فى ذكرى رحيله أحمد الحجار وتر أصيل فى مسيرة المسرح الغنائى

فى ذكرى رحيله أحمد الحجار وتر أصيل فى مسيرة المسرح الغنائى

العدد 959 صدر بتاريخ 12يناير2026

مرت منذ أيام ذكرى رحيل الفنان الأصيل أحمد الحجار، رحمه الله، وهو يعد فى عالم المسرح الغنائى من أبرز الفنانين الذى كان لهم أثر كبير فى مسيرة اللحن الدرامى للمسرح والسينما أيضًا. وقد جمع بين التلحين والغناء والأداء الدرامى أيضًا. ونجح بشكل كبير فى جعل الموسيقى عنصرًا أساسيًا فى البناء الدرامى للعمل الفنى، فلم تكن الحانه مجرد بصمة صوتية مصاحبة للعمل، بل كانت شريكًا أصيلًا وكاملًا فى الفعل المسرحى، مدركًا لأبعاد التعامل مع خشبة المسرح ومتطلباتها اللحنية ومفردات التفاعل مع الجمهور الحى.
فى عائلة فنية ولد أحمد إبراهيم الحجار فى 7 سبتمبر 1956 بحى إمبابة فى الجيزة. فقد كانت عائلته مستغرقة فى الموسيقى والطرب، فوالده الفنان إبراهيم الحجار، مطرب وملحن ومعلم لقواعد الغناء، ووالدته تجيد غناء أغانى ليلى مراد وأسمهان، وشقيقه الأكبر على الحجار إحدى أيقونات الغناء المصرى. التحق بالمعهد العالى للموسيقى العربية، حيث تعلم العزف على العود والبيانو، ودرس المقامات الشرقية والغربية والنوتة الموسيقية. هذا التكوين أسّس لحسّ درامى واضح انعكس لاحقًا فى أعماله المسرحية.
بدأ احترافه مبكرًا، وهو لا يزال طالبًا فى السنة الأولى، بلحن أغنية «اعذرينى» لشقيقه على الحجار، مما يعكس موهبة فطرية تعمقت بالتكوين الأكاديمى.
استطاع أحمد الحجار بحسه الفنى الراقى، وعلمه الموسيقى، وموهبته الفطرية أن يبدع فى موسيقاه المسرحية. فكانت ألحانه تمثل نسيجا دراميا حيا متأصلا فى العمل المسرحى، فكان المسرح الموسيقى والغنائى بالنسبة له عالما حيا متكاملا، يصنع إيقاعه بنبضه، ويصوغ جملته اللحنية بروحه، من قلب الحدث الدرامى ليشكل وجدانا دراميا عميقا، ليستغرق المتفرج فى أعماق الشخصيات وأفعالها وانفعالاتها، ويندمج مع مشاعرها من خلال جمال اللحن، ودقة المعنى، وبراعة التوافق مع الإيقاع، ليناسب كل ذلك التصعيد الدرامى للحدث المسرحى. فكان كملحن يحسن قراءة الدراما ويحسن التعبير عنها، وكمطرب كان ينساب مع نبض النص والخشبة، وكممثل يدرك حدود حركته وإحساسه.
انجذب أحمد الحجار إلى العمل المسرحى فى وقتٍ مبكر، وانحاز إليه عن وعى واختيار، فى مرحلةٍ كان فيها معظم أبناء جيله يطاردون الشهرة عبر ألبومات الغناء الفردى وشرائط الكاسيت. غير أنه آثر الدراما المسرحية، إيمانًا منه بأنها فعل فنى يحمل رسالة وغاية، وقادر على التأثير فى الوعى الجمعى. فوجد فى الموسيقى المسرحية مساحة أصدق للتعبير، ووسيطًا حيًا يصل عبره إلى عقل المتلقى وقلبه معًا وتعامل مع الأغنية المسرحية بوصفها عنصرًا لبناء المجتمع، وليست مجرد استراحة للطرب. وقد اشترك بالتلحين فى أعمال مسرحية عديدة - مثل:
رابحة رابحة (1987)
رحلة التنوير (1990)
اتنين فى قفة (1991)، لفرقة الفنانين المتحدين
لعبة الحب والحنان (1992)، لفرقة افلام مصر الدولية
تأشيرة دخول للوطن (1993)، لفرقة المسرح الحديث
عيال تجنن (1994)، إنتاج أفلام الحجاز
حب الرمان (1996)، لفرقة تحت 18. إخراج حسام عطا. بالبيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية
اللهم اجعله خير (1997)، لفرقة المسرح الكوميدى
رصاصة فى القلب (2000)، لفرقة المسرح الكوميدى
امرؤ القيس فى باريس (2000)، لفرقة مسرح الغد (غناء فقط). إخراج جلال عثمان.
