«الكمامة».. نهاية الطاغية أم بداية نسخة أخرى منه؟

«الكمامة»..   نهاية الطاغية أم بداية نسخة أخرى منه؟

العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026

هناك سلطات لا تحتاج إلى سلاح لزرع الرهبة داخل من حولها حتى يصبح الصمت وسيلة النجاة الوحيدة. وليست كل الكمامات ترتدى على الوجه، فالكمامة في ذلك العرض تفرض على الأرواح والعقول وتجعلها تعيش في حالة من الخوف. عرض “الكمامة” إخراج حسام قشوة مقدمًا عالمًا أسريًا خانقًا تتحول فيه السلطة الأبوية إلى شكل من أشكال الاستبداد النفسي.
ينطلق العرض من جريمة قتل تبدو في ظاهرها حادثًا بوليسيًا، لكنه سرعان ما يكشف أن الجريمة الحقيقية لم تكن القتل فقط، بل حالة الصمت والخوف التي فرضها “إيسياس كرابو” على أسرته، فالكمامة هنا لا تظهر كأداة لإخفاء الصوت بل كرمز للخضوع والخوف من مواجهة السلطة، حتى وإن كانت هذه السلطة داخل البيت نفسه. 
قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «ماستر سين» والعرض مأخوذ من نص للكاتب الإسباني “ألفونسو ساستري” أحد أبرز الكتاب الذين ارتبطت أعمالهم بمواجهة القمع والرقابة السياسية في إسبانيا. وشارك في بطولة العرض كل من: سعيد سالمان، عبد الرحمن محسن، زياد هاني، عبد الله عبد الغني، أحمد الخواجة، بولا ماهر، نيرة عبد العزيز، وعلياء هاشم. ونجح العرض منذ مشاهده الأولى في خلق حالة من القلق والترقب، خاصة مع افتتاحه بجريمة قتل غامضة سرعان ما تتحول من حادث جنائي إلى مدخل لكشف التشققات النفسية داخل هذه العائلة، والعنف المكتوم الذي ظل لسنوات مختبئًا خلف الصمت.

يبدأ العرض بجريمة قتل وبعدها تعثر الشرطة على جثة بالقرب من منزل “إيسياس كرابو”، الرجل الذي يعيش مع زوجته وأبنائه الثلاثة وزوجة ابنه الأكبر “لويسة”. و لويسة هي من رأت “إيسياس” أثناء ارتكابه الجريمة، لكنه هددها بالقتل إذا تحدثت. وعندما يصل المفتش للتحقيق فيبدأ باستجواب إيسياس حول صوت إطلاق النار والجثة الموجودة بجوار البيت. والمثير أن إيسياس يواجه الأسئلة بهدوء شديد لدرجة أن المفتش نفسه يتعجب من ثباته، ليبرر ذلك بأنه اعتاد التحقيقات والأسئلة منذ سنوات، في إشارة إلى ماضٍ يرتبط بالنضال أو الصراعات القديمة، وكأن ذلك أصبح بالنسبة له أمرًا طبيعيًا لا يثير الارتباك. ثم تظهر لويسة و تبدو مرتبكة وخائفة عاجزة عن قول الحقيقة بشكل مباشر، وبعدها تتجمع أفراد الاسرة بينما تكشف نظراتهم حول مائدة الطعام عن حالة احتقان مكتومة. ومع صوت المطر المسيطر على الأجواء، تخبره لويسة انها أخبرت الجميع بأن والدهم هو القاتل. هنا يبدأ البيت في الانفجار من الداخل ويتحول الصمت الطويل إلى مواجهة مفتوحة.
يكشف العرض في هذه اللحظات طبيعة العلاقات داخل الأسرة، فلابن الأوسط الذي يحمل غضبًا واضحًا تجاه والده، في مقابل الابن الأصغر الذي يتمسك بصورة الأب ويرفض تصديق الاتهامات الموجهة إليه. أما الابن الأكبر فظهر كشخصية منكمشة نفسيًا، انعكس اضطرابها في طريقة الجلوس ونبرة الحديث المرتبكة، وكأنه شخص استهلكه الخوف لسنوات حتى فقد قدرته على المواجهة.
يزاد التوتر حين تتجه لويسة إلى المفتش لإخباره بالحقيقة، لكن يدخل عليهما إيسياس ويدخل في مواجهة مباشرة معه محاولًا تبرير فعلته، فيقول إنه لو ارتكب هذه الجريمة قبل أربع سنوات فقط لاعتبره الجميع بطلًا، أما الآن فأصبح مجرمًا. ثم يكشف أن القتيل هدده بالانتقام بعد مقتل زوجته وابنته، وأنه قتله دفاعًا عن نفسه، ثم يأخذه المفتش إلى السجن. وبعدها  استمر الابن الأصغر في تكذيب لويسة، وتقرر أن تفجر لهم حقيقة أكثر قسوة حين تعترف بأن إيسياس كان يتحرش بها دائمًا ويتعامل معها بطريقة تتجاوز حدود القرب الطبيعي، وهذه اللحظة دعمتها الإضاءة الصفراء التي منحت المشهد شعورًا بالاختناق الداخلي للويسة وكل من يسمعها من الأسرة. وينتهي العرض بصورة شديدة الدلالة حيث يجلس الابن الأوسط في مكان أبيه على مائدة الطعام بينما تتسلط عليه الإضاءة وهو يدخن من سجائر والده.

