فى ساحة مصر ببورسعيد، عند النقطة التى شهدت أول ضربة معول فى حفر قناة السويس فى السادس والعشرين من شهر أبريل عام 1859، وحيث لا يزال المكان محتفظًا ببعض ذاكرته الأولى، شاهدت عرض «حكايات من رصيف الميناء» للكاتب والشاعر مسعود شومان، وإخراج محمد الدسوقى، وكأن العرض يعود إلى منبعه الطبيعى، ليحاور المكان الذى خرجت منه حكايته.منذ اللحظة الأولى لم يكن المكان مجرد خلفية للأحداث أو إطارًا بصريًا للعرض، بل تحول إلى عنصر درامى فاعل، وإلى شخصية خفية تتنفس مع الشخصيات وتشاركها أسئلتها وهواجسها. بدا الميناء هنا هو المعنى الغائب الذى يفتش عنه الجميع، بينما نجح ديكور(شادى قطامش) فى استدعاء روح بورسعيد وملامحها البحرية، ليمنح الفضاء المسرحى خصوصية بصرية تنبع من هوية المكان ذاته. وعلى الرغم من هذا النجاح فى بناء العالم البصرى للعرض، فإن اختيار ملابس بعض الشخصيات، وتحديدا الأب وزوجة الشقيق الأكبر، بدا فى بعض اللحظات أقل اتساقًا مع الضغوط الاقتصادية الحادة التى تعيشها الأسرة داخل السياق الدرامى، وهى ملاحظة بسيطة تتعلق بمصداقية التشكيل البصرى للشخصيات ولا تنتقص من القيمة الجمالية العامة للعرض. يقوم البناء الدرامى على ست شخصيات تمثل أجيالًا ورؤى مختلفة لمعنى الوطن والانتماء: الأب (محمد التفاهنى)، والأم (أميرة فؤاد)، والجد (حسنى عكرى)، والشقيقان (وسام الصفتى) و(بلال سعد)، وزوجة الشقيق الأكبر(جنا الحسينى).ومن خلال هذا التكوين الإنسانى تتشكل ثنائية الجذور والحلم؛ حيث يتمسك الآباء والأجداد بذاكرة المكان وخبراته المتراكمة، بينما يحاول الأبناء فتح نافذة نحو مستقبل أكثر رحابة فى مواجهة واقع اقتصادى شديد القسوة.لغة مسعود شومان جاءت مشبعة بالشعرية، متجاوزة الوظيفة الحوارية التقليدية إلى بناء عالم من الصور والاستعارات. إنها كتابة تتكئ على المجاز بوصفه أداة درامية، فتمنح النص كثافة وجدانية عالية، وتقترب فى لحظات كثيرة من أجواء المسرح الشعرى دون أن تفقد حيويتها أو اتصالها بالفعل المسرحى. وكانت بعض الجمل أشبه بشذرات تحفظها الذاكرة لما تحمله من حس إنسانى عميق وبحث دائم عن معنى الوطن.وعلى مستوى الفرجة المسرحية، جاءت الاستعراضات التى أشرف عليها محمد أبوصالح مندمجة عضويًا فى النسيج الدرامي، فلم تبد فواصل منفصلة عن الحدث، بل ساهمت فى تطويره وتعميق دلالاته، وهو ما منح العرض إيقاعًا متدفقًا حافظ على تماسكه من البداية إلى النهاية.أما موسيقى وألحان وأغانى رجب الشاذلى فقد انطلقت من الذاكرة السمعية للمكان، مستلهمة عالم السمسمية وأدوار الضمة وتراث المدينة الغنائى، لتصبح الموسيقى امتدادًا طبيعيًا للحدث الدرامى، وعنصرًا إضافيًا فى بناء الهوية البصرية والسمعية للعرض.ويطرح النص واحدة من القضايا الراهنة التى تشغل أجيالًا كاملة؛ فليس غريبًا أن يغادر أحد الشقيقين بحثًا عن الخلاص خارج الحدود، قبل أن يكتشف فى النهاية أن الحل قد يكون كامنًا فى العودة إلى الجذور نفسها، وفى تحويل التراث والمنتج المحلى إلى قيمة إنسانية قادرة على مخاطبة العالم. وهى رؤية تطرح الخصوصية الثقافية باعتبارها طريقا إلى العالمية، لا نقيضًا لها.ما يحسب للعرض أيضًا نجاحه فى إيصال فكرته المركزية بوضوح وسلاسة إلى الجمهور. فعلى الرغم من طبيعة الفضاء المفتوح، ظل المتفرجون مشدودين إلى الحدث وإلى تطوراته الدرامية، وهو ما يعكس قدرة العرض على بناء تواصل حقيقى مع جمهوره.ويحسب للمخرج محمد الدسوقى أنه قرأ النص من الداخل، وأدرك قلبه النابض، فنجح فى توظيف عناصر العرض كافة داخل رؤية إخراجية متماسكة. من المكان الاستثنائى، إلى الأداء التمثيلى، إلى الموسيقى والاستعراضات والإضاءة، تشكلت منظومة جمالية واحدة صنعت عرضًا يحتفى بالمكان، ويستدعى ذاكرته، ويعيد طرح سؤال الوطن بلغة بصرية وشعرية مفعمة بالحياة.