بد أن يتضمن تجديدًا حقيقيًا؛ سواء فى أداء الممثل، أو فى طريقة تعامل المخرج معه، أو فى النص المكتوب للمسرح، أو فى أدواته وعناصر السينوغرافيا الخاصة به. ?
الإشكالية تكمن فى تصنيف المسرح إلى تجريبى وغير تجريبي؛ فالمسرح بطبيعته قائم على التجريب المستمر إذا ما أراد التجديد والإبداع. نحن أمام مسرح راهن ومعاصر، يستعين بلغة فنية عصرية وأدوات يستقيها من مختلف التجارب العالمية، ويسعى لتقديم نتاجه باجتهاد وجدية حقيقية. وهذا لا يعنى تحويل المسرح إلى محاضرة أكاديمية، بل هو سعى دائم لتقديم أعمال جميلة، مبدعة، ومتجددة؛ فالتجريب والإبداع هما وجهان لعملة واحدة وروحان فى جسد واحد. ?
ختامًا، أتمنى لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى التوفيق والمزيد من النجاح والتطور، وللأستاذ الدكتور سامح مهران موفور الصحة والعافية وطول العمر، ولكل فريق العمل والعاملين بالمهرجان كل التوفيق. كما أتوجه بأطيب الأمنيات وأصدق عبارات المحبة للقاهرة وأهلها، ولمصر العزيزة التى طالما عرفها السوريون بـ«الإقليم الجنوبى»، وبصوت عالٍ أقول: تحيا مصر». 
وأصبح للمهرجان أصدقاء ومتابعون، وأصبح مناسبة سنوية ينتظرها كل من يدرك أهمية التفاعل والاطلاع على التجارب الجديدة. وأتصور أن تأثيراته ظهرت فى تجارب عديدة منذ أكثر من 20 عامًا، وفى تجارب مخرجين من أجيال شابة جديدة، وأعتقد أنهم وصلوا إلى نتائج ممتازة جدًا. 
وتابع، قائلًا: «تُعدّ قضية «صناعة الجمهور» من أهم القضايا المسرحية؛ فالجمهور ليس مجرد مشاهد، بل هو شريك أساسى للفنان المسرحى، ولا يمكن للمسرح أن يقام بدونه. وكما تُعرّف «الموسوعة البريطانية» المسرح: فهو ببساطة «ممثل وجماهير». لأجل ذلك، يمكن لأى مسار أو فسحة أو منصة مرتفعة أن تتحول إلى مسرح لحظةَ يقف عليها الممثل ليرتجل قصة أو حادثة من قلب المدينة أو القرية؛ فبمجرد التفاف الناس حوله ينشأ الفعل المسرحى. ?
ومنعًا للوقوع فى الفخ الذى رُوِّج له طوال السنوات الماضية - وهو القول بوجود «جمهور خاص» بالمسرح التجريبى - يجب التأكيد على أنه لا يوجد جمهور حصرى لهذا النوع، بل يوجد «جمهور واعٍ ومتابع للمسرح». فالمسرح لم يكن يومًا محكورًا على النخبة، بل هو فن يُقدَّم للجميع فى كل العصور والأماكن. ?
لقد نجح المهرجان التجريبى فى الارتقاء بذائقة الجماهير الغفيرة التى تابعت عروضه القادمة من مختلف الثقافات؛ إذ ساهمت هذه المتابعة فى تطوير وعى المشاهد، فلم يعد يرضى بالعروض الضعيفة التى لا تلبّى الشروط الفنية المتكاملة. ?
إن هذا الوعى دفع الجمهور لمطالبة المسارح المحلية بعروض أكثر جودة وتجديدًا وخروجًا عن الأطر التقليدية الجاهزة. وبالنتيجة، لم يقتصر إنجاز المسرح التجريبى على صناعة جمهور خاص به فحسب، بل أسهم فى خلق جمهور عريض صاحب ذائقة فنية وعلمية متقدمة تُدرك الدور الحقيقى للمسرح وأهميته فى نهضة المجتمع.


إرث التجريب وسؤال المستقبل
 أ.د/؛أحمد يوسف عزت 
أستاذ النقد والأدب العربي الحديث المساعد 
بكلية الآداب جامعة بورسعيد قال : 
بعد ثلاث وثلاثين دورة... هي عمر (مهرجان المسرح التجريبي)؛ يمكن النظر إلى تجربته النوعية، بوصفها واحدة من العلامات الفارقة في مسيرة (المسرح العربي الحديث). فقد منح المهرجان للمسرحيين فضاء واسعا للمغامرة الجمالية، وفتح الخشبة على احتمالات جديدة في الكتابة والإخراج والأداء والسينوغرافيا وعلاقة العرض بالمتلقي. إن الإرث الحقيقي للمهرجان، يتجاوز أرشيف العروض والجوائز والأسماء التي عبرت منصاته. إن قيمته الأعمق؛ تكمن في ترسيخه الآكد لثقافة السؤال داخل المسرح. لقد شجع أجيالا من المسرحيين على مساءلة الأشكال المستقرة، والبحث عن لغات جديدة للعرض، وعلى التعامل مع الخشبة بوصفها مختبرا مفتوحا للبحث والتجريب. أما عن الجمهور؛ فلقد أسهم المهرجان بالفعل، في توسيع دائرة المتلقين، الذين تعرفوا إلى تجارب مسرحية مختلفة. وأصبح المتفرج أمام عروض، تطلب منه المشاركة في إنتاج الدلالة وتأمل الصورة والحركة والصوت والفضاء. ومع ذلك... فإن صناعة جمهور دائم للمسرح التجريبي، تظل مهمة أكبر من قدرة المهرجان وحده! إنها تحتاج إلى تعليم مسرحي مستمر، ونقد علمي وجاد، وإعلام ثقافي فعال، وعروض ممتدة طوال العام. وتبدو أفكار البدايات الأولى، مازالت حاضرة في جوهرها. إن الحاجة إلى: الحرية الفنية، ومراجعة القوالب الموروثة، والبحث عن علاقة جديدة بين الممثل والمتلقي والفضاء المسرحي، أقول إنها مازالت أسئلة حية ومطلوبة. غير أن مفهوم (التجريب) نفسه، يحتاج إلى أفق أوسع؛ يواكب التحولات التي فرضتها التكنولوجيا، والوسائط الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وفنون الأداء الجديدة. إن التجريب اليوم لا يعني الغرابة الشكلية، ولا كسر القواعد لمجرد كسرها. إنه امتلاك الشجاعة لطرح سؤال جديد، والعثور على أدوات فنية قادرة على التعبير عنه. ومن هنا... يستطيع المهرجان أن يحول تاريخه الطويل إلى طاقة مستقبلية. بعد ثلاث وثلاثين دورة؛ يصبح التحدي الحقيقي هو أن يظل المهرجان قادرا على تجديد ذاته. فإن إرثه الأهم؛ هو تلك الجرأة التي زرعها في المسرح: جرأة البحث، وحرية الاختلاف، وشغف اكتشاف ما لم تصل إليه الخشبة... بعد!


رنا رأفت