العدد 981 صدر بتاريخ 15يونيو2026
فى تاريخ المسرح المصرى أسماء كثيرة صنعت شهرتها على المسرح، وأسماء أخرى انتقلت إلى السينما والتلفزيون حتى غطت نجوميتها على بداياتها المسرحية. وبين هذه الأسماء يبرز عبدالعزيز مخيون بوصفه حالة خاصة؛ فالرجل الذى عرفه الجمهور ممثلًا بارعًا فى عشرات الأعمال السينمائية والتليفزيونية، ظل فى جوهر تجربته مشروعًا مسرحيًا وفكريًا انشغل طوال حياته بسؤال الهوية والتأصيل والعلاقة بين الفن والناس.
كان المسرح بالنسبة إليه أداة للمعرفة والتغيير الاجتماعى. ومنذ سنوات دراسته الأولى سعى إلى البحث عن صيغة مسرحية مصرية تنبع من البيئة المحلية ومن التراث الشعبى، بعيدًا عن النقل الحرفى للأشكال الغربية السائدة. لذلك ارتبط اسمه بإحدى أهم التجارب المسرحية التى شهدتها مصر فى سبعينيات القرن العشرين، وهى تجربة «مسرح الفلاحين» التى حاول من خلالها نقل المسرح من المدن إلى الريف، وإشراك الفلاحين أنفسهم فى صناعة العرض المسرحى.
وإذا كانت أعماله السينمائية والتليفزيونية قد منحته مكانة جماهيرية واسعة، فإن تجربته المسرحية تظل الجانب الأكثر أهمية فى مسيرته الفنية، لأنها تكشف عن فنان مثقف حمل مشروعًا جماليًا واجتماعيًا واضح المعالم، وظل مخلصًا له رغم ما واجهه من صعوبات وتحديات.
النشأة والدراسة
ولد عبدالعزيز صالح عبدالرحمن مخيون فى 25 فبراير 1946 بمدينة أبوحمص بمحافظة البحيرة. نشأ فى أسرة ريفية ميسورة ذات أصول قبلية، كانت تمتلك مساحات واسعة من الأراضى الزراعية، وتتمتع بحضور اجتماعى وسياسى بارز فى المنطقة.
شهدت طفولته احتكاكًا مبكرًا بالحياة الثقافية؛ فقد ضمت أسرته مكتبة كبيرة، وكان أحد أعمامه يهتم بالشعر والأدب. كما تعرف إلى الاحتفالات الشعبية والسهرات الشعرية والمناسبات الريفية التى كانت تمثل، فى نظره لاحقًا، أشكالًا أولية من الأداء المسرحى الشعبى.
أظهر اهتمامًا مبكرًا بالفنون والقراءة، وشارك فى النشاط المسرحى خلال سنوات الدراسة. وعندما أنهى تعليمه الثانوى توجه إلى القاهرة للالتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية.
واجه فى البداية صعوبات إدارية كادت تحول دون قبول أوراقه بالمعهد، غير أن تدخلًا من الدكتور فوزى فهمى، الذى كان يعمل آنذاك بالمعهد، أسهم فى حل المشكلة وإتمام إجراءات التحاقه. كما خاض لاحقًا اختبارات القبول الرسمية، وأدرج اسمه فى البداية ضمن القائمة الاحتياطية، فاعترض على القرار وقدم شكوى إلى وزير الثقافة والإرشاد القومى عبدالقادر حاتم، مؤكدًا أحقيته فى الالتحاق بالمعهد. وبعد مراجعة الإجراءات أعيد النظر فى النتائج وقبل ضمن الدفعة الدراسية.
تخرج عبدالعزيز مخيون فى المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1967 ضمن واحدة من أبرز دفعات المعهد، التى ضمت عددًا من الفنانين الذين أصبحوا لاحقًا من الأسماء البارزة فى المسرح والسينما والتليفزيون، من بينهم نور الشريف، ومحمد وفيق، وشاكر عبداللطيف، وعلى عزب، ومجدى وهبة، ومصطفى الدمرداش، ونجوى أبو النجا، وغيرهم.
