ملاحظات فرقة دبلن جيت !!

ملاحظات فرقة دبلن جيت !!

العدد 994 صدر بتاريخ 14سبتمبر2026

بعد عرض مسرحية «السيد» كتب «يوسف تادرس» - الناقد الفني لمجلة «الرسالة» - مقالة نقدية عنها، نشرها في أوائل مايو 1936، قال فيها: هي مأساة رائعة خلدت على الدهر، ألفها زعيم المسرح الفرنسي وخالق المأساة الحديثة الشاعر كورني، وقد كان لظهورها ضجة كبيرة، ذلك أنها وإن خالفت قاعدة الوحدات الثلاث فقد نجحت نجاحاً باهراً وظفرت من النظارة بإعجاب عجيب. وقد كان لنجاح هذه المأساة أثر سيء في نفس الوزير الفرنسي الخطير الكاردينال ريشليو. وكان هذا الوزير من هواة التأليف المسرحي، وقد مثلت له قصتان فلم تنجح منهما واحدة..
 في حين أن «السيد» كانت تلقى النجاح بعد النجاح والفوز تلو الفوز. ولقد كظم الوزير غيظه – رغم أن القصة كانت تشيد بالمبارزة التي حرمها هو - ولكنه حرك رجاله في الخفاء ينقدون القصة نقداً عنيفاً، وكان يريد بذلك أن يحط من قدر كورني. فقامت من أجل ذلك خصومة أدبية شديدة انتهى أمرها إلى تحكيم المجمع الفرنسي في القصة. ولم يصدر الحكم في جانب المؤلف لأن الوزير تدخل بنفوذه، ولكن القصة رغم ذلك خلدت، وها هي ذي تنقل إلى العربية للمرة الثانية بقلم شاعر القطرين الأستاذ خليل مطران في ترجمة عربية بديعة ارتفع أسلوبها إلى الأصل الشعري الذي كتبت به، وها هي ذي الفرقة القومية تختارها بين ما اختارت من روائع الأدب الغربي لتقدمها إلى الشعب المصري.
وتحت عنوان «ملخص القصة»، قال الناقد: ليست القصة جديدة على قراء الأدب العربي، فقد سبق أن ترجمها المرحوم الشيخ نجيب الحداد ومثلت باسم «السيد، غرام وانتقام»، وسبق للأستاذ الزيات أن لخصها في مجلة «الرسالة» ونشر هذا الملخص في كتابه «في أصول الأدب»، فمن أراد الاطلاع عليه فليرجع إليه.
وتحت عنوان «الإخراج» قال: كنا نظن أن الفرق التمثيلية الأوربية التي تزور مصر وتمثل على مسرح الأوبرا تترك بعض الأثر في نفوس الفنانين المصريين، ولكن يبدو أن الأمر على العكس، فهذه الفرق تأتي وتعود دون أن نحاول أن نأخذ عنها شيئاً .. زارت مصر في الشهر الماضي فرقة «دبلن جيت» الإيرلندية وأخرجت عدة قصص لشكسبير وغيره، فكان الإخراج أهم ظاهرة لهذه الفرقة، وقد أبدى جميع المخرجين المصريين إعجابهم بعظمة هذا الإخراج، فالمستر «هيلتن إدواردز» مخرجها يعمد إلى الطريقة الإيحائية ويستخدم منظراً واحداً لجميع فصول القصة، ويستعين بالإضاءة وستار صغير في تبديل المناظر مع تباينها .. وأخرج الأستاذ زكي طليمات قصة «السيد» وكنا نظنه سيقتبس طريقة تلك الفرقة، ولكنه لم يحاول بذل أي جهد، وعمد إلى الطريقة التي ألفناها منذ سنوات طويلة، واستخدم المناظر المتعددة والستائر الكثيرة. والحق أن هذا الإخراج إذا قيس إلى إخراج الفرقة الإيرلندية بدا هزيلاً ضئيلاً .. يرى النقاد أن الوحدة إذا توفرت في العمل الفني كان ذلك من دواعي الكمال والنجاح، ولكن رجالنا لا يرون هذا الرأي، وإلا لما كانت طريقة الإلقاء متباينة. فحسين