نشيد الهوى!

نشيد الهوى!

العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026

أزمة الممثلين المفصولين من الفرقة القومية، توقفت فجأة دون سابق إنذار! ولعل توقفها كان مؤقتًا بسبب العرض المسرحى الجديد «نشيد الهوى»، بوصفه العرض السادس فى تاريخ الفرقة. والإعلان عنه حمل بعض المعلومات منها: إنه سيعرض على مسرح دار الأوبرا الملكية، ابتداء من الأحد 5 إبريل إلى الثلاثاء 17 إبريل. والمسرحية ذات مقدمة وثلاثة فصول وختام، تعريب الدكتور «محمد عبد السلام الجندي»، من إخراج «زكى طليمات» خريج مسرح الأوديون ويمثل دور الأسقف توم، بالاشتراك مع زينب صدقى تمثل كافالين ريتا، وحسين رياض يمثل دى روشار.
ويشترك فى التمثيل: روحية خالد، فردوس حسن، نجمه إبراهيم، أنور وجدى، زكى رستم، فتوح نشاطى، فؤاد شفيق، فؤاد فهيم، عمر وصفى، محمود رضا. أسعار الدخول خالصة ضريبة الملاهي: بنوار 120 قرشًا، لوج أول 80 قرشًا، لوج ثان 60 قرشًا، ممتاز 20 قرشًا، مخصوص 15 قرش، ستال 12 قرشًا، بلكون 10 قروش، أعلا 7 قروش. تُطلب التذاكر يوميًا من شباك الأوبرا من الساعة 9 صباحًا إلى الساعة الواحدة، ومن الرابعة بعد الظهر، تليفون 1793، ترفع الستار الساعة 8 و45.
بعد العرض كتب «عزيز» - الناقد الفنى لمجلة «الكشكول» - مقالة، قال فيها: «نشيد الهوى» قصة غرام عنيفة نشأت بين قسيس طاهر القلب، ومغنية طاهرة القلب أيضًا. أما طهارة قلب القسيس، فإن المؤلف يكشف عنها منذ بداية الرواية، إذ يحدد للمشاهد أخلاق ذلك القسيس تحديدًا، فهو يرسمه أمينًا نقيًا محبًا للخير لا يسمح بالعدوان، ولا يرضى بأهون الرذائل فهو يغضب إذا اغتاب رجل أمامه رجلًا، كما أنه يحث الناس على البر بالفقراء.. هو قسيس قديس.. نلمس طهارته ونقاءه مند أن نراه لأول مرة، ومنذ أن نستمع لأول حديث يدور بينه وبين أيا كان! وأما المغنية، فالمؤلف يلقى بها أمامك على المسرح مغنية: تغنى فى الأوبرا، وتغنى فى الحفلات الخاصة، تراقص الناس وتغوص فى المجتمعات، تتعشق الشبان، وتعاشر الكهول، وتشرب الخمور، ولا تعف عن الفحشاء، ثم ينير لك المؤلف شئيًا من ماضيها فإذا بها تنشأ فتاة فقيرة يوهمها شاب بأنه يحبها فلا تكاد تصدق أنه يحبها حتى تراه يبيعها لغيره، ولا تفتأ تنتقل من يد إلى يد، ومن عاشق إلى عاشق، حتى تستطيع يومًا أن تقف على قدميها حرة الاختيار تنتقى بنفسها لنفسها العشيق الذى تراه أجدى عليها وأربح! هى إذن واحدة من هؤلاء اللواتى عرفن الحب مرة ثم قتلته بعد ذلك فى نفوسهم، وعشق من غير أمل فيه، يتمنينه ولكنهن لا يرجونه ولا يخيل لهن أنه سيتحقق أمام أعينهن يومًا.