ولم يكتفِ بالدراسة الأكاديمية داخل المعهد، بل انصرف إلى تكوين ثقافته الذاتية بصورة واسعة. عرف طريقه إلى سور الأزبكية، وداوم على حضور العروض المسرحية والأوبرالية والفرق الأجنبية الزائرة، كما تردد على المراكز الثقافية الأجنبية، وحرص على تعلم اللغة الإنجليزية ومتابعة أحدث الاتجاهات المسرحية العالمية.
فى تلك الفترة ارتبط بعدد من المثقفين والمبدعين الذين تركوا أثرًا واضحًا فى تكوينه الفكرى. فقد توطدت علاقته بالشاعر أمل دنقل، واهتم بقراءة كتابات يوسف إدريس وعلى الراعى الداعية إلى البحث عن شكل مسرحى مصرى أصيل، كما تأثر لاحقًا بأفكار المعمارى حسن فتحى حول الهوية المحلية والاعتماد على البيئة المصرية فى البناء والتشكيل.
ومنذ سنوات الدراسة الأولى بدأ يتشكل لديه اقتناع راسخ بأن المسرح المصرى ينبغى ألا يظل أسيرًا للنماذج الغربية الجاهزة، وإنما يجب أن يستمد أدواته وأشكاله من المجتمع المصرى وتراثه الشعبى خصوصًا من البيئة الريفية التى عرفها عن قرب.
البدايات
مع تخرجه فى المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1967 بدأ عبدالعزيز مخيون حياته المهنية فى وقت كانت فيه الحركة المسرحية المصرية تشهد تحولات فكرية وفنية واسعة. كانت الأسئلة المتعلقة بالهوية والتأصيل وارتباط المسرح بالجمهور الشعبى تحتل مكانًا بارزًا فى النقاشات الثقافية، خاصة بعد الدعوات التى أطلقها يوسف إدريس فى سلسلة مقالاته الشهيرة «نحو مسرح مصرى”، وما طرحه الدكتور على الراعى من رؤى حول ضرورة استلهام التراث الشعبى والأشكال الأدائية المحلية.
وجد مخيون نفسه قريبًا من هذه التوجهات. لم يكن مشغولا فقط بالتمثيل أو البحث عن فرصة للظهور، بل كان يسعى إلى تأسيس رؤية مسرحية جديدة تتجاوز مفهوم المسرح بوصفه نشاطًا نخبويًا موجهًا إلى سكان المدن الكبرى. وكان يرى أن المسرح الحقيقى ينبغى أن يعود إلى جذوره الاجتماعية وأن يخاطب الناس فى أماكن وجودهم.
انضم فى بداياته إلى فرقة التليفزيون المسرحية، غير أن طموحه الفكرى دفعه إلى التفكير فى مشروع مختلف تماما. وبينما كان كثير من أبناء جيله يتطلعون إلى النجومية فى القاهرة، كان هو يفكر فى العودة إلى الريف الذى جاء منه، والبحث هناك عن جمهور جديد للمسرح.
مسرح الفلاحين
بعد سنوات قليلة من التخرج اتخذ عبدالعزيز مخيون قرارًا غير مألوف فى الوسط الفنى. عاد إلى موطنه بمحافظة البحيرة حاملًا فكرة إقامة ما أطلق عليه لاحقًا «مسرح الفلاحين».
لم تكن الفكرة مجرد تقديم عروض فى القرى، بل كانت محاولة لبناء تجربة مسرحية كاملة يشارك فيها أبناء الريف أنفسهم، بوصفهم صناع العرض وجمهوره فى الوقت ذاته. وقد استندت هذه الرؤية إلى قناعته بأن الفلاح المصرى يمتلك مخزونًا هائلًا من الثقافة الشعبية والخيال والقدرة التعبيرية، وأن المسرح يجب أن ينطلق من هذه الطاقة الكامنة بدلًا من فرض أشكال فنية جاهزة عليها.
