نوادى المسرح فى عالم متغير(4)

نوادى المسرح فى عالم متغير(4)

العدد 960 صدر بتاريخ 19يناير2026

2/4/2/1 أخر الأرض
في عرض «آخر الأرض» نجد المجموعة التي تم اختيارهم بالقرعة، ومن ضمنهم مجموعة من السجناء المجرمين لتحملهم سفينة النجاة، بالإضافة إلي العرافة التي تعرف أنه لا خلاص لهم، كما أنهم لو وصلوا إلي الجزيرة الأمنة فإنهم ليس لديهم القدرة على التناسل لاستمرار الحياة، فليس معهم سوى ثلاث نساء مسنات هن: العرافة والعاهرة والعجوز العمياء، وتستمر رحلة السفينة نحو النهاية بحثًا عن أمل غير موجود لتتحطم في النهاية.
عرض «آخر الأرض» يحدد لنفسه إحداثيات مكانية متخيلة (آخر الأرض)، لكن زمنه غير متجمد، فالأيام والليالي تمر دون تحديد حقيقي لعصرها علي الروزمانة، ومرور الأيام والليالي ضرورة لوجود الرحلة التي تقطعها السفينة بمجموعة الرحلة غير الناجين، ويتم التعبير عن الحركة في المكان بتغيير أوضع السفينة المتحركة في فضاء المسرح، ويتم التعبير عن الحركة في الزمان بتغيرات إضائية ولونية مناسبة. وهو ما يسمح بالتركيز علي الرحلة ذاتها، وآفاق المستقبل المصيري الذي ينتظر أفرادها، كما أن الزمن المفتوح غير المحدد يشير إلى الأبدية والمصير الذي لا مفر منه. .
ويكون للحاضر تأثير كبير في اختيار «الذات التفسيرية» لتقديم العرض في سياق هذا «الحاضر»، إذ يرد (أحمد رضوان) على سؤال: «هل للتوقيت دخل في اختيار تقديم العرض؟»، فيقول: «من ينظر في اللحظة التي يعيشها العالم الآن ويتأملها، خاصة في منطقتنا، يدرك تمامًا أننا نحتاج إلي سفينة نجاة، وأن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل وعلينا القيام بفعل ما من أجل تحقيق النجاة لأنفسنا ولمن حولنا»(رنا رأفت؛ 2024م-أ؛ ص6)، وهذه الكلمات تكشف عن محاثية خطاب العروض المسرحية للحاضر السياسي والاجتماعي، عبر المخاطر المحتملة في «الحاضر» من حدوث صدام بين روسيا وحلف الناتو بسبب الحرب الأوكرانية، أو ما يحدث علي مرمى البصر من ممارسات الإبادة الجماعية التي تمارسها الجماعات الصهيونية في غزة الفلسطينية، أو توسع نطاق الحرب في المنطقة مع التدخلات الأمريكية المحتملة بشدة لمناصرة الصهاينة. فالديستوبيا تُستخدم كأداة نقدية، لتسليط الضوء على بعض الإشكاليات من خلال تصوير مستقبل مظلم، حيث تسعى الذات المنتجة للعرض إلى تحفيز الجمهور على التفكير في «الحاضر» ومحاولة التغيير.
إن عرض «أخر الأرض» مليئ بالرموز والدلالات؛ مثل «القُرعة» والتي ترمز إلى الحتمية والمصير الذي لا يمكن الهروب منه، فـ«القُرعة» اختارت أشخاصًا ليسوا مثاليين للنجاة أو لإقامة مجتمع بشري جديد، لتصبح النهاية حتمية. وربما يكون هذا ما دفع بالعرافة إلى مشاركتهم الرحلة رغم معرفتها المسبقة بالمصير وعدم النجاة، فالعرافة رغم ما تعرف لا تسطيع تغيير المصير المحتوم. كما يمكن النظر إلى «القُرعة» على أنها استعارة للحياة نفسها حيث يسير الجميع وفقًا لمصائر مقدرة سلفًا وحتمية، وإذا كان هناك من ينظر إلى «القُرعة» باعتبارها تُشير إلى العشوائية حيث يتم اختيار الأفراد وفقًا للصدفة، فلا يتم الاختيار بناءًا على الاستحقاق، وإلا لما صعد السفينة هؤلاء السجناء المجرمون أو تلك النسوة العاقرات اللاتي لا فائدة ترجى منهن، فإن هذا الإشارة إلي أن العشوائية هي طبيعة الحياة ذاتها كما يتصورها العديد من البشر، من أنها لا تمنح من يستحق وليس بها عدالة؛ وهكذا يمكن توليد العديد من المعاني من كل رمزية من رمزيات العرض.
كذلك رمزية «أخر الأرض» التي يريدون الوصول إليها بالسفينة؛ فـ«أخر الأرض» تمثل نهاية العالم، فهو مكان افتراضي تعقد حوله الأمال والأحلام، وهو ما يزيد من عمق المعني الذي تسعى الذات المنتجة للعرض لإبرازه، كما أن «أخر الأرض» يمكن أن يكون مجرد حالة نفسية لدي بعض أفراد المجتمع ترمز إلى البحث عن أمان وملجأ في عالم مليء بالفوضى والاضطرابات.
