العدد 993 صدر بتاريخ 7سبتمبر2026
أولا: مسار تراجع الحوار لصالح الجسد والصورة
أكثر من ثلاثة عقود مرت منذ بدء مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، اندمج فيها المسرحيون والتفوا حول افكار وفلسفات التجريب. حيث تكثفت المحاولات وكثرت العروض التي تعمل على اقتحام الجديد واكتشاف المجهول في عالم المسرح. ولا ينكر أحد ان التجريب بشكل عام ليس بشيء جديد على المسرح، لكنه قديم قدم المسرح نفسه منذ نشأة المسرح الإغريقي، لكن الجديد هو تداول مصطلح «التجريب» في حد ذاته وتركيز الاهتمام به من خلال مهرجان دولي سنوي. لقد تأثر المسرح المصري في تاريخه بكل الأفكار الغربية المستوردة بالطبع لطبيعة غربة المسرح نفسه، من خلال كبار المخرجين الرواد الذين حرصوا على نقل مشاهداتهم وخبراتهم في الخارج إلى المسرح في مصر، أمثال جورج أبيض ويوسف وهبي وعزيز عيد وزكي طليمات، ثم في مرحلة لاحقة من خلال البعثات الدراسية للخارج التي نقلت إلينا الجديد في عالم المسرح من أفكار بريخت وبرانديللو وجرتوفسكي وماير هولد وغيرهم، على يد عدد من كبار مخرجينا أمثال سعد أردش وأحمد عبد الحليم وكمال عيد وكرم مطاوع وجلال الشرقاوي وهناء عبد الفتاح ونبيل منيب، وغيرهم.
رغم كل ذلك التأسيس، لكن جاء المهرجان التجريبي ليضع المسرح المصري في مرحلة مفترق طرق ليصبح الاطلاع على الجديد واهم أفكار التجريب في الخارج متاحا في مصر بشكل سنوي دوري اولا بأول، ومتاحا لجميع المسرحيين وليس لعدد قليل من الفنانين الدارسين في بعثة. وبالتالي صار هناك مسارعة وملاحقة للتطور المسرحي أولا بأول، وارتبط ذلك ايضا بمحاولات البحث عن اشكال جديدة للتجريب من خلال الموروث الشعبي ودمج الفكر الغربي المتجدد بالأفكار المحلية.
في مقالات سابقة عن المهرجان التجريبي تناولت ملامح التجريب وتطوره في العروض الأجنبية التي عرضت في المهرجان على مدار درواته السابقة كلها منذ نشأته. كما تناولت ملامح ومسارات التجريب في العروض المصرية التي شاركت في المهرجان منذ بدايته حتى الآن. وهنا أطرح السؤال الذي أحاول أن أجد إجابته: إلى أي مدى تأثرت العروض التجريبية المصرية بما قدمته العروض الأجنبية في المهرجان التجريبي؟
وبالبحث في عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (1988 – 2025)، تبينت عدة مسارات رئيسة أحاول اسكتشاف مدى تأثيرها على التجريب في عروض المسرح المصري، سوف أتناول كل واحد منها بالتفصيل:
تراجع الحوار لصالح الجسد والصورة
المسرح الطقسي والتراثي.
المسرح الصوتي البوليفوني.
الاعتماد على الورش الجماعية
مسرحة الرواية
الفضاء المسرحي غير التقليدي
الاغتراب الرقمي وعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا
قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من تثبيت ملاحظة أساسية تفرضها طبيعة العملية الإبداعية ذاتها: التأثر يبدأ دائما متأخرا بخطوة. فمسارات التجريب في العروض الأجنبية التي تقدم لا يظهر تأثيرها في العروض المصرية إلا بعد فجوة زمنية ما. فالتأثير يحتاج إلى زمن للهضم والتأمل والتجريب العملي.
ملحوظة منهجية: هذه الدراسة تتناول دورات المهرجان منذ إنشاءه حتى 2025، بشكل وثاب بين السنوات وليست كلها للحفاظ على مساحة مناسبة للمقال. مع مراعاة شمولية التناول.
أولا:
مسار تراجع الحوار لصالح الجسد والصورة
قبل نشأة المهرجان التجريبي كان المسرح المصري يتسم بالاهتمام بالكلمة المنطوقة دون النظر الجسد الذي لم يكن أداة مستقلة للتعبير ، حتى ان الحركة والجسد كانا تابعان للكلمة، فأصيب الجسد بالترهل وصار عاجزا عن الحركة والتعبير. فباءت محاولات التجديد البائسة بالعقم الفني والتوقف عند محطة الستينيات.
