العدد 984 صدر بتاريخ 6يوليو2026
على خشبة المسرح، لا يتعامل المخرج مراد منير مع العرض بوصفه بنية مكتملة تُقدَّم للجمهور، بل كمساحة مفتوحة لاختبار الإنسان فى مواجهة أسئلته الوجودية: من هو؟ وكيف يُعرِف نفسه داخل العالم؟ وما الذى يمنحه معنى حقيقيًا للحياة؟
فى عرضه «ابن الأصول»، تتجسد هذه الرؤية بوضوح، إذ تتحول الحكاية إلى اختبار حى لمفاهيم الجذور والانتماء والشرف، ويُدفع المتفرج إلى إعادة مساءلة ما يظنه ثابتًا أو محسومًا فى وعيه. هنا لا يُروى النص بقدر ما يُعاد خلقه داخل لحظة مسرحية مشحونة بالتفاعل والمواجهة، حيث تتداخل الخشبة مع المتلقى فى تجربة تفكك الحدود التقليدية بين العرض والجمهور.
ويمتد هذا التصور إلى مجمل مشروعه المسرحى، كما فى أعمال فارقة مثل «مغامرة رأس المملوك جابر» و«الملك هو الملك»، حيث انفتح المسرح على فعل المشاركة وكسر آلية التلقى الساكن، فى محاولة لإعادة الجمهور إلى قلب العملية الإبداعية بوصفه شريكًا لا متفرجًا.
وعلى المستوى الفكرى، ظل مراد منير فى حالة مساءلة دائمة لطبيعة المسرح ذاته، فى مواجهة ما يُعرف بـ»المسرح الميت» كما طرحه بيتر بروك، ساعيًا إلى استعادة المسرح بوصفه فعلًا حيًا يتجدد فى كل لحظة، لا قالبًا جاهزًا يعاد إنتاجه.
ويتكامل هذا الامتداد فى كتابه «الغجري»، حيث لا يقدّم سيرة ذاتية بالمعنى التقليدى، بل يفتح مسارًا من الأسئلة المفتوحة حول الهوية والحرية والانتماء، يبدأه بسؤال: «فهل أنا غجرى؟» دون أن يمنحه إجابة نهائية، بل يتركه معلقًا على احتمالات التأويل.
هكذا يتقاطع المسرح مع الكتابة، والفن مع الحياة، فى مشروع يرى أن الهوية ليست حالة ثابتة، بل سؤال دائم يعاد طرحه مع كل تجربة جديدة.
فى هذا الحوار، نقترب من تجربة مراد منير بوصفها رحلة بحث لا تنتهى، لا يقدم فيها إجابات جاهزة، بل يواصل فتح الأسئلة، باعتبار أن المسرح عنده ليس مكانًا للإجابات، بل فضاءً للدهشة وإعادة التفكير فى الإنسان.
مسرحية «ابن الأصول» تحمل عنوانًا لافتًا ومحمَّلًا بدلالات اجتماعية وأخلاقية، كيف تنظر إلى هذا المفهوم داخل العرض، وما الذى أردت أن تقوله من خلاله؟
«ابن الأصول» بالنسبة لى ليس شعارًا اجتماعيًا أو مفهومًا اجتماعيًا تقليديًا يُستخدم للحكم على الناس من الخارج، ولا هو مرتبطًا بمعنى النسب أو الطبقة كما يُتداول عادة. بل هو مرجعية أخلاقية وفنية، فأنا أراه حالة داخلية أكثر منه وصفًا خارجيًا؛ حالة من الصدق مع النفس قبل أى شيء آخر.
لذلك أؤمن أن الفنان الحقيقى يجب أن يكون صادقًا مع نفسه أولًا، قبل أن يسعى لإقناع الآخرين. فالصدق هنا هو الأساس الذى يُبنى عليه كل شيء فى العمل الفنى.
