مسرح الأقاليم المشروع القومى الحقيقى للوعى الوطنى (وجهات نظر عالمية) (1)

مسرح الأقاليم  المشروع القومى الحقيقى للوعى الوطنى (وجهات نظر عالمية) (1)

العدد 983 صدر بتاريخ 29يونيو2026

المقال الأول
المسرح لا يسكن العاصمة وحدها

هذه قراءة فى مقال مهم للكاتب والناقد المسرحى الأمريكى كريس بيترسون، رئيس تحرير موقع OnStage Blog، وهو أحد المواقع المتخصصة فى متابعة الحركة المسرحية الأمريكية بمختلف مستوياتها، من مسارح برودواى الشهيرة إلى المسارح الإقليمية والمجتمعية وعروض المدارس والجامعات.
ينطلق بيترسون من ملاحظة أثارت انتباهه على مواقع التواصل الاجتماعى، حين عبّر أحد العاملين بالمسرح عن استيائه من إعادة تقديم المسرحية الموسيقية الشهيرة «ماما ميا» على مسارح برودواى مرة أخرى، معتبرًا أن الجمهور لا يحتاج إلى المزيد من العروض المعاد إنتاجها بقدر حاجته إلى أعمال جديدة ومختلفة.
ورغم أن الكاتب يتفهم هذا الاعتراض، فإنه يذكّر بأن برودواى ليست مجرد مؤسسة فنية، بل هى أيضًا صناعة ضخمة تحكمها حسابات اقتصادية معقدة. ولذلك فإن المنتجين يميلون غالبًا إلى الأعمال المضمونة جماهيريًا، سواء كانت إعادة إحياء لعروض ناجحة أو اقتباسات من أفلام وأعمال معروفة، لأن تكلفة الإنتاج هناك تصل إلى ملايين الدولارات، وأى مغامرة غير محسوبة قد تؤدى إلى خسائر فادحة.
ومن هنا يطرح بيترسون سؤالًا مهمًا: هل ما يُعرض على برودواى هو بالفعل أفضل ما يُنتج فى المسرح الأمريكي؟
إجابته تميل إلى النفى. فهو يرى أن كثيرًا من أكثر التجارب المسرحية حيوية وابتكارًا لا تصل إلى برودواى أصلًا، بل تنشأ وتزدهر فى المسارح الإقليمية والمجتمعية المنتشرة فى أنحاء الولايات المتحدة. هناك، بعيدًا عن الضغوط التجارية القاسية، يجد الفنانون مساحة أوسع للتجريب والمغامرة وطرح أفكار جديدة.
ويشير الكاتب إلى أن عددًا كبيرًا من العروض التى حققت نجاحًا كبيرًا فيما بعد بدأت رحلتها داخل هذه المسارح الصغيرة أو المتوسطة، حيث أُتيح لها الوقت الكافى للتطور والنضج قبل أن تحظى بالاهتمام الوطنى. كما أن بعض العروض، حتى بعد نجاحها وحصولها على الجوائز، لم تستمر طويلًا فى برودواى، وهو ما يؤكد أن النجاح الفنى لا يُقاس دائمًا بالبقاء على أشهر مسارح نيويورك.
وتكتسب المسارح الإقليمية أهمية خاصة، لأنها تعتمد فى جزء من تمويلها على المنح الثقافية والتبرعات والاشتراكات، الأمر الذى يمنحها قدرًا من الحرية لا يتوافر عادة فى المؤسسات التجارية الكبرى. ولذلك تستطيع هذه المسارح أن تراهن على نصوص جديدة، وأن تستقبل كتابًا ومخرجين شبابًا، وأن تطرح موضوعات جريئة أو أشكالًا فنية غير تقليدية.
لكن بيترسون يرفض النظر إلى هذه المسارح باعتبارها مجرد محطة مؤقتة فى طريق برودواى. فالمشكلة، من وجهة نظره، أن كثيرين يتعاملون مع المسرح الإقليمى وكأنه درجة ثانية من درجات النجاح، بينما الحقيقة أنه يمثل مركزًا إبداعيًا مستقلًا له قيمته الخاصة ودوره الحيوى فى تطوير الفن المسرحى.
ويمتد هذا الدور أيضًا إلى المسارح المجتمعية التى تعتمد فى الغالب على جهود المتطوعين وعشاق المسرح. فهذه المسارح توفر فرصة حقيقية للمواهب الجديدة التى قد لا تجد مكانًا لها فى المؤسسات الكبرى، كما تمنح المجتمعات المحلية القدرة على التعبير عن قضاياها وهمومها الخاصة من خلال الفن.
وفى هذه النقطة تحديدًا تكتسب أفكار الكاتب أهمية بالنسبة لنا فى مصر والعالم العربى. فكما لا يمكن اختزال المسرح الأمريكى كله فى برودواى، لا ينبغى لنا أن نحصر قيمة المسرح فى العروض التى تُقدَّم فى العاصمة أو على المسارح الكبرى فقط. فالحركة المسرحية الحقيقية تنمو أيضًا فى مسارح الأقاليم والجامعات وقصور الثقافة والفرق المستقلة؛ حيث تتولد الأفكار الجديدة وتُكتشف المواهب التى قد تصنع مستقبل المسرح.
ويؤكد بيترسون فى ختام مقاله أن مستقبل المسرح لن يُصنع فقط فى المؤسسات الكبرى أو العروض ذات الميزانيات الضخمة، بل فى تلك المساحات التى تمنح الفنانين حرية التجريب والبحث عن أشكال جديدة للتعبير. لذلك فإن دعم هذه المسارح ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لضمان استمرار تطور الفن المسرحى وتجدد دمائه.
فالعمل المسرحى العظيم القادم قد لا يولد على أشهر المسارح، وربما لا يصل إليها أبدًا، لكن ذلك لا ينتقص من قيمته. المهم أن يجد من يؤمن به، ومن يدعمه، ومن يمنحه فرصة الحياة أمام الجمهور.


محيي الدين إبراهيم