رياض، وزينب صدقي، وعزيزة أمير، وزكي رستم يلقون إلقاء شعرياً، ومنسى فهمي وفردوس حسن وغيرهما يلقون إلقاء عادياً. وهذا التباين مما ينفر النظارة، والمخرج في رأيي مسؤول عن هذا الخلط .. والإضاءة عادية، ولكننا في منظر قاعة العرش كنا نرى الضوء يسقط على جدار للقصر من يمين النظارة إلى اليسار في حين نرى الضوء يسقط على وجوه الممثلين من يسار النظارة إلى اليمين، وهذا مما لا يرضى الفن ولا الأستاذ المخرج. وفي المنظر الثاني من الفصل الثالث نرى والد «ردريج» حائراً يبحث عن ولده ويقول: «في هذا الظلام الدامس» بينما ضوء القمر يغمر وجه الممثل وينير الأرض حواليه. ولا يفوتني أن أبدي إعجابي بالإضاءة في الموقف بين «شيمين وردريج» في النصف الأول من الفصل الثاني، فقد كان الضوء ملائماً للحوار، وكان له أثر ووقع كبيرين في نفوس النظارة. أما الملابس فقد كانت فاخرة تنطبق على روح العصر، ولكن الذي حيرني أن شيمين عندما بلغها خبر موت والدها سارت إلى قصر الملك في ثياب الحداد بينما وصيفتها تتبعها في ملابس زاهية؟! كما أن ملابس الملكين الأسيرين لا تصلح لرجال أسروا في موقعة. 
وتحت عنوان «التمثيل» قال: قبل أن أتحدث عن التمثيل أبدي أسفي الشديد لإهمال الممثلين استظهار أدوارهم مما جعل صوت الملقن يرتفع فيفسد على النظارة خيالهم .. مثلت السيدة زينب صدقي دور شيمين، وقد نجحت كثيراً في أداء هذه الشخصية، وأذكر لها مع الإعجاب موقفها مع ردريج في الفصل الثالث، ثم مع وصيفتها وهي تبدي الجزع خيفة أن يقتل حبيبها، ولكني آخذ عليها الإلقاء الخافت في بعض المواقف مما جعل الألفاظ غامضة على السامع .. ومثّل حسين رياض دور ردريج، فكان إلقاؤه شعرياً ونجح في دوره إلى حد غير قليل، وموقفه مع شيمين بديع. أما موقفه مع الملك وهو يصف المعركة فيحتاج إلى عناية أكثر؛ وأرجو أن يعنى «بالمكياج»، وأن يختار لوجهه لوناً خمرياً يكون قريباً إلى البشرة الأندلسية .. ومثّل زكي رستم دور والد شيمين فأخرجه على خير ما يكون، كان الرجل المتكبر في إشاراته وإلقائه مما طابق الشخصية. ومثّل منسى فهمي دور الملك فكان ناجحاً، ولكنه لم يحاول أن يسمو بهذا الدور كعهدي به في أدواره السابقة. أما السيدة عزيزة أمير فلم تنجح كثيراً في أداء شخصية ابنة الملك، وكان إلقاؤها على نسق واحد دون تلوين أو تعبير عما في نفسها من إحساسات، ويبدو لي أن اللغة الرصينة مما يصعب عليها أداؤها. ومثلت نجمة إبراهيم دور وصيفة شيمين فوفقت، وفي رأيي أنها أصلح لدور ابنة الملك من غيرها من فتيات الفرقة. ومثّل سراج منير دون سانش، فكان حديثه مع الملك هو نفسه حديث مع شيمين التي يهواها.
وتحت عنوان «ملاحظات لفنانين إيرلنديين» قال: شهد هذه الرواية في الليلة الأولى لتمثيلها بعض أعضاء فرقة «دبلن جيت» الإيرلندية، وقد أبدى مخرج الفرقة المستر «هيلتن إدواردز» وممثلها الأول المستر «ميكائيل ماك ليمور» إعجابهم بتمثيل السيدة زينب صدقي وحسين رياض وزكي رستم، كما أبديا بعض الملاحظات على الإخراج.