اختار مخيون قرية زكى أفندى التابعة لمركز أبوحمص لتكون ميدانا لتجربته. وقبل أن يبدأ العمل المسرحى حرص على الانخراط فى حياة القرية نفسها. أقام فصولًا لمحو الأمية، وشارك فى بعض الأنشطة الاجتماعية، وسعى إلى بناء علاقة مباشرة مع الأهالى.
كان هدفه أن يصبح المسرح جزءًا من الحياة اليومية للناس، لا نشاطًا طارئًا يأتى من خارج مجتمعهم.
الصفقة
وقع اختيار الفنان عبدالعزيز مخيون على مسرحية «الصفقة» لتوفيق الحكيم لتكون محور تجربته الأولى. ولم يكن اختياره للنص مصادفة، إذ وجد فيه موضوعات قريبة من الواقع الريفى وقابلة لإعادة الاكتشاف من خلال أبناء القرية أنفسهم.
بدأ العمل فى بيت ثقافة أبوحمص، لكنه سرعان ما اكتشف الفجوة الكبيرة بين النص المسرحى كما يتخيله وبين الأداء الذى يقدمه الهواة من الموظفين والطلاب الذين اعتادوا تقليد أنماط التمثيل السائدة فى المسرح والتليفزيون.
لذلك اتجه إلى إشراك الفلاحين أنفسهم فى التجربة. أقنع عددا منهم بالانضمام إلى البروفات وأسند إليهم أدوارا رئيسة فى العرض. وكان يرى أن ما يميز هؤلاء ليس الخبرة الفنية، وإنما الصدق والتلقائية والقدرة الفطرية على التعبير. وقد لاحظ أن الفلاحين يفتقرون إلى التقنيات المسرحية التقليدية، لكنهم يمتلكون حضورًا إنسانيًا وحيوية يصعب العثور عليهما لدى كثير من الممثلين المدربين.
واجه المشروع عقبات عديدة. لم يتفهم بعض المسئولين فكرته، واعتبرها البعض مجرد نزوة أو مغامرة غير واقعية. كما تعرضت البروفات لصعوبات اجتماعية وثقافية، ووصل الأمر إلى حد اعتراض بعض الأهالى على مشاركة الفلاحين فى التمثيل واعتبار ما يجرى نوع من العبث.
لكن مخيون واصل العمل بإصرار، مستندًا إلى دعم الكاتب سعد الدين وهبة الذى كان يشغل آنذاك موقعًا قياديًا فى الثقافة الجماهيرية، وأبدى حماسًا كبيرًا للتجربة وشجع تنفيذها فى القرية.
لم يكتفِ مخيون بتقديم النص كما كتبه توفيق الحكيم، بل سمح للمشاركين بإعادة النظر فيه وإضافة رؤيتهم الخاصة. وتحول العرض إلى ما يشبه الحوار المفتوح بين النص الأصلى وخبرة الفلاحين الحياتية. ولهذا حمل العرض عنوانًا لافتًا هو: «الصفقة كما يراها فلاحو قرية زكى أفندى”. فى هذه الصيغة لم يعد الفلاح مجرد ممثل يؤدى كلمات محفوظة، بل أصبح شريكًا فى إعادة إنتاج المعنى وصياغة التجربة المسرحية.
وقد استغرقت التجربة عدة سنوات، وشهدت تدريبات طويلة ولقاءات متواصلة فى الحقول والساحات المفتوحة، وشارك فيها فلاحون وطلاب وعمال ومهنيون من أبناء المنطقة.
حققت التجربة نجاحًا لافتًا، وأثارت اهتمام عدد من النقاد والكتاب. وكتب عنها حسن عبدالرسول وفوزية مهران ومنحة البطراوى وغيرهم، بوصفها واحدة من أهم المحاولات الجادة للبحث عن مسرح مصرى مرتبط بالبيئة الشعبية.
