المكان لم يعد مجرد إطار يحتضن الأداء، بل أصبح عنصرًا قادرًا على التأثير فى إيقاع العرض، وطبيعة الحركة، وعلاقة الممثل بالجمهور، بل وفى الطريقة التى يتلقى بها المشاهد الحدث نفسه. لا تنفصل هذه التجارب عن تحولات كبرى شهدها المسرح العالمى منذ النصف الثانى من القرن العشرين؛ فـ«بيتر بروك» فى كتابه «المساحة الخالية» يؤكد أن أى مكان يمكن أن يصبح مسرحًا متى قامت العلاقة الحية بين الممثل والمتفرج، بينما ينقل «جيرزى جروتوفسكى» مركز الثقل من المنظر المسرحى إلى طاقة الممثل فيما عرف بـ«المسرح الفقير». أما ريتشارد شكنر فينقض الحدود التقليدية بين فضاء الأداء وفضاء المشاهدة عبر مفهوم «المسرح البيئى»، فى حين ينظر «باتريس بافيس» إلى الفضاء المسرحى بوصفه نظامًا من العلامات ينتج المعنى، ولا يكتفى باحتضان الحدث. وقد كشفت بعض من عروض التجارب النوعية هذا العام عن اهتمام واضح بالبحث فى إمكانات الفضاء المسرحى، وإن اختلفت نتائج هذا البحث من عرض إلى آخر. فبعض المخرجين اكتفى بتغيير موقع العرض، بينما ظل أسيرًا لآليات المسرح التقليدى فى بناء الصورة وإدارة الحركة. فى المقابل، نجحت عروض أخرى فى استثمار المكان بوصفه جزءا من رؤيتها الإخراجية، فانعكس ذلك على أداء الممثلين، ووضعية المتفرجين، وبناء المشهد، وأصبح المكان نفسه حاضرا فى صناعة المعنى، لا مجرد خلفية تدور أمامها الأحداث. ولم يكن الانتقال إلى قاعات أو ساحات أو فضاءات غير تقليدية هو الإنجاز فى حد ذاته، لأن قيمة التجربة لا تُقاس باختيار مكان مختلف، وإنما بقدرة صناع العرض على توظيف هذا المكان دراميًا.ومن خلال متابعة عروض المهرجان، يمكن رصد تباين واضح فى التعامل مع الفضاء المسرحى؛ إذ بدت بعض التجارب أكثر وعيًا بطبيعة المكان وإمكاناته، بينما تعاملت تجارب أخرى معه باعتباره بديلًا لمسرح العلبة الإيطالية دون أن تستثمر خصوصيته. ومن هنا جاءت أهمية الوقوف أمام هذه العروض، ليس بهدف المفاضلة بينها، وإنما لمحاولة قراءة الكيفية التى تعامل بها كل مخرج مع الفضاء، ومدى نجاحه فى تحويله إلى عنصر مؤثر داخل التجربة المسرحية.كان عرض «القرد كثيف الشعر» لفرقة قصر ثقافة الجيزة، إخراج عبدالخالق أحمد، من العروض التى أدركت منذ البداية أهمية الفضاء فى بناء رؤيتها. فلم يُستخدم قبو السفينة باعتباره مكانًا تجرى فيه الأحداث فحسب، بل تحول إلى بيئة ضاغطة تعكس حالة الشخصيات النفسية والاجتماعية. وقد ساعدت المعالجة الدراماتورجية، التى استبعدت عالم الطبقة البرجوازية، على تركيز الاهتمام داخل هذا العالم المغلق، حيث وجد العمال أنفسهم محاصرين بين جدران خانقة وسقف منخفض وغرف ضيقة أشبه بالزنازين، فأصبح المكان شريكا فى تعميق الإحساس بالقهر الذى يعيشه الجميع ويؤخذ على العمل أنه لم يستغل الأغانى سوى فى حالة واحدة بنزول «ميناندر» السيدة التى ترمز للطبقة المتحكمة لتكون المعبر عن الطبقة التى تنتمى اليها داخل هذا المستوى الدونى (مستوى العمال ) تميزت الملابس بجودة التصميم والتعبير عن العمال وحياتهم البائسة وإدخال العمال فى النهاية لقفص مرئى لتأكيد التيمة والمعنى بشكل واضح على أنهم ليس إلا مجموعة من القردة. كما أسهمت الإضاءة باللونين الأحمر والأزرق، فى إبراز التحولات النفسية وجاءت الأزياء منسجمة مع البيئة التى تنتمى إليها الشخصيات، فلم تبدُ عنصرًا منفصلًا عن الصورة العامة. اعتمد الممثلين على الأداء الانفعالى والصوت المرتفع فى عدد من المشاهد أكبر من حاجة الموقف الدرامى، إلى جانب أن توزيع الحركة لم يراعِ دائمًا اختلاف زوايا الرؤية داخل فضاء العرض. تساؤل لماذا تتحرك الشخصيات منذ البداية كالقردة ولماذا ادخل المخرج السيدة معهم إلى القفص؟