بدأ التحول الفعلي عندما جاءت العروض الأجنبية بالمهرجان لتقدم للمشاهد المصري تجارب جديدة ومختلفة، تراجع فيها دور الكلمة، في مقابل بروز أهمية الحركة والجسد والإضاءة والسينوغرافيا والموسيقى لتصبح تلك العوامل هي اللغة الأولى للعرض المسرحي.
يعد هذا المسار من أهم وابرز مسارات التجريب المسرحي منذ نشأة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. حيث يعتبر هو جوهر التجريب الأوروبي. ويقوم على فكرة أن الكلمة لم تعد كافية أو قادرة على استيعاب القضايا الإنسانية، فيتراجع الحوار ليحتل الجسد والحركة والإضاءة والتشكيل والموسيقى والصمت موقع المقدمة.
وداخل هذا المسار يبرز بشكل كبير الدراما الحركية حيث ينطلق من تجاوز مركزية النص والحوار، ومنح الجسد والحركة موقعا أساسيا في بناء العرض. والدراما الحركية تجعل الحركة والتشكيل الراقص والفعل الجسدي نفسه وسيلة لبناء الحدث والمعنى.
في الدورة الأولى للمهرجان عام 1988، قدم العرض البلچيكي «لا استسلام هنا» إخراج «آلان مبروك» برؤية تعتمد على ملئ الفراغ المسرحي بجسد الممثل مع استخدام عدد محدود من الإكسسوارات، مع الاعتماد على قدرات الممثل وحركته وصوته.
وفي عروض فرنسية أخرى «مذكرات من العالم السفلي»، و»مدام جليوتين» ظهر الاقتصاد في الديكور والإكسسوار، مع خلفية سوداء وحركة رشيقة للممثلين. ففي العرض الأول كانت خشبة المسرح عارية تماماً إلا من كنبة وحقيبة وشماعة ملابس.. واعتمد بشكل كبير على الإضاءة والحركة والموسيقى. وفي العرض الثاني شغل الفراغ ترابيزة في منتصف خشبة المسرح وكرسي واشكال صغيرة للمقصلة؛ وفي الخلفية الستارة السوداء بينما ترتدي الممثلة الملابس البيضاء في الوقت الذي يقدم فيه العرض على ضوء الشموع.
وفي تجربة أخرى في الدورة الثالثة مثلا، في العرض النمساوي «اصطدام» وصل الاختزال إلى أن يصبح الجسد نفسه لغة بديلة للكلمات؛ فجمع العرض بين البالية والفعل الدرامي جعل حركة اليدين والقدمين تحمل المعنى، وقدم الانفعال والفعل الدرامي من خلال الرقص والتكوين الحركي بدلا من الاعتماد على اللغة المنطوقة.
من العروض التي برزت في الدورة الثالثة أيضا «رطوبة” البولندي، و”الجندي المتفاخر” المجري، التي اختلفت في أساليبها لكنها التقت في منح الفعل الجسدي دورا يتجاوز الوظيفة التمثيلية التقليدية.
هكذا ترسخ هذا المسار في العروض الأجنبية حيث تحولت الخشبة إلى فضاء بصري وحركي، وتراجع الحوار لمصلحة الجسد والضوء والموسيقى والصمت.
وفي الدورة الخامسة، واصلت العروض الأجنبية هذا النهج، فقدمت ألمانيا «مس جوليا» بإخراج إيرينا باولز، التي حولت نص سترندبرغ إلى رقص تعبيري خالص.
أما في الدورة السادسة 1994 ظهر الاتجاه بصورة أكثر وضوحا في «مس جوليا» الألماني و»حجر رنان» الفنلندي، حيث اقترب العرض من الرقص التعبيري والتشكيل الحركي الخالص.
ولم يتوقف هذا الاتجاه عند تجارب التسعينيات، بل استمر في دورات المهرجان التالية، وإن تغيرت أشكاله؛ فظهرت تجارب تمزج الجسد بالسيرك ومسرح الشارع والتقاليد الأدائية، إلى جانب عروض تستثمر الفرجة البصرية والموسيقى والحركة الجماعية.
ثم نجد في الدورة الثالثة عشرة قدم العرض الياباني مزجا بين تقاليد الكابوكي (الجسد المقنع، الحركة الدقيقة، المكياج الأبيض) مع إيقاعات حديثة، حيث سبقت الجسد والتقاليد الأدائية أي حوار. كما ظهرت عروض بولندية جوالة مثل «كارمن فوبير» التي جمعت بين مسرح الشارع والسيرك والجروتسك، بطاقة جسدية جماعية في فضاء مفتوح. وحصدت عروض السيرك الفرنسية جوائز، معتمدة كليا على الجسد والألعاب البصرية والموسيقى.