ينجح العرض في تقديم الطاغية ليس باعتباره شخصًا صاخبًا طوال الوقت، بل جعل حضوره النفسي داخل البيت كافيًا لإبقاء الجميع في حالة توتر دائم. وتظهر شخصية إيسياس كرجل اعتاد السيطرة إلى الحد الذي جعله يتعامل مع جريمة القتل بهدوء بارد ومخيف. فثباته أثناء استجواب المفتش لا يعكس شجاعة بقدر ما يكشف عن شخص يرى نفسه دائمًا محقًا، أو على الأقل مقتنعًا بأن أفعاله مبررة مهما بلغت قسوتها. 
أما عن شخصيات الأبناء جاءوا كنتاج مباشر لهذه البيئة القمعية. فالابن الأوسط يحمل غضبًا متراكمًا تجاه والده، ويبدو كأنه الشخص الوحيد الذي لم ينجح الخوف في إخضاعه بالكامل، بينما جاء الابن الأصغر على النقيض تمامًا، حيث تمسك بصورة الأب ورفض تصديق لويسة رغم كل ما انكشف، والابن الأكبر فكان من أكثر الشخصيات التي حملت آثار القمع النفسي بشكل واضح، ليس من خلال الحوار فقط بل عبر حضوره الجسدي نفسه. فقد بدا منطويًا ومنكمشًا أغلب الوقت، وكأن جسده يعكس سنوات طويلة من الخوف والانكسار. طريقة جلوسه المترددة، وصوته المتوتر، ونظراته القلقة، كلها منحت الشخصية إحساسًا بأنه شخص فقد قدرته على المواجهة تدريجيًا، وتحول إلى كائن يعيش داخل البيت دون إحساس حقيقي بالأمان، حتى لحظات انفعاله كانت مرتبكة وغير مكتملة.
وبالنسبة لشخصية الأم فبعد أن عرفت حقيقة كل شئ لم تلجأ إلى الصراخ أو الانهيار التقليدي، بل اختار المخرج أن يضعها في حالة صمت طويلة بدت أكثر قسوة من الكلام نفسه. كانت تقف وحدها تنظر إلى الفراغ بوجه يحمل خليطًا من الغضب والصدمة والتوتر، دون أن تنطق بأي كلمة، وكأن الشخصية دخلت في لحظة شلل نفسي كامل بعد، وتحولت الشخصية في تلك اللحظات إلى صورة لإنسان أنهكه القمع حتى فقد القدرة على التعبير ولم يتبق لها سوى نظرات جامدة تحمل كل ما عجز الكلام عن قوله.
وشخصية لويسة الوحيدة التي حاولت كسر دائرة الصمت رغم خوفها الواضح. فتوترها المستمر لم يكن نابعًا فقط من رؤيتها لجريمة القتل، بل من سنوات من العيش تحت تهديد دائم، خاصة بعد اعترافها بأنه كان يتجاوز حدود العلاقة الطبيعية معها. فهي من بدأت في نزع الكمامة المفروضة عليها منذ سنوات.
و أكثر ما يكشف قسوة العرض نفسيًا هو نهايته، حين جلس الابن الأوسط في مكان الأب، وأمسك سجائره بالطريقة نفسها، لتبدو اللحظة وكأنها إعلان مرعب بأن القمع لا ينتهي بسهولة، بل قد ينتقل من جيل إلى آخر. فالأب ترك لأبنائه بيتًا مليئًا بالخوف، بالإضافة إلى ترك داخلهم أيضًا بذور الطغيان نفسه.