أما عرض «أنا والحمار وهواك» لفرقة قصر ثقافة روض الفرج، إخراج مجدى عبيد، فقد تعامل مع الفضاء المفتوح بوصفه امتدادًا لطبيعة المسرح الشعبى، لا مجرد مكان مختلف لتقديم العرض. فجاءت معالجة طارق عمار للنص أقرب إلى الواقع المصرى، حيث انتقلت الفكرة من سياقها الأصلى إلى بيئة محلية استطاعت أن تمنحها خصوصية جديدة. وساعد الفضاء المفتوح على خلق حالة احتفالية شاركت فيها الأشعار والاستعراضات والألحان، بينما بدا حضور بعض الرواة أقل تأثيرًا فى التواصل مع الجمهور، رغم أن هذا العنصر يمثل أحد أهم ركائز هذا النوع من العروض.وفى «حيث لا يرانى أحد» لقصر ثقافة برج العرب، إخراج أحمد عامر، اختفى الحاجز التقليدى بين الممثلين والجمهور بصورة واضحة. فقد جاءت مساحة الأداء وسط المتفرجين لتضع الجميع داخل الحدث، لا خارجه، وهو اختيار انسجم مع طبيعة النص أكثر مما بدا محاولة شكلية لتغيير مكان العرض. واستفاد المخرج من هذا القرب فى بناء عالم بصرى يعتمد على حركة الممثلين بوصفهم عقارب ساعة تدور داخل زمن متكرر، بينما أكدت الإضاءة هذا الإحساس بتبدل الزمن، وجاء الماكياج ليجرد الشخصيات من ملامحها الفردية، فتقدمت الفكرة على التفاصيل الشخصية. ومن أكثر ما يحسب لهذا العرض أنه اعتمد على أداء هادئ استطاع أن يشد انتباه المتلقى دون الحاجة إلى المبالغة أو الانفعال المفتعل.وفى عرض «العميان» لفرقة قصر ثقافة دمنهور، إخراج محمد أبوشعرة، اكتسب المكان حضوره من خلال الإحساس بالتيه أكثر من اعتماده على عناصر الديكور. فقد نجحت التشكيلات البصرية، والأزياء، والإضاءة، والكشافات المحمولة فى خلق عالم خاص يبحث أصحابه عن طريق لا يستطيعون الوصول إليه. لكن طبيعة النص كانت تستوجب قدرا أكبر من الاقتصاد فى الأداء؛ فالعالم الذى يعيشه العميان يقوم على الإصغاء قبل أى شىء آخر، وكان يمكن للهمس والصمت أن يتركا أثرًا أعمق من الاعتماد المتكرر على ارتفاع الصوت، تميز العمل بالملابس المعبرة التى تضغط على هذه الشخصيات وتكون جزءً أساسيًا من حياتهم ومن خلال الإضاءة المعبرة ووجود ممثلين يمتلكون أدواتهم، كما أن الموسيقى والغناء كانا من أكثر العناصر قدرة على التعبير عن الحالة الوجدانية للشخصيات.ويأخذنا عرض «تؤجل الجلسة.. وبعدين؟» لفرقة قصر ثقافة المحمودية، تأليف أحمد الملوانى وإخراج نور رامز، إلى تجربة اعتمدت على إشراك الجمهور فى أجواء المحاكمة منذ اللحظة الأولى. فلم يعد المتفرج يكتفى بمتابعة ما يدور أمامه، بل وجد نفسه جزءًا من المناخ الذى تتحرك فيه الشخصيات. وقد نجحت المخرجة فى استثمار أكثر من مساحة داخل مكان العرض، وهو ما منح حركة الممثلين قدرًا من الحيوية وساعد على استمرار الإيقاع. وكان لا بد من استخدام عنصرى التفكيك والتركيب كما يحدث فى جو النص نفسه وتميزت المخرجة فى استخدام معظم الأماكن بسرعة وحيوية واستخدام موسيقى سريعة كموسيقى المهرجين لتكون ساخرة.. وفى المقابل للأسف ظل ثبات بعض عناصر الديكور، وعلى رأسها السرير والحوائط، يقلل من مرونة الانتقال بين البيئات المختلفة، رغم ما بذل من جهد فى تحريك بقية العناصر.