واستمر هذا الاتجاه في كل الدورات التالية وفي الدورة السادسة والعشرين، قدمت سويسرا عرض «تحيا الحياة» (Viva la vie) لفرقة Interface، وهو فرجة شاملة تمزج التمثيل بالاستعراض والسيرك والموسيقى، بطاقة جسدية كثيفة تقلل من مركزية الحوار لصالح الصورة والإيقاع الجماعي.
وهكذا قدمت العروض الأجنبية، منذ وقت مبكر، نموذجًا واضحا لإمكانية بناء العرض المسرحي خارج سلطة الحوار، وجعل الجسد والصورة والإيقاع لغات أساسية للتواصل مع الجمهور.
التجريب المصري من التقليد إلى الاستقلال
من هنا انفتحت رؤى وأفكار المسرحي المصري على أشكال مغايرة للتعبير كبديل للحوار المنطوق، وأدرك أن الجسد والفراغ والضوء والحركة يمكن أن تصبح عناصر أساسية في طرح وتوصيل فكره للمتلقي وليست مجرد مكملات للكلمة.
مع تتالي الدورات بدأت ترسخ تلك الأفكار وتتأكد، ومن خلال التراكم الفكري بدأت التجارب المصرية في التعامل مع هذه الأدوات بصورة أوضح.
فإذا عدنا إلى الدورة الأولى نستكشف نقطة انطلاق العروض المصرية نحو التجريب قبل استقراء المسرحيين لما تقدمه الفرق الأجنبية الوافدة.
تأتي تجربة «دقة زار» لمحسن حلمي بوصفها نموذجا مهما، تكشف كيف تغيرت طريقة التفكير في المادة المسرحية. فالعمل اتجه إلى البحث عن مسرح مصري أصيل من خلال الزار، والحاوي، والقهوة البلدي، والأغاني الشعبية القديمة. فبدت مناطق القوة تظهر في توظيف جماليات الحركة وفي المشاهد التي يقل فيها الحوار، حيث يصبح بالإمكان إنتاج التأثير المسرحي من خلال الحركة والإيقاع والصورة بدلا من الكلام.
وقد ظهر اهتمام بجماليات الحركة وجسد الممثل في عروض مسرح الطليعة في تلك الدورة، لكن الدراما الحركية بقيت جزئية ومختلطة بالحوار.
شهدت الدورة الثالثة عام 1991 نقطة تحول مبكرة مع عرض «اللعبة» للمخرج منصور محمد، الذي اعتمد على تكوينات جماعية وارتجال ومونتاج مسرحي، مع انتقال بين حالات وصور بدل الشخصية النفسية المكتملة، حيث سبق الجسد والإيقاع الحبكة التقليدية.
وفي الدورة السادسة عام 1994 قدم وليد عوني عرض «اجاثا» الذي اعتمد بشكل أساسي على الرقص الحديث، وهو أول نموذج ناضج للدراما الحركية المصرية داخل المهرجان، حيث قدم رقصا حديثا خالصا. وقدم انتصار عبد الفتاح عرض «كونشرتو» الذي أسس لعلاقة حميمية بين الآلة الموسيقية والإنسان عبر الجسد والصوت والإيقاع.
وكانت الدورة العاشرة عام 1998 محطة فارقة بتقديم انتصار عبد الفتاح عرض «مخدة الكحل»، الذي فاز بأفضل عرض متكامل، وكان أول عرض مصري يحقق هذا الإنجاز. اعتمد العرض على مسرح صوتي بوليفوني، حيث قادت الموسيقى والإيقاعات والأصوات البشرية حركة الممثلين متجاوزة حاجز اللغة، فكتب الجسد والصوت نصا موازيا متكاملا.
الألفية الثانية
وفي الألفية الجديدة اتسع هذا الاتجاه، وأصبح الجسد أكثر حضورا في تجارب الرقص المسرحي الحديث، كما ظهرت محاولات لدمج الصورة والحركة بالموروث الشعبي والأسطورة والفنون البصرية.
استمرت الدراما الحركية بقوة عبر أعمال وليد عوني مثل «سترة النجاة تحت المقعد» و«تحت الحصار» و«الخروج إلى النهار»، كلها تعتمد على التشكيلات الراقصة المعقدة والصورة والموسيقى لمقاربة قضايا المقاومة والعنف والوجود.
واستمر انتصار عبد الفتاح في دمج الفنون الشعبية مع الجسد في عروض مثل «رادوبيس». كما ظهرت تجارب أخرى اعتمدت على الصورة والتشكيل أكثر من الحوار الكثيف، مما شكل مرحلة نضج متزايد لهذا المسار.