واعتمد العرض على بناء رمزي واضح، فواحدة من أبرز الرموز التي اعتمد عليها العرض كانت مائدة الطعام التي تحولت من مساحة يفترض أن تجمع العائلة إلى ساحة توتر ومحاكمة غير معلنة. فكل مشاهد السفرة حملت إحساسًا بالاختناق والترقب، وكأن الشخصيات لا تجلس لتتناول الطعام، بل لتخفي أسرارها وتراقب بعضها البعض. 
كما لعب المطر دورًا رمزيًا مهمًا داخل العرض، حيث جاء مصاحبًا للحظات التوتر والانكشاف، وكأنه انعكاس لحالة الاضطراب الداخلي داخل البيت. لم يكن مجرد مؤثر صوتي يخلق أجواء درامية، بل أصبح كأن الطبيعة نفسها تشارك الشخصيات اختناقها النفسي، حيث جاء صوت العاصفة قبل لحظة ضرب إيسياس للويسة ليمنح العنف بعدًا أكبر.
كما أن الإضاءة المسلطة على الابن الأوسط وهو يجلس مكان الأب ويدخن من سجائره، فقد كانت من أكثر الصور اكتمالًا رمزيًا داخل العرض، لأنها لم تطرح فكرة نهاية الطاغية، بل طرحت فكرة أخطر: أن القمع يمكن أن يترك أثره داخل ضحاياه أنفسهم، وأن الإنسان قد يتحول تدريجيًا إلى نسخة ممن قضى عمره يحاول الهروب منهم.

اعتمد العرض في معالجته الفنية على خلق حالة مستمرة من التوتر النفسي، لذلك جاءت أغلب عناصره البصرية والسمعية خادمة لهذا الإحساس الخانق الذي يسيطر على البيت منذ اللحظة الأولى. فالإخراج لم يتعامل مع الجريمة باعتبارها حدثًا بوليسيًا تقليديًا، بل حاول بناء عالم مضطرب نفسيًا.
كذلك اعتمد العرض على الشاشات كجزء من الديكور لتكوين شكل المنزل، وهي فكرة ساعدت بصريًا في خلق عالم مغلق يوحي بالحصار مع طبيعة العرض النفسية. لكن حدث انقطاع للشاشات أكثر من مرة أثناء العرض أضعف جزءًا من الإيهام المسرحي، وأخرج الجمهور مؤقتًا من الحالة التي كان العمل يبنيها تدريجيًا، خصوصًا أن العرض قائم في الأساس على التوتر المتواصل والتركيز النفسي.
أما عن الأداء التمثيلي نجح عدد من الممثلين في تقديم توتر الشخصيات داخليًا دون مبالغة واضحة، خاصة في لحظات الصمت والمواجهات الأسرية. إلا أن أداء الابن الأكبر واجه مشكلة تتعلق بانخفاض الصوت في بعض المشاهد، خصوصًا أثناء لحظات الانفعال والبكاء، ما جعل بعض الجمل غير واضحة بالكامل، وأثر على قوة المشهد عاطفيًا رغم صدق الحالة النفسية التي حاول تقديمها.
والنهاية كانت من أكثر اللحظات اكتمالًا بصريًا داخل العرض، فتوزيع الشخصيات على الخشبة، وانعزال الأم في جانب وحدها، مقابل جلوس الابن الأوسط مكان الأب تحت الإضاءة المباشرة، خلق صورة مسرحية قوية اعتمدت على التكوين البصري أكثر من الكلام. وهي لحظة كشفت وعيًا إخراجيًا بأهمية الصورة الأخيرة، باعتبارها تلخيصًا لفكرة أن القمع قد يسقط شكله، لكنه يترك أثره داخل من عاشوا تحته.
هل سقط الطاغية فعلًا، أم أن العنف الذي زرعه داخل البيت بدأ فقط في البحث عن وجه جديد؟ هكذا انتهى عرض “الكمامة” تاركًا هذا السؤال معلقًا داخل ذهن المتلقي دون إجابة. فالعرض كان مهتمًا بترك أثر الحكاية النفسي ممتدًا بعد انتهاء المشهد الأخير، وكأن البيت الذي عاشت داخله الشخصيات ظل مفتوحًا داخل عقل الجمهور حتى بعد إسدال الستار. وقد اعتمد العرض طوال أحداثه على توتر متراكم أكثر من اعتماده على  الانفعالات الحادة المباشرة، فكان الخوف حاضرًا في الصمت وفي النظرات وفي المسافات بين الشخصيات، أكثر من حضوره في الكلمات نفسها.
انتهى العرض بتقديم مشهد يدل على أن بعض أشكال العنف لا تنتهي بمجرد غياب صاحبها، لأنها تظل عالقة داخل من عاشوا تحتها طويلًا. ومن هنا جاءت النهاية مفتوحة ومقلقة لا تطرح انتصارًا واضحًا بل تطرح خوفًا من تكرار الدائرة من جديد.


نورهان ياسر