امرأة كهذه يحكم عليها الناس عادة بالشر ولكن المؤلف أراد أن يحول حكم الناس على أمثالها إلى جهة الخير، ولقد جعل طريقه إلى هذا أن يكبر من هذه المغنية إكبارًا، وأن يرسل من نفسها أنوار الفضيلة والعفة والإخلاص والحب والطهر.. ألقى فى نفسها عشق ذلك القسيس فإذا هى تهواه حقًا، وإذا بالهوى آخر الأمر يسمو بنفسها إلى نوع من الرهبانية والنفور من الحياة وسرور الحياة، فهى تغوى التمثيل والغناء، وتهب أموالها جميعًا للفقراء، وتقضى ما بقى من أيامها فى بيت كالصومعة، لا تذكر إلا الله، والحبيب القسيس.. كان ذلك بعد أن يأس العاشقان من تيسر الهناء لهما فى الدنيا.. ولقد وصل المؤلف إلى ما كان يرمى إليه من تبرئة بطلته، وإظهارها فى مظهر الطهر والقداسة، ولكنه أيضًا إلى شيء أكثر من هذا.. فإنه لم يقنع نظارته فقط بما يراه، دائمًا خلق إلى جانب البطلة من خياله بطلًا آخر، يؤمن كل الإيمان بما تنطوى عليه نفسها من الخير، على علمه بما تدنس به مسلكها من شر ذلك هو عشيقها أو خليلها السابق على القسيس.. فهذا العشيق الشاب الغر.. وهذا فى الحق موقف غريب قد لا يتخذه فى الحياة العادية عاشق، ولكن المؤلف كأنه أدرك هذا، فجعل ذلك العاشق الكهل محبًا للفتوى، نصيرًا لأهل الفتون، منفقًا الكثير من ماله على الآيات الفنية الخالدة، فهو إذن ذو نفس غير نفوس الناس، وهو إذن ذو إدراك أسمى من إدراك الناس وهو إذن ذو حس أشرف من إحساس الناس.. هذه هى القصة!
وتحت عنوان «التمثيل»، قال الناقد: المغنية هى بطلة القصة، والقسيس هو محور القصة، والصديق هاوى الفن هو مجرى القصة فهو الذى يدير حوادثها وهو الذى يوجه مواقفها، وهو الذى يحل مشاكلها.. ولقد لعبت زينب صدقى دور «المغنية» فكانت أشد ما كانت تأثيرًا فى النفوس، فهمت دورها فهمًا تامًا، وأحست شخصيته إحساسًا تامًا، وأن شخصيتها الجديدة هذه لأقرب الشخصيات إلى خيالها. ولم تتكلف زينب شيئًا فى دورها هذا. ولذا فقد سمت به سموًا قد تكون مشتاقة إليه من يوم «غادة الكاميليا»، فخلدت فى هذا الدور من غير شك. أما زكى طليمات فقد أفسح الطريق لزينب فى هذه القصة فلم يكن فى دور القسيس يريد أن يخرج على طبيعة دوره، فقد حرص على أن يكون «محورًا». وأما حسين رياض فلم يستطع أن يخفى نفسه فقد ظهر على الرغم من هدوء دوره.. هو ممثل قوى لا يستطيع أن يضعف حتى إذا أراد.
أما ناقد جريدة «أبو الهول» فنشر مقالة - عن العرض فى منتصف إبريل 1936 - جاء فيها بتفاصيل دقيقة عن المسرحية، قائلًا: نشيد الهوى، أو عبير الهوى.. هو منديل الحبيبة وبضع زهرات من البنفسج احتفظ بها محب واله مدى خمسين عامًا يتنشق عبيرها الذى يثير ذكرياته الحلوة والمريرة على السواء، وأما المحب فهو «القسيس توم أرمسترونج» وأما المحبوبة فهى «الكافالليني» مغنية الأوبرا الإيطالية التى التقى بها يومًا ما فى حفلة خاصة عند المركيز «دى روشار». ودعك من مقدمات الحب ومن محاولة القس توم أن يدفع عنه أذاه، لكن جمال ذلك الحوار الذى خلق الحب فى