العدد 982 صدر بتاريخ 22يونيو2026
فى بعض العروض المسرحية لا تكون الخشبة مجرد مساحة لتمثيل التاريخ، بل تتحول إلى جهاز حساس يعيد تفكيك التاريخ نفسه وهو يُصاغ أمامنا.. وعرض «الهجّانة» من هذا النوع تحديدًا؛ لأنه لا يقدّم الماضى بوصفه حكاية منتهية، بل يفتحه على احتمالات القراءة، وكأنه يعيد كتابة الذاكرة المصرية وهى تتنفس على الخشبة بين الضوء والعتمة، وبين الجسد والنظام، وبين ما يُرى وما يُراد له أن يظل خارج الرؤية.
لذا حين يُعرض العمل أمام لجنة التحكيم، لا يعود السؤال متعلقًا بجودة الأداء فقط، بل بكيفية تشكّل المعنى داخل كل تفصيلة: كيف يُلبس الجندي؟ كيف يتحرك؟ كيف يُضبط الضوء على جسده؟ وكيف يمكن لحركة بسيطة مثل العصا فى مشهد التحطيب أن تعيد تعريف جغرافيا الجنوب داخل العرض كله؟
هنا تحديدًا يصبح المسرح مساحة اختبار لا للعرض وحده، بل لسلطة التشكيل نفسها: من يملك حق رسم الجسد على الخشبة؟ ومن يحدد شكل القوة؟ ومن يترك أثره فى الذاكرة البصرية للمتلقى بعد انتهاء العرض؟
لذلك فى قراءة عرض «الهجّانة» داخل سياق لجنة التحكيم، لا يعود العمل مجرد منتج فنى مكتمل، بل يتحول إلى كيان قابل لإعادة التشكيل؛ نصٌّ حيٌّ يتغير مع كل لحظة قراءة، وكأن العرض ذاته يعترف ضمنيًا بأن اكتماله ليس فى عرضه الأول، بل فى سلسلة “التعديلات” التى تعيد ضبط علاقته بالمتلقى، وبسلطة التقييم، وبالفضاء المؤسسى الذى يُعيد تعريفه.
وربما هُنا يصبح السؤال النقدى أكثر إلحاحًا: هل التعديل فى سياق لجنة التحكيم هو تحسين جمالى محايد، أم أنه تدخل فى البنية الدلالية للعرض؟ وهل ما يبدو “ضبطًا تقنيًا” للإضاءة أو الإيقاع أو الكتلة الحركية، هو فى العمق إعادة هندسة لمعنى الجسد نفسه على الخشبة؟
فإذا كان (ميشيل فوكو) يرى أن السلطة لا تعمل بالقمع المباشر فقط، بل بإعادة تنظيم ما هو مرئى ومسموح بتداوله داخل المجال الخطابى، فإن العرض المسرحى فى رؤيته الثانية يمكن قراءته بوصفه امتدادًا لهذه السلطة الناعمة؛ سلطة لا تمنع العرض من الوجود، لكنها تعيد تعريف كيفية وجوده.. وكأننا أمام ما يمكن تسميته بـ”سلطة ما بعد الإنتاج”، حيث لا يُصنع العمل فى لحظة الإخراج وحدها، بل فى لحظة تقييمه أيضًا.
فى هذا السياق، تصبح الإضاءة التى كانت فى العرض الأصلى “أداة قهر بصري” أو “عينًا استعمارية رمزية”، قابلة للتحول داخل التعديل إلى أداة توضيح جمالى أكثر حيادًا، لكن هذا الحياد الظاهرى قد يخفى إعادة ترويض للمعنى.. فحين يُخفَّف حدّ الضوء أو يُعاد توزيع الظلال، لا يتغير الشكل فقط، بل تتغير العلاقة بين الجسد والنظر إليه.. وهنا يستعاد مفهوم «السيطرة على الرؤية»، كما عند (جون برجر) فى كتابه الشهير Ways of Seeing، حيث لا يرى الإنسان العالم فقط، بل يُجبر على رؤيته وفق ترتيب بصرى مسبق.
وفى «الهجّانة»، كما أعيد تقديمه فى سياق التحكيم، يمكن قراءة التعديلات باعتبارها محاولة لإعادة موازنة العلاقة بين الكتلة الجمعية واللحظة الفردية.. فالمشاهد الجماعية التى كانت تُقرأ بوصفها “مقاومة صامتة ضد محو الفرد”، قد تُعاد صياغتها لتصبح أكثر وضوحًا سرديًا، أقل كثافة رمزية، وأكثر قابلية للفهم الفورى.. ولكن هنا يبرز سؤال جمالى حاد:
هل الوضوح دائمًا قيمة فنية؟ أم أنه أحيانًا شكل من أشكال التبسيط الذى يخفف من عنف التجربة الأصلية؟
إن هذا التوتر بين الكثافة والوضوح يعيدنا إلى (آرثر ميلر) حين قال فى أحد مقالاته عن المسرح:
الوضوح ليس دائمًا الحقيقة، بل أحيانًا هو ما تبقى بعد أن نفقد تعقيدها.