ثم واصل العمل داخل قرية زكى أفندى من خلال عروض مسرحية نابعة من الواقع اليومى للفلاحين أنفسهم. ومن أبرز هذه التجارب عرض جماعى استلهم أزمة توزيع الدقيق المخصص للسيدات الحوامل ضمن مساعدات منظمة اليونيسيف، حيث كشف من خلاله ممارسات الفساد التى تمثلت فى استيلاء بعض الموظفين على تلك المخصصات قبل وصولها إلى مستحقيها. وقد شارك شباب القرية فى صياغة العرض وأدائه، معتمدين على خبراتهم المباشرة ومعايشتهم للأحداث، ما منح العمل قدرًا كبيرًا من الصدق والحيوية.
كما قدم عرضًا آخر تناول الانتخابات المحلية فى القرية وما يرتبط بها من علاقات النفوذ والمصالح والصراعات الاجتماعية. ومن خلال هذه الأعمال لم يكن المسرح عند مخيون وسيلة للترفيه فحسب، بل أداة لطرح قضايا المجتمع وكشف مظاهر الخلل والفساد ومناقشتها أمام الناس فى بيئتهم الطبيعية.
وامتدت اهتماماته الإخراجية إلى المسرح السياسى، فقدم لفرقة أبوحمص مسرحية «6 رجال فى معتقل 500/ب شمال حيفا» للكاتب السيد حافظ، وهى مسرحية تناولت أجواء الصراع العربى الإسرائيلى وحرب الاستنزاف، وعبرت عن الروح الوطنية التى سادت تلك المرحلة.
وتكشف هذه التجارب عن مخرج يمتلك رؤية اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود العرض المسرحى ذاته. وكان يرفض الفصل بين العمل الثقافى والعمل الاجتماعى، لذلك ارتبطت عروضه بمبادرات للتثقيف ومحو الأمية والحوار المجتمعى، فى محاولة لتحويل المسرح إلى قوة فاعلة داخل المجتمع لا مجرد وسيلة للترفيه.
وقد جاءت هذه العروض بجهود ذاتية وبمشاركة مباشرة من أهل القرية دون أى دعم مؤسسى.
يوميات مخرج مسرحى فى قرية مصرية
وثق الفنان عبد العزيز مخيون هذه التجربة فى كتابه المهم «يوميات مخرج مسرحى فى قرية مصرية»، الذى يعد من أبرز الشهادات التطبيقية على حركة التأصيل المسرحى فى مصر.
لا يقدم الكتاب وصفًا تقنيًا للبروفات والعروض فقط، بل يكشف أيضًا عن رؤية فكرية متكاملة للمسرح وعلاقته بالمجتمع. فمن خلال تفاصيل العمل اليومى يرصد المؤلف طبيعة العلاقة بين الفنان والجمهور، وبين المثقف والناس، وبين النص المسرحى والواقع الاجتماعى.
كما يعرض الكتاب الصعوبات التى واجهها المشروع، بدءًا من ضعف الإمكانات المادية، مرورا بمقاومة بعض المؤسسات الثقافية والإدارية، وانتهاء بالعوائق الاجتماعية المرتبطة بنظرة المجتمع إلى المسرح.
وبفضل هذا الكتاب تحولت تجربة زكى أفندى من حدث محلى محدود إلى وثيقة مهمة فى تاريخ المسرح المصرى الحديث، يستشهد بها الباحثون عند دراسة تجارب المسرح الشعبى والمسرح المجتمعى فى مصر.
المسرح القومى الشعبي
لم ينظر عبدالعزيز مخيون إلى تجربة «الصفقة» بوصفها عرضًا مسرحيًا ناجحًا فحسب، بل اعتبرها خطوة أولى فى مشروع أوسع كان يطمح إلى تحقيقه، وهو ما أطلق عليه «المسرح القومى الشعبى”.