نفسين بعيدين كل البعد عن أن يتحابا ويتألفا نقول إن جمال ذلك الحوار يدفعنا لأن نقف ذاهلين معجبين بذلك الانتقال البديع من حال إلى حال، والمهم أن القلبين تحابا لكنهما ما كادا يخطوان الخطوة الأولى فى طريق الحب والسعادة حتى ألفيا الطريق كله أشواكًا وعقبات، فالقسيس بروستانتى والمغنية كاثوليكية، والناس فى ذلك العهد لا يسيغون اجتماع بروتستانتى ومؤمنة ومن ثم فقد قام الكل بواجبه فى هذا السبيل، واضطرت المغنية أمام إلحاح المركيز دى روشار أن تقطع الصلة بينها وبين القس توم، لكنها قطعتها بعنف إذ اعترفت له بماض مخجل يزرى بها وبكرامتها وإن كان أغلبه صدقًا إلا أن بعضه كذب! وقد أرادت بالكذب أن تعطى من نفسها صورة يشمئز منها المحب فيستطيع أن يتعزى عن البعد عنها فقد نجا من آثام مجرمة، ومع ذلك فلم يكن الفراق هينًا ولا سهلًا فقد اضطربت حياة توم وتبعها بعد بضعة أسابيع إلى حيث تقيم ليعترف لها صراحة بحبه الآثم، أجل ليعترف لها بأنه لا يحب نفسها فقط وإنما هو يحبها ويحب جسدها! وعندئذ تدفعه عنها وتطلب إليه أن يظل طاهرًا قديسًا بينما يطلب إليها هو أن لا تكون لغيره مدى الأيام فتطلعه على خطاب كانت قد كتبته له قبل أن يأتى ولم تبعث له به بعد فيرى فيه أنها تقول له ذلك وتحرم نفسها على الرجال جميعًا، ويعود القس توم من حيث أتى مضطرب النفس والقلب، وأما الكافاللينى فإنها تعود إلى بلدها وقد برح بها الحب والجوى بحيث لم تجد معه مجالًا لأن تواصل عملها ورأت أن تنزل عن كل شيء فى الدنيا وتعتزل العالم وأضواء المسرح و إعجاب المعجبين لتموت فى ركن من أركان بيتها المتواضع بعد خمسين عامًا من ذلك الحادث الجلل فى تاريخ حياتها. 
أما القس توم فقد واصل حياته بحالة عادية بعد ذلك وتزوج وأنجب أولادًا وأخلف له الأولاد أحفادًا، واليوم هو يقف تجاه أحد أحفاده هارى الذى يريد أن يتزوج من ممثلة أحبها، فالقس توم يعترض على حفيده وعلى تعلقه بفتاة مسرحية لها ماض ملوث ولها دنيا خاصة تعيش فيها ثم يضرب له مثلًا بنفسه وكيف لم يمكن أن يجتمع قلبه بقلب من يحبها وكيف كان ماضيها وكيف كان تصرفها منه، ثم يطلب إليه أن يكون حكيمًا كجده ويكبح جماح هواه! لكن الحفيد كان عنيدًا جدًا، ومع ذلك فإن القصة لم تكد تنتهى حتى يستمع الجد الكهل توم إلى أخبار الصحف التى تنقل إليه بعد خمسين عامًا نبأ وفاة الكافاللينى بعد أن اعتزلت العالم وأنفذت وعدها. وعندئذ تبين توم مقدار قوة تلك النفس التى كان يحتويها جسد تلك المغنية الآثمة، كم قاست هذه المغنية المسكينة فى سنواتها الخمسين التى عاشتها بعيدة عن العالم؟ الله وحده يدري!؟ وإذن فهى كانت تستحق حبه وإعزازه وإكرامه ومن يدرى من أى صنف حبيبة «هاري» حفيدة العزيز لعلها من صنف الكافاللينى وطينتها، وإذن فليتزوج هارى من ممثلته أيا يكون صنفها فإن الحياة لا تحتمل هذه المآسى المتكررة وليس من العدل أن يموت قلبان كما مات قلبهما أو يعيشا هذه العيشة المريرة التى يملأها الأسى وتحوطها الأحزان.
