العقل الإجرامى «استثناءات» أم «قاعدة»؟

العقل الإجرامى  «استثناءات» أم «قاعدة»؟

العدد 959 صدر بتاريخ 12يناير2026

بعد الحرب العالمية الأولى، وما خلّفته من دمار شامل ومجازر إنسانية غير مسبوقة، وجدت الدراما الأوروبية نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة النظر فى مفاهيم الإنسان، والأخلاق، والسلطة، والعدالة. فجاءت ردود أفعال الكُتّاب المسرحيين متباينة، ما بين رفض الواقع القائم، أو مناقشته وتحليله سياسيًا واجتماعيًا، وفى الحالتين اتخذ الفكر الدرامى منحى ثوريا فى مواجهة السائد.
هذا التحول الفكرى صاحبته الاستعانة بأفكار جديدة أفرزها التقدم العلمى، وعلى رأسها نظريات علم الاجتماع ونظريات علم النفس الاجتماعي، كما تزعزعت المفاهيم القديمة التى كان الإنسان يعتقد بثباتها. فكانت فاجعة الحرب كاشفة لتشوّه عميق فى العقل الجمعى العالمى، وممهّدة لظهور تيارات مسرحية تتراوح بين العبث واللاواقع من جهة، والمسرح السياسى التحليلى من جهة أخرى.
وفى ألمانيا تحديدًا، نشأ تيار مسرحى سياسى مناهض للأمركة والهيمنة الغربية، فى ظل إقصاء ألمانيا عن خريطة القوى العظمى، وبالتوازى مع صعود النازية، وهو السياق الذى تشكّل فيه وعى برتولت بريخت المسرحى.
بحسب بريخت، لا يُقاس العمل المسرحى بمدى جماله الفنى فقط، بل بقدرته على إنتاج الوعى والمساهمة فى حل الإشكاليات الاجتماعية والسياسية. فالمشاهد عنده ليس متلقيًا سلبيًا بل عنصرًا فعالًا وشريكًا فى العملية المسرحية، وهو ما عبّر عنه بقوله: «لا أطالب أن تخلد أعمالي، لكن أحب أن تُهضم وتُستعمل، والخالد هو المنتج».

