أين تقع الحقائق فى عالم.. الوحوش الزجاجية؟

أين تقع الحقائق فى عالم.. الوحوش الزجاجية؟

العدد 987 صدر بتاريخ 27يوليو2026

هل هناك حقيقة مطلقة؟ وإن وُجدت، فمن يمتلكها ويستطيع سردها على مسامع الجميع؟ وكيف يمكننا إن اختلفت الأقاويل والروايات تصديق من الحقيقة؟ يكشف العرض المسرحى (الوحوش الزجاجية) عن هذه الفكرة، ألا وهى: هل الحقائق تقال لمصالحة السارد فقط؟
قُدِّم العرض المسرحى (الوحوش الزجاجية) من إخراج عبد الرحمن أشرف، وتأليف ناظم نور الدين، والمستوحى من رائعة الكاتب تينيسى وليامز فى قصر ثقافة بنى سويف، ضمن شرائح التجارب النوعية التى تقام حاليًا؛ حيث يندرج العرض إلى المدرسة التفاعلية، واهتم بأن يكون جميع الحاضرين من الجمهور شركاء فى إنتاج المعنى، فتحول الجمهور من متلقٍ سلبى إلى شريك فعلى فى سير أحداث العرض المسرحي.
قرر المخرج أن يكون التفاعل بطريقة منظمة حتى لا تحدث فوضى عارمة؛ فكان التفاعل عن طريق كرتين بلونين مختلفين، حيث يخرج مرشد العرض، والذى يقوم بدوره المؤلف ذاته ناظم نور الدين؛ ليطرح الأسئلة على الجمهور، وبناءً على عدد ولون الكروت التى يخرجها الجمهور يسير العرض المسرحى فى الاتجاه الذى تم اختياره بالإجماع، فتمت عملية التفاعل بطريقة منظمة ومرتبة.
تدور أحداث العرض المسرحى (الوحوش الزجاجية) داخل شرفة (بلكون) قصر ثقافة بنى سويف، والذى أضحى يشبه قليلًا مسرح الغرفة. يبدأ العرض المسرحى أمام باب القصر، حيث يبدأ المرشد بكسر الإيهام للجمهور مُعلنًا أن هناك روايتين للعرض المسرحي، وأن جمهور هذا العرض مشارك فى أحداثه، ويبدأ بطلب الاختيار بين الاستماع إلى رواية المحقق (جاك مارلو) الذى يقوم بدوره أسامة جابر أو رواية (لورا وينجفيلد). ويبدأ العرض بناءً على اختيار الجمهور، ألا وهى رواية (جاك مارلو).
بمجرد دخول ساحة العرض، كان الجمهور يقف أمام معرض التماثيل مباشرة، لا يفصل الممثل عن الجمهور سوى خطوة واحدة، وأحيانًا يُكسر الإيهام فجأة من خلال (لورا) التى تقوم بدورها تولين مدحت عبر طلبِ مياهٍ من الجمهور. يبدأ العرض مباشرة بسماع صوت التماثيل، ومن خلال التحقيق واسترجاع ذكريات الأسرة، تنكشف حياة عائلية مثالية، ونكتشف أن حادثة موت أهلها كانت طبيعية.
بينما فى الرواية الثانية، تعترف لورا بأنها فتحت صمام الغاز وتسببت فى مقتل أسرتها، معتقدة أن التخلص منهم هو الطريق الوحيد للخلاص من معاناتها، فتُدان بالجريمة وتُعدم، ويُضم تمثالها إلى معرض الوحوش الزجاجية. يظهر المرشد بعد ذلك ليشكك فى الأحداث، ويطرح سؤالًا: «أين الحقيقة فى الرواية؟»، ويذكر بأن الروايتين اللتين عُرِضتا هما لجاك مارلو، ويطرح سؤالًا آخر: هل يود الجمهور سماع رواية لورا؟ يشير الجمهور بالكارت إنهم يريدون معرفة الرواية الثالثة. 
تتصاعد الأحداث الدرامية عندما تبدأ لورا فى اتهام جاك مارلو بأنه هو من تسبب فى تسريب الغاز؛ لتسهيل القبض على أخيها؛ ليصبح عمدة البلدة، وأنه لفق هذه التهمة لها مستغلًا سلطته، وذلك قبل فضحه على مسامع الجميع.
البناء الدرامى عبر الحركة وتعدد الروايات
عبرت أجساد الوحوش الزجاجية عن مأساتها منذ أولى الاستعراضات فى «الأوفرتير» (المقدمة الموسيقية)؛ حيث اتضحت معاناة لورا من دوران تماثيل أسرتها حولها، وهى تحاول الفرار إلى الأمام ولكنهم يجتمعون عليها ويتسببون فى عودتها إلى الخلف. فمن خلال ذلك، يتضح أنه كُتِب على لورا أن تصبح أسيرةً للماضي، وإن فرّت جسديًا فسوف تظل سجينة لهذه الذكريات.
ترتيب الاستعراضات فى عرض (الوحوش الزجاجية) أوضح الحالة الدرامية لكل مشهد؛ حتى يصعب تصنيف هذا العرض على أنه عرض استعراضى أو غنائى بحت، برغم وجود عدد كبير من الاستعراضات. وقد ساعدت فى ذلك الأشعار التى شكلت البنية الدرامية، مما ساهم فى خلق حالة من الترابط بين كلمة الشاعر وجسد الممثل.
تكون العرض المسرحى من ثلاث روايات أساسية: اثنتان منها لجاك مارلو، وواحدة للورا. ففى روايتى جاك مارلو تكررت حركة الممثلين، ولكن الذى اختلف هو الأداء؛ فخلال المرة الأولى يظهر أن حادثة تسرب الغاز تسبب القدر فيها، وفى المرة الثانية تعترف لورا بأنها أقدمت على فتح صنبور الغاز. وخلال الروايتين الأولى والثانية، تكررت حركة الممثلين، كان المختلف هو الأداء؛ ففى المرة الأولى كان الدفء هو المسيطر على العائلة، وفى المرة الثانية ظهرت لورا كشريكة فى الحدث.
بينما اختلفت الرواية الثالثة عندما قررت لورا الاعتراف بأن جاك مارلو هو المتسبب الرئيسى فى جريمة قتل أسرتها، فاستطاع تحديد نقاط الضعف الخاصة بالورا، واستغل هشاشتها النفسية، ولفق لها هذه التهمة لتحقيق مصالحه الشخصية. ومن هنا، أراد المخرج تغيير حركة الممثلين بناءً على السارد والسلطة التى يمتلكها فى تغيير مصير أبطال العرض المسرحي.
ويؤكد هذا التكرار الحركى المصحوب باختلاف الأداء أن الحركة المسرحية لم تكن مجرد وسيلة لتنفيذ المشهد، بل كانت أداة درامية لإعادة إنتاج الحدث من زوايا سردية متعددة، بحيث يتغير المعنى بتغير الرواية، رغم ثبات التكوين الحركى على خشبة المسرح.
اعتمد بناء شخصيات العرض المسرحى على البناء الهرمى فى اكتشاف هويتها؛ فنكتشف أن أسرة (وينجفيلد) تحيا بمفردها فى شقة بمعزل عن الجميع، ويتضح أن «بين» كان يعرف الأم «أماندا» فى مرحلة شبابها؛ لينتقل الجمهور مع جميع أبطال العرض المسرحى من الصورة الجزئية إلى الصورة الكلية.