كان يرى أن الجدل الطويل الذى دار بين المسرحيين العرب حول هوية المسرح وشكله ظل فى كثير من الأحيان حبيس الندوات والمقالات، بينما بقى بعيدا عن الممارسة الفعلية. لذلك آمن بأن قضية التأصيل لا يمكن حسمها نظريا، وإنما يجب اختبارها داخل المجتمع نفسه، وبين الجماعات الشعبية التى تمثل الحامل الحقيقى للثقافة الوطنية.
من هذا المنطلق دعا إلى مسرح يستمد لغته وصوره وإيقاعه من البيئة المصرية، ويعبر عن الإنسان البسيط فى القرية والنجع والمدينة الصغيرة، بدلًا من الاقتصار على النماذج المستوردة أو العروض الموجهة إلى جمهور النخبة.
وكان يؤكد أن الفلاحين لا يمثلون شريحة اجتماعية فحسب، بل يمثلون أحد أهم مصادر الشخصية المصرية، بما يحملونه من تراث وخبرات وقيم وأنماط تعبير متوارثة عبر قرون طويلة. لذلك اعتبر أن أى مشروع مسرحى وطنى حقيقى لا بد أن ينطلق من هذا المخزون الشعبى.
وفى كتابه «يوميات مخرج مسرحى فى قرية مصرية» انتقد النظرة الفوقية التى يتعامل بها بعض المثقفين مع الفلاحين، مؤكدا أن العلاقة يجب أن تقوم على المشاركة والتعلم المتبادل لا على التوجيه من أعلى. وكان يرى أن الفنان لا يذهب إلى القرية ليعلم الناس الثقافة، بل ليكتشف معهم أشكالًا جديدة من التعبير الفنى.
وقد وجد فى كتابات يوسف إدريس، لا سيما مقالات «نحو مسرح مصري»، ما يتقاطع مع تطلعاته الفكرية. كما تأثر بآراء الناقد المسرحى على الراعى حول ضرورة استلهام التراث الشعبى وأشكال الفرجة التقليدية فى بناء مسرح عربى حديث.
وتكشف تجربته عن فهم خاص لمفهوم التأصيل؛ فهو لم يكن يدعو إلى استنساخ التراث أو إعادة إنتاجه حرفيًا، وإنما إلى استلهام روحه وآلياته التعبيرية وبناء أشكال جديدة تنتمى إلى الواقع المعاصر.
البعثة الفرنسية وتوسيع الأفق المسرحى
تمثل البعثة التى أوفد إليها لدراسة المسرح فى فرنسا إحدى المحطات المفصلية فى حياة عبدالعزيز مخيون.
سافر إلى باريس لدراسة مناهج المسرح الحديث والاطلاع على أحدث الاتجاهات الفنية الأوروبية. وخلال سنوات إقامته هناك أتيحت له فرصة واسعة للتعرف إلى التجارب المسرحية الغربية المعاصرة ومتابعة العروض والاتجاهات الفكرية المختلفة.
كما عمل خلال تلك الفترة فى الصحافة العربية الموجهة إلى الجاليات العربية فى أوروبا، الأمر الذى أتاح له الاحتكاك المباشر بالبيئات الثقافية والفكرية الأوروبية.
غير أن هذه الرحلة لم تدفعه إلى الانبهار غير المشروط بالنموذج الغربى. فعلى العكس من ذلك، خرج منها أكثر اقتناعا بضرورة البحث عن طريق مصرى خاص. وقد أتاحت له المعرفة الدقيقة بالمسرح الأوروبى أن يميز بين الاستفادة من منجزاته الفنية وبين تقليده بصورة آلية.
ولهذا يمكن القول إن التجربة الفرنسية عمقت مشروعه الفكرى بدلا من أن تغير اتجاهه. فقد عاد إلى مصر أكثر وعيا بأهمية الهوية الثقافية وأكثر اقتناعا بضرورة تطوير أشكال مسرحية تنبع من الواقع المصرى.