خايف أقول اللى فى قلبى (2002)، لفرقة المسرح الكوميدى.
العشاق (2003) لفرقة مسرح الغد. إخراج سعيد سليمان.
 لص بغداد (2006)، لمسرح البالون. إخراج ناصر عبدالمنعم.
أحب سيدنا النبى (2007)، لفرقة مسرح الغد. إخراج حمدى أبوالعلا.
سابع أرض (2008)، لفرقة مسرح الغد. إخراج سامح مجاهد.
خالتى صفية والدير (2010)، للمسرح القومى.
عجائب الزمان (2013)، لمسرح البالون. إخراج ممدوح درويش.
الثانية فى الغرام (2017)، لمسرح البالون. إخراج سامح العلى.
طقوس العودة (2021)، من إنتاج مسرح الغد وعرض فى مسرح الطليعة. إخراج سعيد سليمان
 خلطة شبرا (2022)، لمسرح الطليعة. إخراج محمد سليم.
كما شارك بالتمثيل والغناء فقط فى (عجائب الزمان 2013)
فى هذه المسرحيات عمل أحمد الحجار على ان تكون الموسيقى ليست مجرد حلية أو جمالية للعرض بل هى من ضمن السياق نمو وتتشكل معه وداخله وفق إيقاع المشهد واحداث النص وطبيعة الشخصيات. وأشهد شخصيًا على ذلك حيث اشتركت معه بالتمثيل فى أربع مسرحيات - إحداهم كانت أشعارها من تأليفى - حيث كان يحضر البروفات كاملة ويتابع ويراقب ويندمج مع كل شخصية وحدث ويستوعب من المخرج كل التفاصيل حتى يصل فى النهاية لأفضل شكل ومضمون موسيقى معبر، فكان شريكًا فعليًا فى البروفات، يُعيد ضبط الإيقاع، ويعدّل الجمل اللحنية وفق الحركة والزمن المسرحى. مما يدل على واحدة من أهم سمات تجربة أحمد الحجار هى فهمه العملى لطبيعة العرض المسرحى. وكأن الأغنية عنده تدعو المتلقى للتفكير بقدر ما تُطربه، وتُضىء مشاعره بقدر ما تُحرّكها.
كل هذا جذب إليه المخرجين ليتعاون معهم عبر سنوات طويلة، من بينهم: مراد منير، سيد خاطر، فيصل عزب، محسن حلمى، علاء قوقة، ناصر عبد المنعم، حسام الدين صلاح، حسام عطا، حمدى أبوالعلا، سامح مجاهد، سعيد سليمان، محمد سليم، سامح العلى، ممدوح درويش، ومحمد مرسى.
هذا التنوع هنا ليس عدديًا فقط، بل دلاليًا؛ إذ يكشف عن قدرة الحجار على التفاعل مع رؤى إخراجية مختلفة، دون أن يفقد هويته الموسيقية.
تبلغ تجربة أحمد الحجار مسارا متجددا ومختلفا فى العروض التى جمع فيها بين التمثيل والتلحين والغناء، مثل:
حب الرمان (1996)، من تأليف السيد حافظ وإخراج حسام عطا. من إنتاج فرقة تحت 18 بالبيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية، وعرضت بالحديقة الثقافية بالخوض المرصود بالسيدة زينب. وشاركه البطولة الفنانة مى عبدالنبى ود. محمد عبدالمعطى وجمال الشيخ وعادل الكومى ومحمود البنا وطارق شرف.