فى العرض، حاولت أن أضع هذا المفهوم فى مواجهة مباشرة مع الواقع الإنسانى، لا كمبدأ جاهز، بل كسؤال مفتوح: ماذا يعنى أن يكون الإنسان “أصيلًا” فى زمن تتداخل فيه القيم وتتشوش فيه المعايير؟ هل الأصالة فى الشكل والسلوك الظاهرى، أم فى القدرة على عدم التزييف حتى لو كان الثمن صعبًا؟
الشخصيات فى «ابن الأصول» ليست محكومة بإجابات، بل مُدفوعة إلى اختبار هذا المفهوم فى لحظات صدام حقيقية، مع الذات ومع المجتمع. لذلك يصبح “ابن الأصول” هنا موقفًا أخلاقيًا وفنيًا فى الوقت نفسه؛ أن تقول الحقيقة كما هى، وأن تواجه ما تؤمن به حتى النهاية، دون أقنعة.
كيف تنظر إلى الخشبة المسرحية أثناء العمل على العرض؟
أنا لا أتعامل مع الخشبة باعتبارها مجرد مساحة لعرض العمل، بل أراها مساحة لاختبار الصدق الإنسانى. على الخشبة تُكشف الشخصيات، وتُعرّى الأفكار، ونعود لطرح الأسئلة الأولى: من نحن؟ وما معنى وجودنا؟ وما الذى يحدد هويتنا وانتماءنا؟
فى «ابن الأصول» تطرح سؤال الهوية بشكل مباشر.. ما الذى أردت قوله من العرض؟ وكيف وجدت تفاعل الجمهور مع العرض؟
أردت أن أضع الإنسان فى مواجهة نفسه. فى «ابن الأصول» لا يوجد يقين ثابت، بل اختبار مستمر: هل الإنسان يُقاس بأصله أم بموقفه؟ العرض لم يكن حكاية، بل مواجهة مع فكرة الانتماء حين تُنزع عنها قدسيتها، فالأصل لا يصنع إنسانًا.. الموقف هو الذى يفعل. والجمهور أذكى مما نتصور، حين تقدم له عملًا صادقًا، يصل إليه، ربما يختلف فى التفسير، لكنه يتفاعل، وهذا هو الأهم.
المسرحية تناقش الطبقية والانتماء.. هل هى رسالة مباشرة؟ ولماذا عاد سؤال الهوية بقوة فى هذا العرض تحديدًا؟
أنا لا أحب المباشرة، لكننى لا أهرب من الموقف، فالمسرح بالنسبة لى ليس حياديًا. أنا منحاز للإنسان، ضد التزييف الاجتماعى وضد الأحكام الجاهزة.
وعاد سؤال الهوية فى هذا العرض لأن السؤال لم يُحسم أصلًا. نحن نظن أننا نعرف أنفسنا، لكن الحياة تختبرنا كل مرة بشكل مختلف. فى «ابن الأصول» لم أطرح الهوية كإجابة، بل كاختبار حيّ على الخشبة.
العمل يحمل طابعًا ساخرًا رغم قسوته.. لماذا هذا المزج؟ وكيف تعاملت إخراجيًا مع هذا النص؟
لأن الواقع نفسه ساخر. نحن نعيش تناقضات حادة، والسخرية هى وسيلة ذكية لقول الحقيقة دون مباشرة فجّة. الضحك أحيانًا أكثر إيلامًا من البكاء. وفى هذا العرض اعتمدت على كسر الإيهام، واستخدام الموسيقى والحركة، لأننى أؤمن أن المسرح ليس مجرد حكاية تُروى، بل تجربة تُعاش، وأردت أن يشعر المتفرج أنه جزء من السؤال.
كيف يرتبط «ابن الأصول» بكتابك «الغجري»؟
كلاهما يدور حول السؤال نفسه، لكن من زاويتين مختلفتين. فى «الغجري» كنت أطرح السؤال: «فهل أنا غجري؟» أما فى «ابن الأصول» فأضع السؤال فى مواجهة الواقع، لا كفكرة بل كصراع حى، لذلك أنا أطرح نفسى كسؤال.. لأن اليقين الكامل نوع من الوهم المريح.
