كثيرًا ما شغلني، وأنا أتابع المسرح والسينما ناقدًا، سؤال بسيط في ظاهره، وهو: هل كل التمثيل في العالم هو نفسه؟أعرف أن مدارس التمثيل الكبرى صارت عابرة للحدود. فستانسلافسكي وبريخت وغروتوفسكي وغيرهم لم يعودوا ملكًا لثقافة بعينها. يتعلمهم الممثل في القاهرة كما يتعلمهم في طوكيو أو نيويورك. وقد يكون التمرين واحدًا، والمدرسة واحدة، والنص واحدًا.ومع ذلك، يظل هناك شيء مختلف. شيء لا تصنعه المدرسة وحدها.إنها الجغرافيا.لا أقصد جغرافية الحدود والجنسيات، ولا أن هناك «تمثيلًا مصريًا» وآخر يابانيًا وثالثًا أمريكيًا. وإنما أقصد المكان الذي عاش فيه الممثل قبل أن يصبح ممثلًا، البيت، والشارع، والمدينة، وطريقة الناس في الكلام والحركة والاقتراب والابتعاد، وكل ما شكّل علاقته الأولى بالعالم.فالممثل لا يدخل مدرسة التمثيل بجسد محايد. يدخلها بجسد عاش سنوات طويلة قبل أن يعرف أنه يتدرب.وهنا تصبح الجغرافيا جزءًا من تكوين الأداء، لا بوصفها أسلوبًا جاهزًا، وإنما بوصفها أثرًا في الجسد.قد يتعلم ممثلان التمرين نفسه، لكنهما لا يؤديانه بالجسد نفسه. وقد يؤدي ممثلان الشخصية ذاتها، وفق المنهج نفسه، لكن لكل منهما إيقاعه، وصوته، ونظرته، ومسافته من الآخر. فالمدرسة تصوغ الجسد، لكنها لا تبدأ من الصفر.وهنا يحضرني ممثلنا الذي صار عالميًا، عمر الشريف، الذي خرج من مصر إلى السينما العالمية، وعمل في ثقافات ولغات ومدارس مختلفة، وصار «لورنس العرب» و»يوري زيفاجو» وغيرهما. لكنه لم يتحول إلى ممثل بلا جغرافيا. ظل في حضوره شيء من المكان الأول.ثم عاد... عاد إلى السينما المصرية في «أيوب»، ومن بعده «الأراجوز»، ومن بعدهما «المواطن مصري».لكن هل عاد عمر الشريف الذي غادر مصر؟أظن أن الإجابة لا.وكذلك لم يعد الممثل الهوليوودي وحده. لقد عاد عمر الشريف الذي عبر العالم.وهنا تكمن المفارقة الجميلة. فحين عاد إلى الشخصية المصرية، لم يستطع أن يمحو السنوات التي عاشها خارج مصر، كما لم تستطع هوليوود أن تمحو مصر التي صنعته أولًا.لقد عاد بجغرافيتين، على الأقل.وهذا ما نراه، بدرجات مختلفة، لدى ممثلين عالميين مثل شون كونري ومايكل كين وغيرهما الكثير. فمهما اتسعت تجربتهما، ظل في الصوت والحضور والإيقاع أثر من المكان الذي خرجا منه. ليس لأنهما كانا يؤديان «تمثيلًا اسكتلنديًا» أو «لندنيًا»، وإنما لأن الإنسان لا يغادر بيئته تمامًا حين يغادرها بجسده.وربما لهذا لا تكمن خصوصية الممثل في المدرسة التي تعلم فيها وحدها، وإنما في الحياة التي سبقت المدرسة.فالتمثيل يمكن أن يكون عالميًا، لكن الممثل لا يأتي إلى العالم من فراغ.يأتي من مكان، ثم يسافر.وكلما سافر، أضاف إلى جغرافيته مكانًا جديدًا، من دون أن يمحو، بالضرورة، المكان الأول.ومن هنا، كان السؤال الذي يشغلني دومًا» ماذا تفعل الجغرافيا بالممثل»؟والإجابة التي أميل إليها، بعد سنوات من مشاهدة الممثلين، هي أن الجغرافيا لا تسكن حول الممثل فقط، وإنما تسكن فيه.بل ربما نستطيع أن نذهب خطوة أبعد، فنقول إن الممثل نفسه هو جغرافيا.جغرافيا من الأماكن التي وُلد فيها، وعاشها، وغادرها، وعاد إليها، والأماكن التي عبر إليها ولم يعد منها كما كان.وحين يصعد إلى الخشبة، أو يقف أمام الكاميرا، لا يأتي