أما عرض «المتجر»، وهو معالجة لنص ليلة القتلة أيضًا، إعداد وإخراج أحمد الحرفة، فقد اعتمد على فكرة التحول المستمر داخل الفضاء المسرحى. فالمتجر الصغير لم يظل مكانًا ثابتًا بل تغيرت وظائفه تبعًا لتطور الحدث؛ إذ تحولت قطع القماش إلى قاعة للمحاكمة، ثم إلى توابيت تدفن الجميع داخلها، واكتسبت العرائس دلالات مرتبطة بالسلطة والقهر، فلم تعد مجرد مفردات ديكورية، بل أصبحت عناصر مشاركة فى المعنى. وقد نجح العرض فى توظيف هذه التحولات دون إفراط، فجاءت السينوغرافيا جزءًا من البناء الدرامى، لتتحول من مجرد أثاث إلى قاعة محكمة أو توابيت تضم الأحلام الموؤدة وخلق جو الرعب الذى حدث لهؤلاء الأبناء ما جعلهم يشكلون هذا العالم المرئى بكل ما فيه من معاناة وتحدٍ لإثبات قمع الإباء والمجتمع لهم.. نجح المخرج فى استخدام العرائس المعلقة بحزام حول كل شخصية.. تتغير بسرعة لنرى الأباء وقوة تأثيرهم على الأبناء من خلال هذه العرائس بملامحها الجامدة التى تعكس النظرة القاسية التى يرى بها الأبناء آباءهم، والتى أظهرت العلاقات المتجمدة بوجوه خالية من الروح والمشاعر، وكانت الوسيلة التى تستخدم لتفريغ غضبهم ومحاكاتهم لعملية القتل التى لم تتم.وفى «حكايات من رصيف المينا» تأليف: مسعود شومان وإخراج محمد دسوقى واختيار موقع العرض الذى ارتبطت أهميته من ارتباطه المباشر بعالم النص. فوجود العرض بجوار القناة لم يكن مجرد اختيار بصرى، وإنما منح الحكايات صدقًا يصعب تحقيقه داخل مسرح مغلق. فحين يتحدث الممثل عن البحر وهو يقف أمامه بالفعل.. يصبح الفضاء جزءًا من التجربة، وحين تمتزج معانى الأغانى بصوت جانا الحسينى بدلالة المكان الحقيقى تتكون حالة وجدانية، وكان أداء حسنى عكرى فى دور الراوى محافظًا على تماسك الإيقاع طوال العرض بالتواصل مع الجمهور.وفى عرض «صيد الفئران»، تأليف بيتر تورينى وإخراج ماركو فؤاد. فبدا منذ البداية مقلب القمامة أكثر من مجرد موقع تدور فيه الأحداث؛ إذ تحول إلى صورة مكثفة لعالم يضغط على شخصياته ويطحنها تحت ضغط الفقر واليأس ليبين زيف المجتمع والغوص داخل أعماق النفس البشرية فى هذا المكان المعزول الملىء بالقمامة. حتى السيارة الموجودة فى قلب الديكور لم تكون عنصرًا منفصلًا بل جزءًا من هذا الركام الذى يحيط بالشخصيتين.. وكل منهما يحاول أن يبحث عن ذاته، ويؤكدها للآخر وسط هذا العالم وتأكيد بأن حياة هذين الشخصين ما هى إلا نفايات مثل المكان تشعرنا بحالة الاغتراب عن كل ما يحيط بهما، والتى تجمعنا معهم داخل هذا المكان الضيق وإظهار قمة المأساة الا وهى.. (أحقًا هل يعيش الإنسان حر فى مثل هذا العالم بكل ما فيه من ضغوط أم أنه يعيش كالفئران داخل هذا الضيق المكانى والنفسى) وأسهمت الإضاءة، بتدرجها بين الأحمر والأزرق والأبيض، فى الكشف عن التحولات النفسية، وتميز المكان الذى يعبر عن الضيق والخنقة بكل ما فيه من نفايات.. والملابس التى أكدت حالة التغريب بوجود بعض التفاصيل التى تتخلص منها الشخصيات تباعًا لتتضح حياة كل منهما الحقيقية بعيدا عن التكلف والاختفاء. بينما قدم كل من سهر عثمان ومحمود رفعت أداء اتسم بالهدوء والانضباط، وهو ما منح العرض إيقاعًا متماسكًا، وأكد امتلاك الممثلين أدواتهما بعيدًا عن المبالغة والانفعال الزائد.