اشتغلت مبكرًا على التجريب، من خلال جماعات مسرحية متعددة.. ماذا أضافت لك هذه المرحلة؟
كانت مرحلة التأسيس الحقيقى. كنت أبحث عن «منهجى الخاص»، بعيدًا عن القوالب الجاهزة. التجريب هو الذى صنع لغتى المسرحية، وهو ما منحنى الجرأة لاحقًا فى أعمالى الاحترافية.
ما الذى شكّل تجربتك الأولى؟ وكيف أثّرت نشأتك فى بورسعيد، وما شهدته من أحداث كبرى مثل العدوان والتهجير، على رؤيتك المسرحية؟
الذى شكل تجربتى الأولى نشأتى فى بورسعيد وتجربة المقاومة والهزيمة والتهجير. هذه ليست ذكريات، بل طبقات فى تكوينى. لذلك المسرح عندى خرج من الشارع، لا من الكتب، فأنا ابن الشارع قبل أن أكون ابن المسرح.. وهذه التجارب صنعت وعيى بالكامل. عشت المقاومة، والهجرة، والانكسار، فصار المسرح بالنسبة لى وسيلة لفهم الإنسان تحت الضغط، لذلك تجد أعمالى مشبعة بالأسئلة الكبرى: السلطة، القهر، الحرية، والهوية.
فى كتاب «الغجرى» لم تقدم سيرة ذاتية تقليدية.. لماذا هذا الشكل؟
لأننى لا أؤمن بالسيرة كترتيب زمنى جامد للحياة، لأن حياتى ليست خطًا مستقيمًا. هى تشظٍ وتجارب وصدمات. فالسيرة التقليدية ترتب الفوضى، وأنا أردت أن أترك الفوضى كما هى، لأنها أقرب للحقيقة، و السيرة التقليدية تُجمّد الإنسان، بينما أنا أكتب نفسى كحالة مستمرة من التغيّر. لذلك أنا لا أقدّم سيرة.. أنا أضعك داخل متاهة، ومن يريد أن يعرفنى فليحلها.
استلهمت عنوان كتابك من مقال للكاتب محمد بركات.. ماذا مثّل لك؟
كان لحظة إنقاذ. جاءنى فى عزّ الظلمة، وشعرت أنه يلتقطنى من الداخل. لم يقدّم تعريفًا، لكنه أعاد لى القدرة على الوقوف من جديد، فهو لم يعرّفنى المقال.. لكنه أنقذنى من السقوط.
وُضعت بين هاملت وكاليجولا.. كيف ترى هذا التوصيف؟
هو توصيف لحالة صراع لا أكثر. أنا أعيش بين السؤال والتمرد، وأحاول ألا أسقط فى أى منهما. أحتاج السؤال كى لا أضل، وأحتاج التمرد كى لا أختنق.
لماذا يُنظر إليك أحيانًا بوصفك «غجريًا».. وهل ما زال «الغجرى» بداخلك حتى الآن؟
لأننى أرفض القوالب، لكننى لست غجريًا بالمعنى الاجتماعى أو التاريخى، فـ«الغجرى» عندى فكرة أو موقف: أن تدفع ثمن حريتك دون أن تعتذر. والغجرى دائمًا بداخلى لأن التوقف عن البحث هو موت بطىء.
يُقال إنك «شامان المسرح المصرى».. كيف ترى هذا الوصف؟
لا أبحث عن الألقاب. لكن إن كان المقصود أن المسرح عندى طقس حيّ، لا يبدأ عند الستارة ولا ينتهى بالتصفيق، فيه جسد وذاكرة وجماعة، فأنا أقترب من هذا المعنى.
فالشامان هو الوسيط بين العوالم، وأنا أرى المسرح كذلك. وأنا لست مخرجًا ينفذ نصًا فقط، بل أستحضر طاقات الناس، وأحوّل العرض إلى طقس جماعى حيّ. فالمسرح عندى ليس فرجة، بل مشاركة روحية وفكرية.