تماثيل الوحوش الزجاجية.. حين يحكى الديكور المأساة
واعتمد مصمم الديكور محمد عادل على استغلال جميع أركان الفضاء المسرحي، حيث قسم الفتارين (خزائن العرض) إلى مستويين: خُصِّص الطابق السفلى منها لعرض التماثيل، بينما جلس العازفون فى الطابق العلوي، ليصبح حضورهم جزءًا رئيسيًا من التكوين البصرى للعرض، لا مجرد عنصر مصاحب للموسيقى.
كما ساهم الديكور فى إنشاء أرفف عرض احتوت على تماثيل وقطع زجاجية كـ(مقتنيات) تظهر بوضوح للجمهور الذى يقف أمام هذه الفتارين؛ مما عزز شعور الواقعية لديهم بأنهم أمام معرض للتماثيل الزجاجية. 
اعتمد المصمم على توزيع الكتل بشكل دقيق، واستغلال كافة المقتنيات فى سياق الحوار المسرحى؛ على سبيل المثال، كانت «لورا» تصمم بعض التماثيل الصغيرة أو بعض القطع الديكورية المستخدمة فى الزينة، فتقوم بذكرها أمام أسرتها أو تقوم بإهدائها إلى أحد الضيوف الذين أتوا لزيارة العائلة؛ وبذلك أصبح الديكور فى العرض المسرحى عنصرًا فاعلًا فى البناء الدرامي.
التزم المؤلف والمخرج بالزى الوارد فى النص الأصلى؛ وهو الزى الكلاسيكى الذى يلائم البيئة الاجتماعية والزمنية التى يدور فيها العرض المسرحي، حيث تدور الأحداث فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقد ذُكر ذلك فى النصين، خاصة النص الحالى؛ فقد أتى «جيم كارتر» الذى يقوم بدوره حازم طه حاملًا بعض المقالات التى كُتبت أثناء الحرب العالمية.