أحب سيدنا النبى (2006)، فى تجربة دينية صوفية، من تأليف وإخراج حمدى أبوالعلا، لفرقة مسرح الغد بالبيت الفنى للمسرح، وعرضت بمسرح الغد وبالإسكندرية وفى بورسعيد، وشاركه الأداء فيها الفنانون سمير حسنى، وخالد الذهبى، وميرفت سعيد، وعثمان محمد على، والإذاعى الكبير حمدى الكنيسى فى تجربته الوحيدة للمسرح، مع شباب المسرح الغد شريف عواد وفتحى الجارحى وأحمد الشريف والمطرب محمد فارس.
كما شارك بالتمثيل والغناء فقط دون التلحين فى مسرحية «عجائب الزمان» (2013)، على مسرح البالون إنتاج البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية، وشاركه البطولة الفنانين، صفوة، مجدى فكرى، وحمادة سلطان. من تأليف وإخراج ممدوح درويش.
لم يتعامل أحمد الحجار مع التراث - الدينى أو الغنائى - بوصفه مادة نوستالجية، بل بوصفه طاقة حية قابلة لإعادة التشكيل. فى أعمال مثل أحب سيدنا النبى، لحظة صفا فى رحاب المصطفى، ويمامة بيضا، تتجاوز الموسيقى حدود الوعظ أو الترديد، لتصبح تجربة وجدانية وجمالية، تخاطب المتلقى عبر الإحساس قبل الخطاب.
إلى جانب المسرح، قدّم الحجار ألحانًا سينمائية لعدد من الأفلام، منها:
دولت فهمى التى لم يعرفها أحد، الفتى الشرير، أمريكا شيكا بيكا، الفاس فى الراس.
كما ترك بصمة واضحة فى الدراما التلفزيونية، من خلال تلحين مقدمات مسلسلات، مثل:
محاكمة الجيل، كوم الدكة، مذكرات زوج، ألف ليلة وليلة (حمال الأسية)، العودة، عصر الفرسان، لا تخرجوا آدم من الجنة.
وهى مقدمات لا تزال حاضرة فى الذاكرة السمعية، لقدرتها على تلخيص الدراما موسيقيًا، دون مباشرة أو افتعال.
إلى جانب إسهاماته البارزة فى المسرح الغنائى، برز أحمد الحجار كمطرب وملحن موهوب، حيث أطلق شهرته الغنائية أغنية «عود» التى أصبحت علامة فارقة فى مسيرته، وأصدر أربعة ألبومات غنائية ناجحة مثل «اتمنيت» و«ولا عمرى»، تضمنت أغانى شهيرة مثل «شوفتك» و«لحظة وداع» و«على حسب وداد قلبى». كما قدم ألحانًا مميزة لكبار المطربين، منهم شقيقه على الحجار فى أغانٍ مثل «أعذرينى» و«لما الشتا يدق الببان»، ومحمد فؤاد فى أغانى فيلم «أمريكا شيكا بيكا» مثل «يعنى إيه كلمة وطن» و»عم دهب»، وهشام عباس فى «أنا حلمك»، وأنغام فى «الدنيا دروب»، بالإضافة إلى مدحت صالح وعلاء عبد الخالق وأنوشكا، مما جعل ألحانه تمس القلوب وتحقق انتشارًا واسعًا فى التسعينيات وما بعدها.
بقى أن نذكر أن الفنان الراحل أحمد الحجار كما عرفه الجميع وشهدوا له كان دمث الخلق، طيب القلب، ذى أدب جم، حيى المظهر والجوهر، ملائكى الطباع، هادئ النبرة، خجول لأقصى درجة، لم يغضب أحد ولم يغضب من أحد طوال عمره، حنون، خفيض الصوت، خفيف الظل، مرح، ضحوك، بشوش، بهى الطلعة، لا يكفيه كتاب كامل لوصف إنسانيته وحسن طباعه.
برحيل أحمد الحجار فى 4 يناير 2022، فقد المسرح الغنائى المصرى واحدًا من أكثر فنانيه إخلاصًا للخشبة. فنانًا لم يتعامل مع الموسيقى كسلعة، ولا مع المسرح كمنصة عابرة، بل كمساحة للتنوير والتجريب والصدق.
إن تجربة أحمد الحجار تظل شاهدًا على إمكانية المسرح الغنائى بوصفه فنًا حيًا، قادرًا على الجمع بين الجمال والمعنى، بين الطرب والفكرة، وبين التراث والحاضر.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