علاقتك بالشعراء، خصوصًا أحمد فؤاد نجم، كانت مؤثرة جدًا.. كيف انعكس ذلك على مسرحك؟ وكيف أثّر فيك أحمد فؤاد نجم وسمير العصفورى بشكل خاص؟
نجم علّمنى أن الكلمة يجب أن تُقال للناس، لا للنخبة فقط. من هنا جاء اهتمامى بالمسرح الشعبى، وبالزجل كأداة درامية. فأنا أتعامل مع العرض كقصيدة حية تُلقى على الخشبة، وتعلمت أن الكلمة يمكن أن تكون فعلًا حيًا، وأن الفن ليس زينة فى موقف، و من سمير العصفورى تعلمت الانضباط والجرأة.
كيف ترى علاقتك بالمسرح الشعبى؟
المسرح الشعبى بالنسبة لى ليس نوعًا فنيًا محددًا، بل هو الحالة الأولى للمسرح قبل أن يتعقّد. هو الحكاية حين تُروى ببساطة، والغناء حين يخرج من القلب، والضحك حين يكون جزءًا من الألم.
كنت دائمًا أبحث عن المسرح الذى لا ينفصل عن الناس. لأن الفن إذا فقد جذره الشعبى فقد قدرته على البقاء. وليس المقصود بالشعبى هنا السطحية، بل الصدق. أن تصل الفكرة مباشرة دون حواجز ثقافية مصطنعة.
وهل كان هذا مرتبطًا بتجاربك مع العروض الغنائية؟
بالتأكيد. إدخال الغناء فى العروض المسرحية لم يكن قرارًا جماليًا فقط، بل كان جزءًا من فلسفة العرض.
ففى الحياة المصرية، الغناء ليس ترفًا، بل وسيلة للتعبير عن الفرح والحزن والعمل والذاكرة.
لذلك كان الغناء فى العروض امتدادًا للحكاية، وليس فاصلًا عنها. كنت أبحث عن عرض يُقال ويُغنّى فى اللحظة نفسها، دون فصل بين الدراما والصوت والإيقاع.
كيف تتعامل مع النص المسرحى؟
النص عندى ليس نهاية، بل بداية. هو مادة قابلة لإعادة التشكيل، لكن ليس بمعنى الإلغاء، بل بمعنى الاكتشاف، وأنا أتعامل مع النص كبذرة. والبذرة لا تُقدّس، بل تُزرع، والمخرج الحقيقى هو من يكتشف ما لم يقله النص، لا من يكرره حرفيًا.
هل سبق أن اصطدمت برؤية مؤلفين بسبب هذا التصور؟
الاختلاف أمر طبيعى فى أى تجربة إبداعية، لكن المهم أن يكون هذا الاختلاف لصالح العرض، لا لصالح “الانتصار الفكري” لأحد الطرفين، والمسرح فى النهاية كائن حى، وليس وثيقة مغلقة.
من هو مركز العرض بالنسبة لك؟
الممثل هو المركز الحقيقى، يمكن أن أتنازل عن ديكور أو تقنيات، لكن لا يمكن أن أتنازل عن ممثل حى، صادق، قادر على تحويل النص إلى حياة، فالإخراج بالنسبة لى يبدأ من الممثل، من جسده وصوته ووعيه، لا من الخطة البصرية.
تُثار أحيانًا تساؤلات حول محطات حساسة فى حياتك الشخصية، خاصة ما يتعلق بفترات انقطاع أو تجارب اعتقال.. كيف ترى تأثير هذه المراحل على تكوينك الإنسانى والفنى والتحول الفكرى لديك؟
الحياة الفنية ليست خطًا مستقيمًا؛ فيها صعود وهبوط، حضور وصمت، وضوح وغموض. لكن اختزال هذه المراحل فى عناوين مثيرة أو روايات جاهزة لا يكون دقيقًا دائمًا. ما يعنينى ليس توصيف المرحلة بقدر ما يعنينى ما خرجت به منها من وعى وتجربة.
نعم، مررت بتجارب اعتقال، وكانت قاسية بلا شك، لكنها كانت أيضًا بمثابة مدرسة. التقيت خلالها بمثقفين وشعراء، وازداد وعيى السياسى والفنى عمقًا. هذه التجارب جعلتنى أكثر انحيازًا للإنسان البسيط، وأكثر جرأة فى طرح الأسئلة.