في العدد التالي من مجلة «الرسالة» استكمل «يوسف تادرس» الموضوع تحت عنوان «آراء فنانين إيرلنديين في الممثل والمخرج المصري»، قائلاً: «أوه يا صديقي! إنني سعيد حقاً إذ أقضي ليلة في مصر أشهد فيها الممثلين المصريين يقومون بتمثيل رواية معروفة كان من حظي أن أقرأها وأن أشهد تمثيلها قبل ذلك في باريس في الهواء الطلق»! .. هذا ما نطق به المستر «هيلتن إدواردز» مخرج فرقة «دبلن جيت» الإرلندية التي عملت على مسرح الأوبرا الملكية خلال شهر مارس الماضي بعد أن صافحني في فترة الاستراحة الأخيرة من رواية «السيد» التي أخرجتها الفرقة القومية المصرية في الأسبوع الماضي. ولقد بادرته بالسؤال: «وما رأيك في تمثيل المصريين؟»، فأجاب بحرارة «اسمح لي يا صديقي أن أقول لك إن المصريين يتمتعون بميزة طيبة، هي جمال الصوت، وإنه ليخيل إليّ أن اللغة العربية من أصلح اللغات للمسرح .. إني أطرب لها؛ ولكم وددت لو أعرف العربية حتى يكون استمتاعي بالتمثيل أكثر منه الساعة .. إن بين الأفراد الذين يعملون أمامي مجموعة قوية، مما يدل على أن في المصريين استعداداً قوياً للتمثيل، فلقد علمت أن ليس في مصر معهداً للتمثيل، بل إن نبوغ هؤلاء الأفراد نتيجة جهد شخصي، واستعداد فطري، وهذا فخر كبير لهم. ولقد قرأت هذه الرواية وشهدتها قبل ذلك تمثل، ولكن لم أدرسها ومع ذلك أستطيع أن أقول إني مرتاح جداً إلى قدرة الممثلين المصريين». قلت: هل لك أن تدلي برأيك في أداء الممثلين الذين يعملون أمامك الآن، وعن ملاحظاتك؟ إنهم يرحبون بكل ملاحظة تبديها وكذلك قرائي يودون أن يعرفوا رأيك! فابتسم المستر «إدواردز» وقال: «قلت لك إنني لا أعرف العربية فحكمي لن يكون صادقاً، على أنني أستطيع أن أقول إنني كثير الإعجاب بالسيدة التي تقوم بدور شيمين حبيبة السيد «زينب صدقي» إنها ممثلة قديرة ويبدو لي أنها تفهم دورها تمام الفهم، وهي تجيد مواقف الكبرياء، وأرجو أن تبلغها إعجابي .. وإنني كذلك معجب بالملك «منسى فهمي» وأعتقد أنه ممثل قدير، وكذلك أنا معجب بالسيد «حسين رياض»، ومع جهلي باللغة العربية أحس أنه يجيد الإلقاء، وأنا مرتاح إلى تمثيله. والدون جوميز «زكي رستم» أدى دوره الذي يحتاج إلى الصلف والكبرياء أحسن أداء، وهو يليق لهذه الشخصية». قلت وما رأيك في السيدة التي تمثل دور ابنة الملك «عزيزة أمير»؟ فأجاب: «إنها لا تليق لهذا الدور، وإنها تبدو في مستوى أقل كثيراً من مستوى الممثلة التي قامت به في باريس حتى ليخيل إليّ أنها لم تفهم دورها». 