مسرحية الاستثناء والقاعدة
مسرحية «الاستثناء والقاعدة» هى من المسرحيات التى كتبها الشاعر والمخرج والكاتب الألمانى بريخت (1898-1956)، وتعتبر مسرحية (دائرة الطباشير القوقازية)، ومسرحية (الأم شجاعة)؛ بالإضافة إليها من أهم ما كتبه بريخت، وأكثر نصوصه استعمالًا على الخشبة المسرحية، وأكثرها شهرة.
ويقع نص مسرحية (القاعدة والاستثناء) فى المرحلة الثانية فى أزمان الكتابة المسرحية عند بريخت، وهى التى سميت بالمرحلة التعليمية. بعد أن كتب نصوصه الأولى تحت عباءة التعبيرية، مثل المسرحيات: (بعل)، (فى غابة المدن)، (الإنسان إنسان). وقبل أن يخلط بين المرحلتين، كما في  المسرحيات: (غاليلو)، (الأم شجاعة)، (الإنسان الطيب)، (السيد بونتيلا وتابعه ماتي)، و(دائرة الطباشير القوقازية).
وترجع أهمية هذا النص لكونه صرخة فى مواجهة النفوذ الإمبريالى فى العالم الثالث، لأنه فى توجهاته يناهض الاستعمار بأشكاله الاقتصادية والثقافية والسياسية ؛ ويعتمد النص على أهمية الحكاية المطروحة وعمقها وقوة تعلق الجمهور بها، عبر أسلوب مختلف يهدف إلى مخاطبة العقل لا العاطفة، ويكسر كل الحواجز فى سبيل إيصال رسالة مفادها أن الجمهور شريك فى القضية التى يعالجها الممثلون على الخشبة المسرحية.
و اذا حللنا شخصية السيّد لانجمان فى مسرحية «الاستثناء والقاعدة» من منظور علم النفس الاجتماعى لوجدناها تمثل تجسيدًا دراميًا دقيقًا للعدوانية الناتجة عن تشوّهات معرفية، وعلى رأسها التحيّز نحو الإسناد العدائى. فهو شخصية تفسر أى فعل غامض على أنه تهديد مباشر، مما يدفعه لاتخاذ قرارات عنيفة وغير منطقية تنتهى بجريمة قتل ولذلك يمكن أخذه كمثال تطبيقى ممتاز لنموذج Hostile Attribution Model أو ما يعرف بنموذج الإسناد العدائى..
بريخت يعرض لانجمان كرأسمالى مستغِل، وأيضا كعقل إجرامى يعمل على أرضية معرفية مختلّة، وهذا يجعل الربط بنموذج الإسناد العدائى مناسبًا جدًا له.
ونموذج الإسناد العدائى يفسر التفكير الخاطئ Faulty Reasoning داخل العقل الإجرامى وفق 6 مراحل:
•  الترميز Encoding استقبال الإشارات الاجتماعية.
•  التفسير Interpretation المرحلة التى يظهر فيها التحيّز العدائى.
•  تحديد الهدف Goal Clarification
•  توليد الاستجابة Response Generation
•  اختيار الاستجابة Response Selection
•  التنفيذ Enactment السلوك الإجرامي
وسيّد لانجمان يعانى من انحراف فى خطوات معالجة معطيات المواقف والبيئة حوله..
 بداية من أول مرحلة من مراحل الإدراك وهو الترميز Encoding أو استقبال الإشارات الاجتماعية
فهو يستقبل الإشارات بشكل انتقائى ويركز على ما يؤكد مخاوفه وشكوكه ويلتقط أى حركة أو نظرة من الدليل أو الأجير بوصفها «علامة تهديد» ويتجاهل الإشارات الحقيقية الدالة على حسن النية مثل: مساعدته له وطاعته وخضوعه الكامل وعدم وجود أى نية عدوانية وهذا يشبه تمامًا ما يصفه نموذج الإسناد العدائى بالترميز المنحاز فهو يختار فقط ما يغذى الخوف والتوقع العدائى.

المرحلة الثانية التفسير Interpretation
فى هذه المرحلة يظهر التحيّز العدائى وهى الأخطر لدى لانجمان فهو يفسّر مساعدة الدليل للأجير على أنها «تآمر» ويرى اقتراب الأجير منه باعتباره محاولة اعتداء وعندما يمدّ الأجير يده بالزمزمية، يفسّرها لانجمان على أنها «حجر قاتل»، رغم أنها مجرد قربة ماء وهنا يتحقق بدقة التحيّز نحو الإسناد العدائى من حيث تفسير فعل محايد أو إيجابى على أنه عدائى ومقصود وهو ما عبّر عنه فى النص: «لو رأى عندى بقية ماء لقتلني» هذه الجملة هى الذروة المعرفية للانحراف الإدراكى.

المرحلة الثالثة تحديد الهدف Goal Clarification
بسبب التفسير العدائى، نرى هدف لانجمان واضحًا وهو البقاء الشخصى بأى ثمن والتخلص من مصدر التهديد المتخيَّل وإحباط «المؤامرة» التى يتوهمها.

المرحلة الرابعة توليد الاستجابة Response Generation
نجد أن لانجمان لا ينتج إلا استجابة واحدة فقط وهى العنف والدفاع المسبق ولا يفكر فى طلب التفاوض أو التفاهم أو منح الثقة أو حتى التحقق من حقيقة الفعل ولان اختياراته السلوكية محدودة جدًا، وتعكس تشوهًا معرفيًا فهو يجعل العدوان الخيار الوحيد المتاح.