حسن فتحى والبحث عن الجذور
فى إطار هذا البحث المستمر عن الهوية، توطدت علاقة مخيون بالمعمارى الكبير حسن فتحى، صاحب مشروع «عمارة الفقراء».
وجد الفنان فى أفكار حسن فتحى ما يشبه الامتداد الطبيعى لما كان يبحث عنه فى المسرح. فكما دعا المعمارى الكبير إلى بناء عمارة تنطلق من البيئة المحلية وموادها وخبراتها التقليدية، كان مخيون يسعى إلى بناء مسرح ينطلق من المجتمع المصرى وثقافته الشعبية.
وقد تركت هذه العلاقة أثرا واضحا فى رؤيته الجمالية والفكرية، ورسخت لديه الإيمان بأن الحداثة الحقيقية لا تتحقق بقطع الصلة مع الجذور، وإنما بإعادة اكتشافها وتطويرها.
انعكست هذه القناعة حتى على حياته الشخصية، إذ حرص عند بناء منزله فى الفيوم على الاستفادة من الأفكار المعمارية التى تقوم على توظيف خامات البيئة المحلية وإحياء عناصر العمارة المصرية التقليدية.
أعماله المسرحية
على الرغم من أن شهرة عبد العزيز مخيون ارتبطت لدى الجمهور العريض بالسينما والدراما التلفزيونية، فإن حضوره المسرحى ظل مستمرا عبر مراحل مختلفة من حياته الفنية، سواء بوصفه ممثلا أو مخرجا أو صاحب مشروع فكرى.
امتدت التجارب المسرحية لعبدالعزيز مخيون من طفولته فى الريف المصرى إلى خشبة المسرح القومى، مرور بتجارب طليعية مع فرقة مسرح الجيب، وصول إلى تجربته الفارقة فى مسرح الفلاحين.
بدايات الطفولة والمدرسة: بدأت أولى تجاربه فى مدرسة بين منشأة دمسنا الابتدائية بالريف البحرى، حين جسد شخصية عليوة الخادم فى مسرحية الباشا والخادم، من تأليف وإخراج أستاذه حمدى عزب. اعتمد أداءه على تفاصيل واقعية لافتة، فغاص بيديه فى الطين وارتدى جلبابا ممزقا ليقترب من صورة الفلاح البسيط، وانتهت المسرحية بانتصار الفلاح على الباشا.
وفى مرحلة الثانوية بمدرسة دمنهور الثانوية، قدم مسرحية The Monkey’s Paw لمؤلفها W. W. Jacobs بإشراف أستاذه محمد غنيم، بهدف دعم اللغة الإنجليزية، وظهر خلالها بقدرة أداء واضحة باللغة الأجنبية، ما عزز توجهه لاحقا نحو الدراسة الأكاديمية للفن.
الدراسة الأكاديمية بالمعهد العالى للفنون المسرحية: خلال سنوات الدراسة انفتح مخيون على النصوص التراجيدية العالمية، فشارك فى تجسيد أدوار محورية ضمن عروض المعهد والمسرح القومى، من بينها هايمون فى أنتيجون، والعراف تيريسياس وياجو فى عطيل، إلى جانب هاملت فى هاملت وروميو فى روميو وجولييت ضمن مشاريع التخرج. كما شارك فى مسرحية حيث وضعت علامة الصليب لتأليف يوجين أونيل، ومسرحية القضية لتأليف لطفى الخولى بالعامية المصرية، ضمن مشاريع التخرج نفسها.
الاحتراف المبكر مع مسرح الجيب: بعد التخرج عام 1967، انتقل إلى مرحلة الاحتراف من خلال فرقة مسرح الجيب التابعة لقطاع للمسرح، فشارك فى شمشون ودليلة تأليف معين بسيسو وإخراج نبيل الألفى بدور الشهيد مازن.