ثم سألته عن رأيه في الإخراج فأجاب: «هل من الضروري أن أجيب عن هذا السؤال؟»، فقلت أجل، إنه يهمنا كثيراً أن نعرف رأيك .. إن إخراجك قد حاز إعجاب جميع رجال الفن والأدباء من المصريين، وإن من دواعي السرور أن تفصح لنا عن رأيك! أطرق المستر «إدواردز» قليلاً ثم رفع وجهه وقال: «لقد حدثتك من قبل عن رأيي في طريقة الإخراج التي أفضلها. لقد جعلت السينما أي جهد في إخراج الروايات بطريقة نقل الطبيعة ومحاكاتها عبثاً، لأن مجال المسرح محدود؛ والأمر على العكس من ذلك في السينما، ولهذا وجب علينا ألا نعنى بالأشياء الحقيرة والتفاصيل فهي مجال السينما، ولهذا فأنا غير مرتاح إلى اتباع طريقة الريالزم؛ وأفضل الطريقة الإيحائية لأنها تجعل رواد المسرح يشتركون مع الممثل والمخرج في نجاح الرواية والاهتمام بحوادثها، بدل أن تعرض عليهم عرضاً سهلاً يبعث النوم إلى جفونهم، ولذلك لم يعجبني إخراج هذه الرواية .. إن المسرح الحديث يعتمد أكثر ما يعتمد على الإضاءة، ولقد رأيت كيف عاونتني في إخراج «هملت»، و«روميو وجوليت» وغيرهما، ولكني أرى مخرجكم «زكي طليمات» لم يقصد من الإضاءة إلا أن يكشف المناظر والممثلين للنظارة، ولم يستخدم الإضاءة في غرض أو فكرة خاصة، واستخدامه للضوء يظهر في موقف واحد فقط بين السيد وحبيبته .. وقد يكون استعمال المناظر المتعددة والستائر الكثيرة مما يلجأ إليه المخرجون الفرنسيون، ولكني أرى أن ما يصلح لفرنسا يجب ألا يفرض على مصر أو غيرها، بل يجب على المخرج أن تكون له شخصية تبرز في إخراجه وتعبر عن نفسيته، وتكون رجع الصدى للبيئة والقومية التي هو منها؛ ويبدو لي جلياً أن مخرج هذه الرواية لم يهتم بدراستها دراسة إخراج». 
وكان أول ما صرح به المستر «ميكائيل ماك ليمور» الممثل الأول لفرقة «دبلن جيت» وواضع تصميم مناظر الروايات، إعجابه بممثل شخصية الملك «منسى فهمي» فهو في رأيه ممثل قدير، وقد أبدى إعجابه أيضاً بالسيدة زينب صدقي في دور شيمين، وهو يتفق مع زميله في أن للمصريين صوتاً جميلاً وأن طريقتهم في الإلقاء الشعري بديعة، وقد سألته عن رأيه في الإخراج فأجاب «إن هذا اختصاص زميلي المستر إدواردز فهو يستطيع أن يحدثك عنه حديثاً طيباً، ولكن أقول لك إنه يجب على الفرقة أن تعنى باختيار المناظر وعملها فتضع تصميماً لكل منظر تختاره بحيث تسود المناظر روح واحدة وطريقة واحدة. وانتهاج مثل هذا السبيل يعاون المخرج والممثلين على الوصول إلى غور نفوس النظارة .. إن فرقتنا قبل أن تخرج أي رواية تعهد بها إليّ وإلى المستر إدواردز فنقوم بدراستها ونضع الفكرة الأساسية التي سيقوم عليها الإخراج وبعدئذ أفكر في وضع تصميم مناظرها» .. ولو لجأت الفرقة المصرية إلى هذه الطريقة لما رأينا أسلوب تصوير منظر يختلف عن أسلوب المنظر الآخر.
هذا الكلام قرأه «زكي طليمات» فقام بالرد عليه، وهذا الرد نشرته مجلة «الرسالة» في أواخر مايو 1936، وفيه قال طليمات: تفضل ناقد الرسالة الفني فنقل في أحد الأعداد الماضية حديثاً عن المستر «هيلتن إدواردز» مخرج فرقة «دبلن جيت» الإيرلندية التي عملت بمسرح الأوبرا الملكية في نهاية هذا الموسم، حديثاً تناول فيه الممثل المصري والمخرج المصري بما تراءى له بعد أن شهد رواية «السيد» التي مثلتها أخيراً الفرقة القومية المصرية بدار الأوبرا .. فعن الثناء والنقد الذي خُص به هذا النفر من الممثلين والممثلات أقدم للمستر إدواردز شكري الخالص، وكنت بدوري أود لو أتيحت لي فرصة التمثيل أمامه لأسمع رأيه فيها أقدمه، وأتعرف مواطن الأستاذية أو الضعف في فني، إذ لكل مفتن، مهما بلغ شأنه في فنه، نواح لا تخلو من المآخذ .. أما عن المخرج المصري، وقد خصني المستر إدواردز بالذات، فأرى لزاماً عليّ أن أتقدم إليه ببضع كلمات إقراراً للحقيقة التي ننشدها جميعاً، وكشفاً لبعض بواطن الأمور التي أصدر فيها المخرج الإيرلندي حكمه على مظاهرها دون اضطلاع بالظروف والملابسات التي أحاطت بإخراج رواية «السيد».


سيد علي إسماعيل