ويطرح عرض «السيرك» معالجة مختلفة للفضاء، إذ يتحول السيرك المتنقل إلى صورة للعالم بكل تناقضاته. عالم يخفى جراحه خلف الألوان والضجيج. لم يعد السيرك مكانا للفرجة، بل فضاءا نفسيا يكشف زيف الواقع الإنسانى، ويضع شخصيتى «مارتينا وجيدون» فى مواجهة مع ماضيهما المثقل بالهزائم والخسارات. وقد نجحت رؤية المخرج على عثمان فى توسيع الدلالة التى يحملها نص أثول فوجارد، فلم تعد القضية مقصورة على إدانة الفصل العنصرى، وإنما امتدت لتصبح إدانة لكل الحروب التى تترك الإنسان محملا بأثار لا تُرى. واكد ذلك من خلال الصورة البصرية يالفيديو مابينج.. وكان أداء وفاء كامل من أبرز عناصر نجاح هذا التصور؛ لأنها استطاعت أن تمنح الشخصية حالة وجدانية جعلت الجرح الداخلى أكثر حضورًا من أى خطاب مباشر.وعرض “كأن شيئًا لم يكن» لفرقة قصر ثقافة بورسعيد، دراماتورج ميشيل منير وإخراج بيشوى عماد كان من أكثر العروض وعيا بعلاقة المكان بالحدث. فقد تحولت الحانة إلى مساحة للاعتراف والمواجهة بالرغم من ضيق مساحة العرض، بينما تبدلت وظائف الإطارات البسيطة بين نوافذ وحقائب سفر، ثم انتهت إلى تابوت يحتضن هارى فى المشهد الأخير. وقد حافظ المخرج على حيوية الحركة داخل هذا الفضاء، كما نجح فى توظيف الإضاءة طوال العرض او لتأكيد حضور الشخصية الغامضة وسيطرتها على المكان، سواء من خلال ظهورها فى المواجهة او فى أكثر من موضع، أو باستخدام مصادر ضوء جاءت أحيانا من خارج حدود مساحة الأداء، وهو ما منح المشاهد إحساسًا بأن تأثيرها يتجاوز وجودها المادى.ومن هنا.. تكشف عروض مسرح التجارب على اختلاف مستوياتها، أنها لابد وان تعيش حالة من البحث الجاد عن صيغ جديدة للتعبير، وأن الوعى بالفضاء المسرحى أصبح حاضرا لدى جيل من المخرجين لم يعد يكتفى بتغيير مكان العرض، بل يسعى إلى إعادة النظر فى العلاقة بين المكان والممثل والمتلقى (صحيح أن بعض التجارب ما زالت تنقل آليات المسرح التقليدى إلى فضاءات جديدة دون أن تستثمر خصوصيتها كاملة إلا أن تجارب أخرى أثبتت أن نجاح العرض لا يرتبط باتساع المكان أو غرابته، وإنما بقدرة المخرج على قراءة إمكاناته وتحويلها إلى جزء من البناء الدرامى).. وأكرر ما جاء فى توصيات لجنة التحكيم بإن يتبنى الفنان والمخرج الكبير الأستاذ هشام عطوة، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة هذه التجربة المهمة فى المواسم المقبلة بزيادة عدد العروض لفضاءات مغايرة بعيدًا عن مسرح العلبة الإيطالية.. لأن هذه العروض، بما حققته من نجاحات وما كشفته من ملاحظات، تمثل خطوة تستحق التوقف أمامها، لأنها تؤكد أن تطوير المسرح يبدأ من الجرأة على إعادة طرح الأسئلة والبحث عن إجابات وحلول مسرحية أكثر صدقًا مع الفكرة (البحث عن فضاءات بديلة)، لتكون أكثر قدرة على التعبير والوصول إلى المتلقى.