فى النهاية، أنا لا أحب أن يُقاس الفنان بفترات انقطاعه، بل بما يقدمه حين يعود. العمل الفنى نفسه يظل هو التعبير الأكثر صدقًا عن التجربة، وهو الأقدر على البقاء.
أى إنسان يتغير مع الزمن، لكننى لا أتعامل مع حياتى كمجموعة محطات منفصلة، بل كتجربة واحدة ممتدة، والتجربة الإنسانية لا تُختزل فى حدث، بل تُفهم فى سياقها الكامل.
هل الحرية تعنى كسر كل القواعد؟
الحرية ليست فوضى، الحرية الحقيقية هى أن تختار القاعدة التى تؤمن بها، ثم تلتزم بها حتى النهاية.
لماذا تميل إلى المسرح التفاعلى والشعبى أكثر من الأشكال التقليدية؟ وكيف تنظر إلى تجربتك مع المسرح الشعبى والعروض الغنائية؟
لأننى أؤمن أن المسرح يجب أن يعود إلى الناس. فالمسرح النخبوى يعزل نفسه، بينما أنا أريد مسرحًا يعيش فى الشارع، فى الوجدان، فى التفاصيل اليومية.
المسرح الشعبى بالنسبة لى ليس تصنيفًا فنيًا بقدر ما هو روح. أنا أؤمن أن الفن حين ينفصل عن الناس يفقد معناه. لذلك كانت العروض الغنائية والمسرح الشعبى مساحة لاستعادة البساطة الأولى فى الحكى، حيث يمتزج الغناء بالحكاية، والحركة بالإيقاع، دون تعقيد أو تكلّف.
كنت أبحث دائمًا عن عرض “يُقال ويُغنّى ويُعاش” فى الوقت نفسه، لا عرض يُشاهد فقط من الخارج.
لماذا لجأت إلى إدماج الغناء داخل عروضك المسرحية؟ ولماذا تخرج هذا العنصر من المسرح؟
الغناء عندى ليس زينة، بل جزء من البنية الدرامية ولأنه جزء من الذاكرة الجمعية. فى الحياة المصرية اليومية، فى الشارع، فى البيت، فى العمل.. المصريون يغنون حين يفرحون وحين يحزنون وحين يعملون.
كنت أرى أن الغناء يمكن أن يكون أداة درامية، ليس فقط عنصرًا جماليًا، بل وسيلة لنقل المعنى بشكل مباشر وعاطفى.
كنت أرى أن الصوت الشعبى - بما فيه من تلقائية - قادر على اختصار ما تعجز عنه اللغة أحيانًا، لذلك أصبح الغناء عنصرًا أساسيًا فى بناء الإيقاع المسرحى داخل تجاربى.
كيف تصف علاقتك بالمسرح الشعبى مقارنة بالمسرح الأكاديمى.. وهل ترى أن المسرح وسيلة تغيير اجتماعى أم مجرد فن؟
المسرح الأكاديمى مهم من حيث البناء والمعرفة، لكنه أحيانًا يميل إلى التعقيد النظرى والرسمية الزائدة.
أما المسرح الشعبى فهو أكثر جرأة وصدقًا لأنه قريب من الناس فهو أكثر قربًا من الحياة، لكنه يحتاج إلى وعى حتى لا يتحول إلى سطحية.
أنا لم أضع هذا الفصل الحاد بينهما، لكننى دائمًا كنت أميل إلى المسرح الذى يتنفس الشارع ويعيد إنتاج الحياة كما هى، لا كما يجب أن تكون نظريًا. المسرح الذى يحافظ على روحه الإنسانية قبل أى شىء.
فالمسرح فن، لكنه لا ينفصل عن المجتمع. وأرى نفسى لا أقدّم شعارات، لكننى أطرح أسئلة تهزّ المتفرج. وإذا خرج المتفرج وهو يفكر، فقد بدأ التغيير.
فى بعض المراحل من حياتك الفنية، تثار تساؤلات حول محطات شخصية مثيرة للجدل.. كيف تتعامل مع ذلك؟
أى فنان يمر بمساحات من التأويل والجدل. لكنى أفضّل دائمًا أن يُقرأ العمل الفنى أولًا.