المرحلة الخامسة اختيار الاستجابة Response Selection
مع غياب البدائل، يصبح الخيار «الأمثل» بالنسبة له هو القتل الوقائى ومن منظور النموذج، هذا نابع من اعتقاده القوى بأن الآخر يضمر الشر، وأن العدوان هو الحل الوحيد لحماية الذات.

المرحلة السادسة وهى التنفيذ Enactment
نتيجة سلسلة التشوّهات المعرفية.. يطلق الرصاص على الأجير بلا أى مبرر حقيقى لأن التفسير كان مشوّهًا منذ البداية، فجاءت النتيجة جريمة كاملة مبنية على وهم.
السيد لانجمان من أهم سماته «التفكير الخاطئ Faulty Reasoning» فهو يعتمد على منطق مختلّ «لو لم أقتله سيقتلني» رغم أن الأجير سلّم نفسه طاعةً وخوفًا كما أنه لديه دائمًا «مخططات معرفية مضادة للآخر Hostile Schemas» فهو يحمل داخله مخططًا ذهنيًا راسخًا بأن «الآخر عدو»، ولديه مخطط آخر طبقى إن العامل كائنًا أقل منه بطبيعته وغير مستحق وهذا هو غذاء تبريراته ومحرك عداءيته.
أخطاء التفكير الإجرامى Criminal Thinking Errors تتجسد فى فساد تفسيره والتبرير والتقليل من الآخر ثم إلقاء اللوم على الضحية وتحميل الأجير مسئولية موته.
و لكن فى النص نقطة خطيرة جدا وهى أن المحكمة فى المسرحية تتبنى هذه الأخطاء وتغطيها بقانون ظاهرى وهذا جزء من نقد بريخت للمنظومة الطبقية والأمبريالية..
و من ثم نجد أنفسنا أمام حقيقة قاسية أن لانجمان لم يكن فرد واحد له سلوك استثنائي وإجرامي ولكنه قاعدة عريضة تم أعتيادها والتأقلم معها وهضمها!
فبريخت يعرض لانجمان كمثال للحالة للذهنية الاستعمارية والرأسمالية المتوحشة، التى تبنى كل ردود أفعالها على الخوف، وتبرر العنف ضد الضعفاء باعتباره «قاعدة» متبعة وليس استثناءً ولهذا فى النهاية يقول: «عليكم أن تجدوا السوء فى القاعدة نفسها…»
لان لانجمان هو نتاج «المخطط المعرفى الطبقى العدائي» الذى ينتجه النظام الرأسمالى نفسه..
إذًا، المحكمة ستحكم ببراءة لانجمان على الرغم من عويل أرملة القتيل الحامل واحتجاج الدليل. وإذ يبدو هذا كله موجهًا إلى المتفرج، فبريخت يدعو إلى الاختيار والى إصدار الجمهور لحكمه الشخصى فى المسألة برمتها. والموقف واضح.. فلا يعود أمام المتفرج سوى واحد من اختيارين: إما أن يقبل الحكم النهائى، وإما أن يرفض الخنوع والخضوع والظلم.. ومن هنا يقول لنا بريخت فى عبارة نهائية: «عليكم أن تجدوا السوء فى القاعدة نفسها. وحيثما تجدون هذه القاعدة عليكم أن تعثروا على الترياق».
ما يريد بريخت أن يقوله هنا هو إن الإنسان العادى، لا شك سيضيع، عندما يبتغى أن يكون طيبًا مع جلاديه. المسألة الجوهرية ليس أن تكسب جلاديك بالطيبة أو بالإقناع. المسألة هى أن تلعب على غير الأرضية التى يملكها الجلادون، وتنافسهم خارج قواعدهم وبالاستثناء الذى تبتكره أنت. فبحسب قاعدتهم أنت خاسر لا محالة ولا مفر من الخسارة وإذا لم تخسر فالحل الوحيد هو العنف والإبادة!
وفى نهاية المسرحية نرى أن بريخت يساعد على استثارة عقل المشاهد من خلال طرح العديد من التساؤلات.. دافعًا جمهوره لاتخاذ موقف إيجابى متفاعل يهدف للتغير وليس التطهير الأرسطى.
فنرى أن بريخت يجعل كل واحد من العناصر المكونة لمسرحه لا يكتفى بإحداث تجديد بل يعمد لإحداث تغيير كلى. فلا يجعل المتفرج على الحياد بل يجعله يفكر بما يراه دون أن يندمج فيه، وهو ما يسمى التغريب، وهدم الحاجز بين الـممثل والجمهور وإشراك الأخير فى العملية الـمسرحية.
ضمن هذا المنطق التعليمى المتبع فى المسرحية، بل التحريضى، الواضح هنا أن الحمال يرمز إلى الشعب الألمانى، الخاضع للعبودية من جانب الطبقات التى تتحكم به. وخلاصة الفكرة التى يطرحها بريخت تتمثل فى الحض على الفاعلية والتخلى عن الخنوع للفكر الإمبريالى الرأسمالى مقدمًا انعكاسًا لاعتقاد بريخت العميق فى الفكر السياسى الماركسى الذى يؤيد ضرورة تخلى طبقة البروليتاريا عن الخنوع والخضوع والسلبية فى وجه الطبقات المتحكمة الرأسمالية وعقلها الإجرامى.