إيقاع المأساة فى الوجوه والموسيقى
استخدمت مساحيق التجميل (المكياج) على وجوه جميع ممثلى العرض المسرحى التى لمعت مع الإضاءة فقد ساعدت فى تكوين صورة درامية تعبر عن طبيعة كل شخصية من شخصيات هذا المعرض.
اعتمد العرض المسرحى على حضور إيقاع موسيقى مستمر طوال زمن العرض؛ فلم تقتصر الموسيقى على الانتقالات بين المشاهد أو الاستعراضات، بل جاءت عنصرًا دراميًا ملازمًا للأحداث، ساهم فى بناء الحالة الشعورية للمشاهد. وقد أدت الموسيقى دورًا بارزًا فى توحيد الإيقاع العام للعرض، وربط المشاهد بعضها ببعض؛ مما قام بتحقيق انسيابية السرد، والكسر من فترات الصمت التى قد تؤثر فى تماسك الإيقاع المسرحي.

تشظى الحقيقة وسلطة السرد
ينهض العرض المسرحى (الوحوش الزجاجية) على ثنائيات متناقضة؛ فنرى العرض قائمًا على الحقائق تنهار تدريجيًا، بجانب غياب المعرفة اليقينية بمحددات الجانى والمجنى عليه، فاحتوى أيضًا على متناقضات نفسية، مثل: لا يقتصر مفهوم الحرية أن يظل المرء حرًا فوق الأرض، بل نكتشف أن هناك سجنًا أقصى، ألا وهو سجن النفس.
وبناءً على التناقضات السابقة، لا يوجد معنى ثابت أو مركزية محددة فى العرض المسرحي؛ فكل رواية من الروايات الثلاث تطرح سؤالًا يظل معلقًا حتى نهاية المسرحية دون إجابة قطعية تحسم السؤال المحورى للعرض: مَن القاتل؟ وما الدافع لفعل ذلك؟ ثلاث روايات تتكرر فيها الأحداث، ولكن فى كل مرة نكون أمام أداء، نهاية، وقاتل مختلفين.

الزجاج.. حين تضيع الحقائق بين الرواة 
يظهر ضياع المركزية أيضًا فى دلالة «الزجاج»؛ ففى الرواية الأولى يتضح أنه رمز للبراءة التى اتسمت بها لورا، ثم يأتى بمعنى الهشاشة الإنسانية الناتجة عن انكسار الإنسان من أسرته، ثم لا يتوقف العرض على إنتاج معنى محدد، فيحيلنا الزجاج فى الرواية الثالثة إلى الذنب الملازم للورا دائمًا نتيجة فقدان أسرتها، وحتى نهاية العرض المسرحي، تتولد معانٍ متعددة للزجاج؛ فالمسرحية لا تناقش الجريمة بذاتها، بل تناقش: مَن يمتلك مهارة سرد الحكاية؟ 

تشظى الزمن فى إنتاج معانى متعددة
تتغير أحداث الماضى بتغير الراوي؛ فيصبح العرض قابلًا لإعادة التشكيل أكثر من مرة؛ فنجد فى بداية العرض المسرحى أن جاك مارلو يمتلك سلطة مطلقة فى سرد أحداث الجريمة، فهو المحقق، والعمدة، وممثل القانون، ولكن بمرور العرض تُهدم هذه السلطة تدريجيًا؛ ليتحول جاك مارلو من رجل قانون إلى متهم. يتضح أن الحقيقة لا تأتى بالأدلة الصارمة، ولكنها تأتى لمن يستطيع أن يشرح ويثبت ما يريد إثباته، فتقع الحقيقة فى العرض المسرحى فى يد السارد الجيد.
ويتضح من خلال ما سبق أن الزمن فى المسرحية مشظٍّ، ولا يبدأ البداية الكلاسيكية الأرسطية (بداية، وسط، نهاية)؛ بل يتداخل الزمن دون بداية خطية ثابتة، فيبدأ العرض المسرحى فى الروايات الثلاث من الحاضر، ثم ينتقل إلى الماضى، ثم يعود مرة أخرى إلى الحاضر، وهكذا تسير الأحداث دون تسلسل زمنى يمكن الاستناد إليه.


جهاد طه