وتحت عنوان «الإخراج» قال الناقد: كان الإخراج جميلًا وموفقًا أكثر التوفيق، لكن لنا بضع ملاحظات بسيطة سيرى المخرج أنه يمكن تلافيها على أهون سبيل: (1) - الرواية طويلة جدًا بحيث انتهت فى الليلة الأولى من تمثيلها حوالى الساعة الواحدة والنصف فكان يجب اختصار بعض الديالوجات الطويلة دون إخلال بالرواية وكما فعل المخرج مع شكسبير فى تاجر البندقية فلماذا لم يفعل مع هذين المؤلفين وهما أقل شأنًا بكثير من شكسبير. (2) - كان المفهوم أن تبدأ الرواية الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعون فما معنى أن يتأخر البدء خمس عشرة دقيقة لغير سبب معقول، مع أن الرواية طويلة وكان يحسن التقدم بها فى بدء العرض لا التأخر. (3) – وبما أن الرواية طويلة فكان يجب الاقتصار على جعل المنظر الأول والأخير عبارة عن ستارة قاتمة اللون بل أن المنظر الأول والأخير يجب جعلها ستارة من هذا النوع حتى ولو لم تكن الرواية طويلة، ذلك لأن المفروض أن القس توم يقص قصته على حفيده. فما معنى أن ينتظر ذلك الحفيد وننتظر معه نحن المتفرجين مدى نصف ساعة حتى يغيروا المنظر الثابت بمنظر آخر ثابت؟ فلو كان المنظر عبارة عن ستارة كما تطلب لما احتاج تغيير المنظر لبضع ثوان وحينئذ يكون وقع الحديث أجمل وأوقع. (4) - أراد المخرج أن يشغلنا عن التأخير الطويل ريثما يغيرون المنظر الأول بستار جميل أظهره بمثل سماء ملبدة بالغيوم تمر بها سحب بيضاء وأننا لنعترف أن المنظر كان جميلًا جدًا وساحرًا وخاصة منظر السحب، لكن.. أجل لكن كانوا يغيرون المنظر من خلفه ومن ثم أضاءوا الثريات فانكشف المنظر وضاع تأثيره وضحك المتفرجون ملء أشداقهم! (5) - كانت موسيقى الافتتاح مملة لطولها، ولم أفهم هذه الأنغام الحزينة الفاترة ونحن مقبلون على شهود أفراح الحياة فى ليلة عيد الميلاد، ودعك من ذلك الحديث الذى أراده القس أن يكون حزينًا وهو غير جدير بالحزن فمن قال إن تذكر حب بعد خمسين عامًا يوجب الحزن والبكاء. (6) – لا بد أن نعترف للمخرج بجمال منظر الحفلة وجمال ترتيب الصالون وكذلك بيت القس وأيضًا منظر غرفة الكافاللينى فى الفندق وعلى أى حال فقد كان المخرج ناجحًا فيما عدا ما ذكرنا من ملاحظات وهى ملاحظات هينة الإصلاح. ولا شك أن الموسيقى قد أتعبتنا وخاصة ما عزف منها أثناء تغيير المنظر فكأنه لم يكفنا ما تجرعناه! 
«فؤاد فهيم» - جون - كان صوته تعبًا ومع ذلك فقد كان بارعًا فى كلماته القليلة وحركاته فى حالة دخوله المسرح أو خروجه منه. «زيزى عثمان» - مارى - لا ريب أن خير دور أدته زيزى منذ دخلت الفرقة بل منذ مثلت على المسرح هو هذا الدور هو على قلة كلماته كان يوافق مزاجها وشخصيتها وطفولتها! «روحية خالد» - سيزيت - كانت رشيقة أنيقة ظريفة بارعة، وكان دورها مقتصرًا على بضع كلمات أو على القراءة فى إحدى الصحف ومع ذلك فقد كانت حركاتها وسكناتها وحوارها الصغير مع جدها دليلًا على مقدرتها ونجاحها وتفوقها. أما بقية الممثلين، فقد قام بعضهم بأدوارهم بحالة توجب الرضى وهم: «آمال حلمي» فى دور مس ستانل، و«إبراهيم أبو العينين» فى دور خادم، و«أحمد صادق» فى دور خادم، و«سلامة إلياس» فى دور الشاب الثالث، و«شفيق نور الدين» فى دور جروم، و«صلاح الدين» فى دور الشاب الثانى، و«يحى شاهين» فى دور خادم، و«إحسان أحمد» فى دور الشابة الأولى غير إننا نوجه نظر المخرج إلى أن الشاب الثانى والثالث لم يحسنا الأخذ بأيدى السيدات حالة خروجهم جميعًا من القاعة ونزولهم إلى غيرها فارتفع كل منهم بيد زميلته ارتفاعًا مضحكًا والواجب أن يكون الارتفاع إلى حد معقول. 
وتحت عنوان «التعريب»، قال الناقد: نود أن نهنئ الأستاذ الدكتور محمد عبد السلام الجندى بك على حسن اختياره وجمال تعريبه لهذه الرواية فى لغة سهلة أنيقة العبارة جزلة اللفظ ولا عجب فالأستاذ عبد السلام من خيرة كتابنا وهو أديب بارع. ولا زلنا نذكر له منذ خمسة عشر عامًا رواية «طاحونة سفاريا» التى نجح أيضًا فى اختيارها وتعريبها بحيث نالت نجاحًا كبيرًا عند تمثيلها على مسرح رمسيس وقتذاك رغم أنها كانت فصلًا واحدًا فقط! فنرجو للمعرب دوام التوفيق فى الاختيار وبراعة التعريب وجماله.


سيد علي إسماعيل