العدد 989 صدر بتاريخ 10أغسطس2026
يؤمن الفنان أحمد وفيق بأن المسرح ليس مجرد محطة فى مشواره الفنى، بل هو الجذر الذى انطلقت منه رحلته، لذلك جاء تكريمه من المهرجان القومى للمسرح المصرى، وفى مسقط رأسه المنصورة، ليحمل معنى خاصًا لا يشبه أى تكريم آخر.
فى حواره لمسرحنا، يتحدث وفيق عن أثر البيئة التى نشأ فيها بين الريف والمدينة، ودور الأسرة فى تشكيل شخصيته، وأهم المحطات التى صنعت تجربته، وعلاقته بأساتذته الكبار، ورؤيته للمسرح، ولماذا لا يزال يمارس الفن بروح الهواية رغم سنوات الاحتراف.
تكريم الفنان فى مسقط رأسه له طعم مختلف.. ماذا دار فى ذهنك لحظة إعلان تكريمك فى المنصورة ضمن فعاليات المهرجان القومى للمسرح؟ وكيف ترى هذه اللحظة مقارنة بأى تكريم آخر؟
كان التكريم مفاجأة بالنسبة لى، لأننى لم أكن أنتظره. صحيح أننى ابتعدت عن المسرح منذ فترة، لكنه كان ولا يزال الأساس فى حياتى الفنية، حيث بدأت من مسرح الطفل، ثم مسرح الجامعة، والثقافة الجماهيرية، ومسرح الدولة، والقطاع الخاص.
وأسعدنى أن هناك من يقدّر ما قدمته للمسرح بعيدًا عن أى اعتبارات أخرى، وهذا فى حد ذاته شرف كبير.
كما أن التكريم جاء من المهرجان القومى للمسرح المصرى، وهو أمر له قيمة كبيرة لدى أى فنان يعرف مكانة المسرح.
وأشكر اللحمة العليا للمهرجان، والفنان محمد رياض والدكتور عادل عبده.
أما فكرة إقامة التكريم فى المنصورة، فكانت رغبة مشتركة بينى وبين الكاتب وليد يوسف، لأنه أيضًا من المكرمين.
نحن مولودان فى اليوم والشهر والسنة نفسها، وكانت بداياتنا معًا فى مسرح الثقافة الجماهيرية والجامعة، لذلك تمنينا أن يكون التكريم فى بلدنا ليكون حافزًا لأبناء المنصورة.
وعندما عُرض الاقتراح وافقت فورًا، خاصة بعد علمى بحضور وزير الثقافة.
تحدثت فى الكتاب الصادر عنك، عن تأثير البيئة المزدوجة بين الريف والمدينة فى تكوين شخصيتك. كيف انعكس ذلك عليك؟ وما دور الأسرة فى احتضان موهبتك؟
العيش بين المدينة والقرية منحنى تنوعًا فى الثقافة والرؤية. كنت أعيش بين المنصورة وطلخا، وهما متداخلتان مثل القاهرة والجيزة، وهذا صنع شخصية مختلفة تجمع بين أكثر من ثقافة.
كما أننى عشت فترة فى الخليج، وهناك تعرفت على جنسيات عربية مختلفة، واطلعت على الدراما العربية، وكان الاهتمام بالمسرح والفنون التشكيلية فى المدارس كبيرًا جدًا. وكذلك حفظ القرآن الكريم فى الصغر أفادنى كثيرًا، خاصة فى أداء اللغة العربية الفصحى على المسرح.
أما أسرتى، فقد كانت تشجعنى فى البداية، لكن عندما قررت احتراف الفن رفض والدى الفكرة خوفًا عليّ من الفشل والابتعاد عن الأسرة. وكانت هذه أول مرة أخالف فيها رأيه، وظل هذا الأمر يؤنب ضميرى لفترة طويلة وأثر فى ثقتى بنفسى، لكن عندما نجحت شعرت أن رضاه عنى هو النجاح الحقيقى.
كيف أسهم المسرح المدرسى وقصور الثقافة فى تشكيل بداياتك الفنية؟
بدايتى كانت فى الخليج من خلال مسرح الطفل. وأرى أن النشاط الفنى للأطفال ليس مجرد ترفيه، بل هو وسيلة لحماية الطفل وتوجيه طاقته بشكل صحيح، ثم يأتى بعد ذلك دوره فى بناء الوعى والثقافة.
للأسف، لم يعد المسرح المدرسى يحظى بالاهتمام الكافى، سواء بسبب ضعف الإمكانيات أو عدم إدراك أهميته.