لا أتعامل مع حياتى الشخصية كجزء من العرض العام، بل أترك عملى المسرحى هو الذى يتكلم. وما يقال خارج السياق يظل فى دائرة الحديث لا فى دائرة الحقيقة الفنية.
كيف ترى مستقبل المسرح فى ظل التغيرات السريعة فى الذائقة والجمهور؟ وكيف ترى الجمهور؟ و علاقتك به؟
المسرح لن يموت، لكنه سيظل فى حالة مقاومة دائمة، والمشكلة ليست فى التكنولوجيا أو الصورة السريعة، بل فى قدرتنا على الحفاظ على “لحظة اللقاء الحي” بين الممثل والجمهور. هذه اللحظة هى جوهر المسرح، وإذا فقدناها نفقد كل شيء.
الجمهور ليس متلقيًا سلبيًا، بل شريك فى التجربة. والمسرح الذى يتعالى على جمهوره يفقد معناه، وأنا أؤمن أن العرض يجب أن يقترب من الناس، لا أن يبتعد عنهم باسم “النخبوية”.
فالعلاقة هنا علاقة شراكة، و العرض لا يكتمل بدون الجمهور نحن نصنعه معًا، وبدون الجمهور.. المسرح نصف حكاية.
ما الذى ما زلت تبحث عنه حتى الآن فى تجربتك المسرحية؟
أبحث عن البساطة الصادقة. كلما تعمّقت فى التجربة أدركت أن التعقيد ليس دليل قوة، وأن البساطة ليست نقصًا، بل هى أعلى درجات النضج الفنى.
والمسرح الذى أؤمن به هو الذى يترك فيك سؤالًا بعد انتهاء العرض، لا الذى يقدّم لك إجابة مغلقة، بمعنى أن المسرح الجيد هو الذى يترك أثرًا داخليًا، لا الذى يدهش العين فقط.
لماذا تتراجع أحيانًا عن العمل؟
لأننى لا أعمل إلا حين يكون لدى ما أقول. الغياب أحيانًا ليس انسحابًا، بل موقف ضد التكرار.
فى عرض “الملك هو الملك” جعلت الجمهور يشارك فى اتخاذ القرار داخل العرض، كيف وصلت إلى هذه الفكرة؟
كنت أبحث عن كسر الحاجز بين الخشبة والجمهور. المسرح ليس مكانًا للمتفرج السلبى. عندما جعلت الجمهور يصوّت على الملك، كنت أقول إن السلطة ليست بعيدة عنه، بل هو شريك فيها ومسؤول عنها.
بعد كل هذه الرحلة، كيف ترى نفسك اليوم؟ وكيف ترى العلاقة بين المسرح والحياة فى تجربتك الإخراجية؟
ما زلت فى الطريق، لا أؤمن بالنهايات، وكل عرض هو بداية جديدة. وربما لهذا السبب اخترت أن أكون “غجريًا”.. لا أستقر، ولا أكرر نفسى.
فى تجربتى لا أستطيع الفصل بين المسرح والحياة، ولا بين الإخراج والتكوين الإنسانى، المسرح بالنسبة لى ليس وظيفة داخل مؤسسة ثقافية، بل هو امتداد طبيعى لشخصيتى، يتشكل عبر الزمن، ويتغير مع كل عرض جديد أقدّمه.
فى جملة أخيرة.. كيف ترى أزمة المسرح اليوم؟ وكيف تريد أن يُقرأ مشروعك؟ وماذا تريد من المسرح اليوم؟
أزمة المسرح اليوم هى أزمة صدق. حين يتحول إلى شكل بلا روح، حين يغيب الصدق.. يصبح المسرح جسدًا بلا روح، يفقد معناه.
أريد من مشروعى أن يُقرأ كمحاولة إنسانية للبحث عن معنى.. عبر المسرح، لا عبر التعريفات الجاهزة. فأنا لا أبحث عن تعريف.. بل عن أثر.
وأريد من المسرح اليوم أن يظل حيًا.. لا يُروّض، ولا يتحول إلى سلعة. أريده أن يزعج، أن يطرح الأسئلة، أن يوقظ الإنسان.