المصادر والمراجع:
•  ج.ل ستيان، الدراما الحديثة بين النظرية والتطبيق، ترجمة محمد جمول، (منشورات وزارة الثقافة،الجمهورية العربية السورية، 1995)، ص 561 - ص 572
•  د. نهاد صليحة، المسرح بين الفن والفكر، (بغداد: القاهرة، مشروع النشر المشترك،1985)، ص94 - ص95
•  عبدالفتاح قلعجى، المسرح الحديث، (دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2012)، ص 064
• المخرج فى المسرح المعاصر: سعد أردش، عالم المعرفة، مصر، 1995
• عن مقدمة د.نهاد صليحة. برتولد بريخت. (2000). الأورجانون الصغير (المجلد الأول). (ترجمة د.فاروق عبد القادر) الجيزة: هلا للنشر والتوزيع.
• جماليات الأستجابة فى دائرة الطباشير القوقازية.. (برتولد بريخت) نموذجًا: محسن النصار، محمد عبد الزهرة الزبيدى، 2017
•  المسرح الأوروبى الحديث ومسرح بريخت إدراك متأخر لفك القيود على الخشبة: عصمان فارس، مجلة الفنون المسرحية.
• بريخت (برتولت). دائرة الطباشير القوقازية. ترجمة: عبدالرحمن بدوى. القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر.سلسلة روائع المسرح العالمى،1965.
• عمر (د. معن خليل). نقد الفكر الاجتماعى المعاصر. ط1. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجيدة، 1978.
• الأدب الأجنبى فى القرن العشرين. حرره L.G. Andreev. كتاب مدرسى للمدارس الثانوية
• بريخت، ترجمة: عبدالغفار مكاوى، مجلة المسرح، القاهرة، فبراير، 01964
• برنار دورت، قراءة بريخت، ترجمة: جورج الصائغ،(دمشق: منشورات وزارة الثقافة،1997)،ص070
• بيتر نانسه فيبر وهيوبرت هالين، برتولد بريخت النظرية السياسية والممارسة الأدبية، ترجمة: كامل يوسف حسين، ط1.
• برتولد بريخت، الأورجانون الصغير، ترجمة: فاروق عبدالوهاب، (الشارقة: هلا للنشر والتوزيع،دت) ص 08
• مارى إلياس ود. حنان القصاب، المعجم المسرحى، ط2، (بيروت: مكتبة لبنان:2006)، ص 0346
• شفيق مقار، دراسات فى الأدب الأوروبى المعاصر، (بغداد: مطبعة الأديب البغدادية 1972)، ص 0155


إيمان سمير عبد القادر