في عام 2019، قدمت كريمة بدير عرض «بهية» الذي حول الموال الشعبي إلى لغة جسد وصورة، حيث حلّت الرقصات المتنوعة (التحطيب، الاحتفالي، الرومانسي، رقصة الذئاب) محل الكلمات في لحظات كثيرة. وقدم محمد الخشاب عرض «ديستوبيا» الذي مزج الحركة والأداء الجسدي مع الفنون البصرية والتقنيات الرقمية، وفي دورة الحظر عام 2020، ظهرت تجارب اعتمدت على الجسد والمكان أكثر من الحوار التقليدي، مما عزز من حضور هذا المسار.
قدم وليد عوني (2021) في عرض «دي?يليه” استجابة حركية احتفالية ساخرة لتجربة الجائحة، اعتمد فيها على الجسد المرن وابرز بهجة جماعية.
شهدت هذه الفترة بلوغ المسار المصري ذروته، ففي عام 2022 قدم محمد عبد الله عرض «هلاوس”، وهو عرض صامت يعتمد على المايم والمسرح الأسود، متجاوزا الحوار تماما. وفي عام 2024، قدم محمود الحسيني “ماكبث المصنع” في دراما حركية مكثفة اعتمدت على تشويه جسدي تدريجي ومونتاج بصري لنقل الصراع النفسي. وفي عام 2025، قدم وليد عوني “انتصار حورس” مع فرقة الرقص المسرحي الحديث، وهو عرض راقص درامي بالكامل، تحول فيه الجسد إلى نقوش متحركة وجداريات حية، مع دراماتورجيا بصرية وحركية تعيد كتابة الأسطورة.
كما قدمت سالي أحمد عرض «فريدا» كرحلة راقصة متعددة الشخصيات تجسد معاناة فريدا كاهلو عبر الجسد والموسيقى واللوحات البصرية، وقدمت كريمة بدير «رماد» كدراما راقصة مستلهمة من التراث، مع اعتماد الجسد والتشكيل الجسدي كأساس. كما استمرت عروض مثل «حيث لا يراني أحد» و»هل تراني الآن؟» في الاعتماد على الحركة الآلية والفضاء التفاعلي والصورة، مع حوار مختزل أو سريالي.
مما سبق نجد أن هذا المسار بدأ جزئيا، ثم تبلور بقوة مع وليد عوني منذ الدورة السادسة، واستمر كتيار رئيسي موازٍ على مدى أكثر من ثلاثة عقود. تميز بدمج الحركة مع الموروث (فرعوني، شعبي) والراهن، وبلغ نضجا عاليا في الأعمال الأخيرة حيث أصبح الجسد نفسه نصا حيا.
يكشف هذا التسلسل الزمني عن فارق مهم: العروض الأجنبية سبقت التجارب المصرية في الوصول إلى الاهتمام بتوظيف الجسد وسيطرة الرؤية البصرية. ومن ثم فإن القول بوجود تأثير أجنبي على هذا المسار المصري يبدو منطقيا، خاصة أن المهرجان أتاح للمخرجين المصريين الاحتكاك المباشر بتجارب وأساليب لم تكن شائعة بالدرجة نفسها في المسرح المصري.
أوجه التشابه والاختلاف
يلتقي المساران المصري والأجنبي في جعل الجسد والصورة والإيقاع والموسيقى عناصر أساسية في العرض، وفي السعي إلى تجاوز ما يمكن تسميته “مسرح الثرثرة الكلامية» . لكن الاختلاف يظهر في طبيعة استخدام هذه العناصر.
فالعروض الأجنبية اتجهت مبكرا إلى التجريد والتشكيل البصري والطاقة الأدائية، بينما ظل الجسد في التجربة المصرية مرتبطا في كثير من الحالات بمعنى اجتماعي أو نفسي أو أسطوري أو تراثي. لذلك لم يكن اختفاء الحوار عند المصريين مجرد حذف للكلام، وإنما كان غالبا استبدالا له بلغة أخرى تحمل الخصوصية المكانية والثقافية. فرغم أن التأثر المصري بالعروض الأجنبية كان واضحا في البدايات، فإن التجريب المصري استطاع أن يتحول من استلهام شكلي إلى مشروع مسرحي قائم بذاته، يحافظ على هويته المحلية مع انفتاحه على الأدوات العالمية، مما جعل هذا المسار واحدا من أنضج مسارات التجريب في المهرجان المصري عبر تاريخه الممتد لأكثر من ثلاثة عقود.