بدأت بالرسم والتقليد قبل التمثيل.. كيف أثر ذلك فى رؤيتك كممثل؟
التقليد كان يمنحنى ثقة وتشجيعًا من الناس، لكن الرسم كان له تأثير أعمق. فقد منحنى رؤية بصرية مختلفة، وأصبح لدى إحساس بالفراغ المسرحى وحركة الجسد، وأصبحت أرى نفسى وأنا أمثل. هذا انعكس أيضًا عندما أخرجت عروضًا مسرحية فى الجامعة أو صممت ديكورات، فكانت لدى رؤية خاصة.
خضت تجربة الكتابة والصحافة أيضًا.. ماذا أضافت لك؟
قبل عملى فى الصحافة كنت أعد وأقوم بتعريب نصوصًا مسرحية. ثم بدأت كتابة التقارير المسرحية فى جريدة الوفد،
وبعد فترة طُلب منى كتابة النقد المسرحى، كل هذه التجارب عمقت فهمى للنصوص، لأننى كنت أتعلم كل عناصر المسرح، من التمثيل والإعداد إلى الإضاءة.
كيف كانت تجربة الانتقال من المنصورة إلى القاهرة؟
كانت من أصعب مراحل حياتى. لم أكن معتادًا على الابتعاد عن أسرتى، لذلك أصبحت شخصًا متوترًا، وظللت لفترة طويلة غير قادر على التكيف مع القاهرة. وبعد سنوات، ومع الاستقرار والزواج، أصبحت أشعر أنها بيتى. كثيرون يظنون أننى انطوائى، لكن الحقيقة أننى فقط أحتاج وقتًا حتى أتأقلم مع الناس.
ماذا تعلمت من تجربة العمل مع فرقة “مسرح الفن”؟
البداية الحقيقية للاحتراف كانت مع “استوديو 80” بقيادة الأستاذ محمد صبحى والأستاذ لينين الرملى، ثم انتقلت إلى القطاع العام. أما “مسرح الفن” مع الأستاذ جلال الشرقاوى فكان مرحلة الاحتراف الحقيقية، حيث عملت معه فى ثلاثة عروض، ومنحنى مساحة كبيرة للتفكير والإبداع والعمل مع نجوم كبار، وهو ما جعل جيلى يلتفت إلى تجربتى.
ما أهم ما تعلمته من الفنان محمد صبحى والمخرج جلال الشرقاوي؟
لم تكن نصائح مباشرة، بل كانت دروسًا من خلال العمل،
من الأستاذ محمد صبحى تعلمت الالتزام بالفن والتمسك بالقيمة، وأن يكون للفنان رسالة يحافظ عليها.
أما الأستاذ جلال الشرقاوى، فتعلمت منه المرونة، وأن يستطيع الممثل أن يبدع حتى فى الأعمال التى قد لا يكون مقتنعًا بها بالكامل.
رغم سنوات الاحتراف، ما زلت تؤكد أنك تمارس الفن بروح الهواية.. كيف تحافظ على هذه الروح؟
الأمر ليس سهلًا، لأن ليس كل من يعمل فى المجال يتعامل بالشغف نفسه. أحيانًا تُعرض عليّ أعمال لا أحبها، وأشعر أننى لم أقضِ كل هذه السنوات فى الكفاح حتى أقدمها، حتى لو كانت تحقق عائدًا ماديًا كبيرًا.
قد ينتقدنى البعض بسبب ذلك، لكننى أشعر بالرضا. وعندما تحترم نفسك يحترمك الناس. صحيح أن سوق الفن يتغير باستمرار، لكننى متمسك بالطريقة التى أؤمن بها، لأنها تحافظ على احترامى لنفسى فى كل وقت.
تضمن الكتاب رسائل محبة كتبها أصدقاء وزملاء لك.. أى هذه الرسائل كانت الأقرب إلى قلبك؟
فى الحقيقة، لم أطلب من أى شخص أن يكتب عنى. وعلى العكس، هناك أصدقاء مقربون بدأت معهم الرحلة الفنية، مثل الفنان باسم سمرة، ولم يكتبوا عنى. أما كل من شارك برسالة فى الكتاب فهم أصدقاء أعزاء على قلبى، وشعرت وكأن كل واحد منهم كتب جزءًا من حكايتى، حتى اكتملت الصورة.
لكن تبقى لكلمات أساتذتى مكانة خاصة وتأثير مختلف، خاصة الفنان صلاح عبد الله والمخرج الكبير خالد يوسف، لأنهما شاهدا بداياتى عن قرب. فقد عملت مع الفنان صلاح عبد الله على المسرح منذ سنواتى الأولى، وكان بجواره أيضًا الفنان أحمد آدم، كما شاركت مع المخرج خالد يوسف فى أولى تجاربه السينمائية من خلال فيلم «العاصفة»، لذلك كانت شهاداتهما بالنسبة لى ذات قيمة كبيرة ومؤثرة.