ومن هنا يمكن قراءة تعديل علاقة الجمل بالجسد المسرحى بوصفه نقطة حساسة فى إعادة تشكيل المعنى.. ففى الصياغة الأولى، كان الجمل ليس رمزًا فقط بل “ذاكرة متحركة” تتجسد داخل الأجساد، أقرب إلى ما يسميه (موريس ميرلو بونتي) بـ”الجسد-الخبرة”، حيث لا يكون الجسد حاملًا للمعنى بل منتجه.. لكن فى سياق التعديل، قد يُعاد ضبط هذا الرمز ليصبح أكثر مباشرة، أقل التباسًا، وأكثر قابلية للقراءة السريعة داخل سياق العرض التنافسى.. وهنا يتغير جوهر السؤال: هل ما زال الجمل فكرة، أم أنه عاد إلى كونه علامة؟
وهذه التحولات الصغيرة ظاهريًا تفتح الباب أمام سؤال أعمق حول علاقة المسرح بالمؤسسة. فكما يشير (هانز تيز ليمان) فى مفهوم «المسرح ما بعد الدرامى»، فإن العرض لم يعد نصًا مغلقًا، بل بنية مفتوحة تتشكل فى كل سياق عرض وإعادة عرض وتلقى.. ومن ثم فإن لجنة التحكيم ليست خارج العمل، بل جزء من دورة إنتاجه الثانية، حيث يُعاد تعريف ما هو «مقبول جماليًا»، وما هو «مفرط فى رمزيته» أو «غامض أكثر من اللازم».
وفى هذا السياق، يمكن فهم التعديل ليس كتصحيح، بل كـ«ترجمة داخلية» للعرض من لغة جمالية إلى أخرى؛ من لغة كثافة وجودية إلى لغة وضوح مؤسسى.. لذا هنا قد يظهر التوتر بين مسرح يريد أن يكون تجربة وجودية، ومسرح يُطلب منه أن يكون قابلًا للتقييم والمعايير.
لكن يظل السؤال الأكثر عمقًا يبقى قائمًا: ماذا يحدث للمعنى حين يُعاد تنظيمه ليصبح أكثر ملاءمة للعرض داخل سياق تنافسي؟ هل يفقد العرض جزءًا من “خشونته الجمالية” التى تمنحه صدقه، أم أنه يكتسب طبقة جديدة من الوعى بذاته؟
إن العتمة التى كانت فى القراءة الأولى “ذاكرة غير مرئية” تتحول فى سياق التعديل إلى عنصر أكثر انتظامًا، أقل فوضوية، وكأنها تُعاد هندستها لتصبح جزءًا من إيقاع بصرى محسوب. بينما الضوء، الذى كان سلطة قهر أو كشف، يصبح أكثر توازنًا، أقل عنفًا، وأكثر انسجامًا مع توقعات لجنة التحكيم.
وهنا يمكن استدعاء رأى (إدوارد جوردون كرايج) الذى كان يرى أن المسرح العظيم لا يقوم على التوازن، بل على التوتر؛ لأن التوتر هو ما يُنتج الحياة داخل الصورة المسرحية.. فإذا تمت تسوية هذا التوتر بالكامل، يصبح العرض جميلًا.. لكنه أقل حيوية.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن «الهجّانة» فى نسخته المعدلة يقف بين نظامين:
نظام التجربة الذى يسعى إلى تفجير المعنى،
ونظام المؤسسة الذى يسعى إلى تنظيمه.
وفى هذا التوتر تحديدًا تتجلى قيمة العمل، لا فى اكتماله، بل فى قابليته لأن يُعاد سؤاله باستمرار:
هل ما زال الطريق فى العرض طريقًا أم أصبح مسارًا مُهذبًا بصريًا؟
هل الجسد ما زال يُحمل داخل الرحلة أم أصبح يُعرض داخل إطار محسوب؟
وهل الذاكرة التى كان العرض يستدعيها، ما زالت مقاومة للنسيان أم أنها أصبحت أكثر توافقًا مع قابلية التقييم؟
فمن هنا تتبدّى أهمية “الهندسة البصرية” للعناصر التى قد تبدو إجرائية، مثل أزياء الجنود الإنجليز، أو تشكيل الجسد العسكرى، أو حتى لحظات التحطيب والعصا بوصفها علامة ثقافية جنوبية.. فهذه العناصر ليست تفاصيل زخرفية، بل مفاتيح قراءة كاملة لبنية العرض.