من أبرز الأعمال المسرحية التى شارك فيها مسرحية «المشخصاتية» عام 1971 على مسرح الجيب، من تأليف عبدالله الطوخى وإخراج عبدالرحيم الزرقانى، وهى من الأعمال التى جاءت فى بداياته الاحترافية بعد التخرج.
كما شارك فى مسرحية «مريض الوهم» المأخوذة عن نص موليير، فى معالجة كتبها سمير سرحان وأخرجها السيد راضى فى مهرجان موليير المسرحى، وقدم مخيون خلالها شخصية «بيرالد».
وشارك أيضا فى مهرجان الضحك والبكاء لتأليف السيد الشوربجى وإخراج سمير العصفورى، ثم مارا- صاد أو اضطهاد وقتل جان بول مارا لتأليف بيتر فايس وإخراج أحمد زكى، وهى التجربة التى أبرزت مبكرا نضجه الفنى ووعيه بالأداء التراجيدى والسياسى.
وفى عام 1985 شارك فى مسرحية «واقدساه» (لاتحاد الفنانين العرب)، تأليف يسرى الجندى وإخراج المنصف السويسى، وهى من الأعمال التى ارتبطت بموجة المسرح السياسى والقومى التى شهدتها تلك المرحلة.
إلى جانب هذه الأعمال ظل نشاطه المسرحى الأهم مرتبطا بالتجارب الجماهيرية والمشروعات الثقافية التى سعى من خلالها إلى توسيع دائرة المشاركة فى الفعل المسرحى خارج المؤسسات المركزية التقليدية.
المخرج المسرحى
إذا كان الجمهور يعرف عبدالعزيز مخيون ممثلا، فإن جانب الإخراج المسرحى يمثل ركنًا أساسيًا فى شخصيته الفنية.
فقد أسس تجربة «مسرح الفلاحين» وأخرج عددا من العروض التى ارتبطت بهذا المشروع، وفى مقدمتها «الصفقة» لتوفيق الحكيم، إضافة إلى عروض أخرى مثل «الدقيق» و»الانتخابات».
وتكشف هذه التجارب عن مخرج يمتلك رؤية اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود العرض المسرحى ذاته. وكان يرفض الفصل بين العمل الثقافى والعمل الاجتماعى، لذلك ارتبطت عروضه بمبادرات للتثقيف ومحو الأمية والحوار المجتمعى، فى محاولة لتحويل المسرح إلى قوة فاعلة داخل المجتمع لا مجرد وسيلة للترفيه.
كما جاءت معظم أدواره المهمة مشبعة بحس مسرحى واضح، يعتمد على التحليل العميق للشخصية، والبحث عن دوافعها الداخلية، والقدرة على التعبير عن التناقضات الإنسانية المركبة.
من المسرح إلى السينما والتليفزيون
على الرغم من انشغاله العميق بالمسرح، لم يبقَ عبدالعزيز مخيون حبيس الخشبة. فمنذ سبعينيات القرن العشرين بدأ حضوره السينمائى يتسع تدريجيا، وشارك فى أعمال مهمة مثل «الكرنك» و»إسكندرية ليه» و»حدوتة مصرية».
لكن انتقاله إلى السينما والتليفزيون لم يكن انفصالًا عن المسرح بقدر ما كان امتدادا لتكوينه المسرحى. فقد حمل معه إلى الشاشة ثقافة الممثل المسرحى وقدرته على بناء الشخصية من الداخل، وهو ما انعكس على كثير من أدواره التى اتسمت بالعمق والابتعاد عن الأداء النمطى.
من مشاركاته السينمائية أفلام: فرح زهران (1972) - الكرنك (1975) - أيام العمر معدودة (1978) - إسكندرية ليه؟ (1979) - حدوتة مصرية (1982) – الطوق والأسورة (1986)- امرأة مطلقة (1986) - أجراس الخطر (1986) - بئر الخيانة (1987) - بصمات الوهم (1987) - باب شرق (1989) – الهروب (1991) - امرأة آيلة للسقوط (1992) - فارس المدينة (1993) - ميكانيكا (1993) - دم الغزال (2005) - خارج على القانون (2007) - سرى للغاية (2018)، وغيرها عشرات الأفلام.