ففيما يخص أزياء الجنود البريطانيين، يمكن قراءتها بوصفها امتدادًا لخطاب استعمارى بصرى قائم على الانضباط والشكلية. فالجندى الإنجليزى فى العرض لا يحضر فقط كفاعل تاريخى، بل كصورة مُحكمة الصنع، دقيقة التكوين، صارمة فى خطوطها وتفاصيلها، وكأن الجسد نفسه خاضع لقانون بصرى صارم يسبق الفعل العسكرى.
لذا كان من باب أولى الاهتمام بالشكل عند البعض لكونه ليس تفصيلًا عابرًا، بل جزء من ما يمكن تسميته بـ”جماليات السلطة”، حيث يتحول المظهر إلى خطاب.. وهنا يمكن استدعاء (ميشيل فوكو) مرة أخرى حين يشير إلى أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر العنف، بل عبر إنتاج أجساد منضبطة، قابلة للرؤية والقراءة والتنظيم.. فالجسد العسكرى الإنجليزى فى العرض ليس جسدًا فرديًا، بل جسدًا مؤسسيًا، مصقولًا لدرجة أنه يبدو أقرب إلى العلامة منه إلى الإنسان.
وفى المقابل، يصبح هذا التكوين البصرى نقطة احتكاك مع الجسد المصرى داخل العرض، الذى يتحرك فى فضاء أكثر خشونة وعضوية، أقل هندسة وأكثر قربًا من الحياة اليومية. فهذا التباين بدوره لا يصنع فقط اختلافًا شكليًا، بل يخلق صراعًا بصريًا بين نموذجين من الوجود: جسد مُنظَّم يمثل سلطة استعمارية، وجسد متحوّل يعبر عن بيئة أكثر التصاقًا بالطبيعة والذاكرة المحلية.
وهنا يمكن قراءة هذه المفارقة بوصفها إعادة إنتاج مسرحية لفكرة “الجسد كخطاب”، كما عند (جوديث بتلر)، حيث لا يكون الجسد مجرد مادة بيولوجية، بل نصًا اجتماعيًا يُكتب باستمرار عبر الحركة والملبس والهيئة.
أما على مستوى تكوين الجسد ذاته داخل العرض، فإن الجنود الإنجليز لا يظهرون كأفراد بقدر ما يظهرون ككتلة، تُدار بإيقاع واحد، وكأن الحركة نفسها جزء من نظام إدارى صارم. هذا التكرار الحركى يعزز فكرة السلطة بوصفها نظامًا بصريًا قبل أن تكون نظامًا سياسيًا، حيث يصبح التشابه فى الهيئة جزءًا من إنتاج الهيمنة.
لذلك فى مقابل هذا الصلابة البصرية، تأتى لحظات التحطيب واستخدام العصا لتفتح طبقة جمالية ودلالية مختلفة تمامًا داخل العرض.. فمشهد التحطيب لا يعمل كاستعراض فولكلورى، بل كعودة إلى طبقة أعمق من الذاكرة الثقافية فى الجنوب المصرى، حيث يتحول الجسد إلى امتداد للأرض، والحركة إلى شكل من أشكال الحوار مع المكان.
فالعصا هنا ليست أداة قتال فحسب، بل امتداد للجسد، وامتداد للهوية، وامتداد لذاكرة ثقافية تتناقلها الأجيال.. لذا يمكن قراءة هذه اللحظة فى ضوء أنثروبولوجى قريب مما يطرحه (فيكتور ترنر) حول الطقس والأداء، حيث تتحول الفعلية الجسدية إلى حامل للمعنى الجمعى والرمزى فى آن واحد.
ومن زاوية مسرحية، نرى كيف يخلق التحطيب داخل العرض توترًا مهمًا مع الجسد العسكرى المنضبط؛ فهو يقدم جسدًا غير مُقنن، جسدًا يقاوم عبر الإيقاع، لا عبر النظام.. جسدًا لا يسعى إلى التشابه، بل إلى التعبير.. وهنا يتحول المشهد إلى حوار بصرى بين منظومتين: منظومة “التنظيم الإمبراطوري”، ومنظومة “الذاكرة الشعبية المتجسدة”.
لذلك يمكن النظر إلى هذه اللحظات بوصفها نقاط حساسة فى التلقي؛ إذ قد يُطرح سؤال مسرحى مهم:
هل تم توظيف التحطيب بوصفه علامة ثقافية داخلية تُعمّق فكرة الجنوب، أم أنه ظهر أحيانًا كإضافة جمالية تحتاج إلى مزيد من الدمج العضوى داخل الإيقاع العام؟
وفى المُجمل يظل التحطيب لحظة مقاومة جمالية، لأنه يعيد إدخال الجسد المصرى إلى معادلة القوة، لا عبر السلاح النظامى، بل عبر الذاكرة الحركية نفسها.
وهنا يمكن إعادة طرح سؤال العرض بشكل أكثر اتساعًا:
ماذا لو لم يكن الصراع فى «الهجّانة» بين جيشين فقط، بل بين نوعين من الجسد؟
جسد يُصنع ليُرى ويُراقب ويُضبط،
وجسد يُنتج معناه من الداخل عبر الحركة والارتجال والذاكرة؟
ثم ماذا لو كانت الأزياء العسكرية ليست مجرد توثيق تاريخى، بل جزءًا من خطاب بصرى كامل يعيد إنتاج فكرة “الهيبة” بوصفها شكلًا؟
وماذا لو كانت لحظات التحطيب ليست استراحة فولكلورية، بل اختراقًا لصلابة البنية الاستعمارية من داخلها، عبر استعادة جسد لا يخضع لنفس منطق الانضباط؟
وهكذا يظل العرض مفتوحًا على أسئلته:
هل تُقرأ الأزياء كتوثيق أم كخطاب؟
هل الجسد العسكرى هو جسد قوة أم جسد مُعاد إنتاجه داخل نظام بصري؟
وهل التحطيب مجرد تراث يُعرض، أم أنه ذاكرة تقاوم إعادة الترويض داخل الفضاء المسرحى المعاصر؟
وفى المسار الآخر شخصية رينيه” بوصفه الدور المضاد الذى لا يقف خارج الصراع، بل يقف داخله وهو أكثر حساسية تجاهه.. فهل يمكن قراءة رينيه باعتباره مجرد امتداد للمنظومة الاستعمارية، أم أنه صوتٌ مشروخ داخلها، يرى العمال والجسد الشعبى من زاوية إنسانية تُربك صلابته المفترضة؟ وهل تتحول علاقته بالشعب إلى لحظة وعى طبقي/إنسانى عابر للهُوية الإمبراطورية، أم أنها تظل مجرد وميض أخلاقى لا يملك تغيير البنية؟ ثم إلى أى مدى يسمح العرض لهذا الصوت أن يتسع، دون أن يُعاد احتواؤه داخل منطق السلطة الذى ينتمى إليه أصلًا؟
كمان طرح العرض تحوّل “منصورة” إلى “منصور” بوصفه لحظة شديدة الكثافة الرمزية، تتجاوز مجرد تبدل اسم إلى إعادة تشكيل للهوية داخل سياق قاسٍ يضغط على الجسد والوجود معًا.. و هنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل هذا التحول يُقرأ كفعل تحرر من قيد اجتماعى وجندرى، أم كإعادة إدماج قسرية داخل منطق القوة الذكورية الذى تفرضه شروط الرحلة والصراع؟ وكيف يمكن فهم علاقة هذا التحول بما يمكن تسميته بانتماء المرأة إلى فطرتها الأنثوية: هل هى عودة إلى أصل داخلى أكثر صدقًا، أم مقاومة ناعمة لطمس الهوية عبر إعادة تعريفها خارج قوالب السلطة؟
ثم ماذا لو كان هذا التحول ليس حدثًا فرديًا، بل مرآة لتحولات أوسع فى بنية المجتمع داخل العرض نفسه؟ وماذا لو كانت الهوية هنا ليست ثابتًا يُكتشف، بل مجالًا يتشكل تحت الضغط، ويُعاد تشكيله كلما تغيرت شروط البقاء؟
وتعالوا نتخيل: ماذا لو كان عرض «الهجّانة» كله ليس عرضًا يُشاهد، بل سؤالًا مفتوحًا يُترك دون إجابة: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنسانًا حين يصبح كل ما حوله قابلًا لإعادة التشكيل؟
فى النهاية، يظل عرض «الهجّانة» - سواء فى نسخته الأولى أو المعدلة - عرضًا يهرب من الاكتمال، لأنه قائم على فكرة أن الطريق لا يُغلق، وأن الذاكرة لا تُصاغ مرة واحدة، وأن المسرح الحقيقى لا يُعرض.. بل يُعاد طرحه كل مرة كاحتمال جديد للمعنى.