أما فى الدراما التليفزيونية فقد ترك بصمة واضحة من خلال مشاركته فى عدد كبير من الأعمال المهمة، من أبرزها: القاهرة والناس (1972) - ليالى الحصاد (1977) - الشهد والدموع (1985) - خالتى صفية والدير (1996) - زيزينيا (1997، 2000) - جمهورية زفتى (1997) - هارون الرشيد (1997) - أم كلثوم (1999) - الدم والنار (2004) - السندريلا (2006) - أبو ضحكة جنان (2009) - الجماعة (2010) - البرنس (2020) - المداح: أسطورة العشق (2023) - تياترو (2024) - جودر 2 (2025)، وغيرها عشرات الأعمال.
وقد قدم من خلال هذه الأعمال عددًا من الشخصيات التى تعد من أبرز محطاته الفنية، وفى مقدمتها «وحيد رضوان» فى الشهد والدموع، و»طه السماحي» فى ليالى الحلمية، و»سالم» فى الهروب، و»إسماعيل» فى شيخ العرب همام، و»أبو طالب» فى مسلسل عمر، و»ربيع الحلواني» فى بدون ذكر أسماء، وهى أدوار أكدت مكانته بوصفه واحدًا من أبرز الممثلين المصريين الذين جمعوا بين العمق الثقافى والقدرة العالية على التشخيص.
التكريمات
كرم الفنان القدير فى مهرجان أفلام يوسف شاهين عام 2018. كما تم تكريمه من قبل مهرجان قرطاج السينمائى الدولى بتونس - الدورة 31 فى عام 2020، كما كرم الفنان القدير عبدالعزيز مخيون فى الدورة الرابعة والعشرين من المهرجان القومى للسينما المصرية عام 2022 تقديرًا لعطائه الفنى الممتد لما يقرب من نصف قرن. كما كرمته كلية الفنون الجميلة فى جامعة ديالى بالعراق، وكرمه مهرجان القاهرة الدولى للمونودراما – الدورة الثامنة- (2025) تقديرا لمسيرته الفنية وإسهاماته فى المسرح والسينما والدراما التليفزيونية.
ورغم النجاح الجماهيرى الواسع الذى حققه لاحقًا فى السينما والدراما التليفزيونية، ظل عبدالعزيز مخيون ينظر إلى نفسه بوصفه ابن المسرح فى المقام الأول. وقد بقى المشروع المسرحى الذى بدأه فى الريف حاضرا فى أحاديثه وكتاباته بوصفه التجربة الأقرب إلى وجدانه والأكثر تعبيرًا عن قناعاته الفنية والفكرية. حيث تبقى تجربة مسرح الفلاحين وكتاب “يوميات مخرج مسرحى فى قرية مصرية» من أهم إسهاماته فى المسرح بوصفهما محاولة عملية لربط المسرح بالمجتمع والبحث عن صيغة مصرية أصيلة للفعل المسرحى.
وقد رحل الفنان القدير عن عالمنا فى يوم الأربعاء 10 يونيو 2026 عن عمر يناهز ثمانين عامًا.
وهكذا استمر الفنان الكبير عبدالعزيز مخيون طوال مسيرته وفيًا لذلك الفتى القادم من حقول البحيرة، الذى حمل حلمه إلى القاهرة ثم عاد به إلى القرية مرة أخرى. وبين خشبة المسرح وشاشة السينما وعدسة التليفزيون تنوعت تجاربه وتعددت أدواره، لكن الخيط الذى ظل يجمعها جميعًا هو إيمانه العميق بالإنسان المصرى وقدرته على صناعة الجمال.