رمزية أخيرة –سبق وأن أشرنا إليها في معرض تحليلنا– عن كون النساء الثلاث عاقرات، فهذا يرمز إلى انقطاع سلسلة الحياة رغم ما تمثله المرأة من أنوثة وأمومة، ويمكن أن يرمز إلى نهاية الحضارة وموتها المحتوم، وقد يرمز في مستوى آخر إلى العقم الفكري أو الروحي الذي أصاب هذا المجتمع الذي يرحل آخر أفرده على هذه السفينة أملاً في نجاة غير محتملة.
تتشابك الرموز في عرض «آخر الأرض» في نسيج دلالي غني، يكشف عن رؤية عميقة لـ«الذات التفسيرية» حول الحتمية، والوجود، ونهاية العالم؛ إذ ترسم «القُرعة» مسارًا حتميًا نحو «آخر الأرض»، وهي نهاية مرسومة سلفًا، وتشير هذه العلاقة إلى أن المصير الكوني هو الذي يدفع البشر إلى البحث عن ملاذات وهمية للنجاة، وإن كانت نهايتها معروفة سلفًا، فقد كانت العرافة علي معرفة مسبقة بعدم النجاة، ورغم ذلك دفعتهم إلي الرحلة والمغامرة وحثتهم عليها. فامتلاك العرافة للمعرفة المسبقة وبمصير المجموعة، وعاجزها عن تغيير هذا المصير، لم يجعلها تصارحهم بالحقيقة وتعلمهم بلا جدوى الرحلة والمحاولة. يعكس عقم النساء وعدم القدرة على الإنجاب انقطاع سلسلة الحياة، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بنهاية العالم المتمثلة في «آخر الأرض»، وهذا الرمز يعزز فكرة الحتمية والمصير حيث أن الحياة نفسها محكوم عليها بالزوال.
جميع هذه الرموز تتضافر في «أخر الأرض» لتشكل رؤية كئيبة عن المستقبل (دستوبيا)، حيث الحتمية تحكم كل شيء، والأمل في مستقبل أفضل وهم، و»آخر الأرض» ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي رمز للحالة الإنسانية: البحث عن معنى للحياة في عالم خالٍ من الأمل. إن ترابط هذه الرموز يعطي للعرض عمقًا فلسفيًا، ويجعله يتجاوز كونه مجرد قصة إنه دعوة من الذات المنتجة للعرض للتأمل في معنى الوجود، ومكان الإنسان في الكون، ومصيره النهائي.
2/4/2/2 نهاية الغناء والفناء
عندما تصبح الحرب جزءًا من مكونات الحياة بأحداثها المليئة بالمآسي والعذابات وممارسة القتل والعنف يوميًا كفضاء حاضر يشكل أفق المستقبل، فتجعل «الذات التفسيرية» الانفجار النووي جزء طاغيًا من السينوغرافيا مهيمنًا على فضاء العرض، وجاثمًا بصورته في كل المشاهد حتى تلك التي كانت تأتي داخل الكنائس. تطول الحرب كل شيء في «موسم الحرب والغناء»، فتكون أحداثها نفسها هي موضوع العرض، ويكون الفاعلون مقاتلون. كانت الحرب في «موسم الحرب والغناء» محورًا أساسيًا في العرض المسرحي، فلم تكن مجرد خلفية للأحداث، فالحرب كانت جزءًا لا يتجزأ من بنية العرض ومحتواه. إن جعل الحرب جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية لشخوص العرض يعكس رؤيةً قاتمةً للمستقبل (ديستوبيا) حيث يصبح العنف والقتل هما المصير المحتوم للإنسانية. فعندما تُصبح الحرب هي الحقيقة الوحيدة القائمة في الحياة، فإن الهويات الشخصية والاجتماعية تتفكك وتتلاشى، ليصبح الإنسان مجرد كائن منخرط في صراع عنيف ومصيري، ويحاول أن ينجو بحياته.
عرض «موسم الحرب والغناء» هو الوحيد الذي يحدد فضاء أحداثه، بأنها الفترة الزمنية الواقع بها الحرب العالمية الثانية، وأراضي أوروبا الشرقية التي تعرضت للاحتلال الألماني؛ وهذه الأراضي تمثل ما هو أكثر من موقع جغرافي، فهي رمز لتاريخ مضطرب وصراعات أيديولوجية، وتغييرات اجتماعية جذرية. ربما يمكن أن ننظر إلى الحرب في عرض «موسم الحرب والغناء» باعتبارها الحرب في أي مكان وزمان، لكن «الذات المنتدبة» قيدت نفسها بالحرب العالمية الثانية كفضاء زماني للعرض، ولم تفسح المجال لـ«الذات التفسيرية» لتعمل علي اختيار زمان آخر أو مكان آخر، وهذا راجع لأن الحرب العالمية الثانية كانت بالفعل الفضاء الزماني للنص المأخوذ عنه العرض «عندما انتهت الحرب» لـ(ماكس فريش) فتقييدت الذات المنتجة للعرض به، فـ»تنظيم المحتوى المستتر قد ينظر إليه كبيان للقوى الاقتصادية والاجتماعية وكتمثيل لمعاملة نفسية تكشف وظيفة اللاوعي كتنويع للأسطورة الثقافية أو كمساحة لمساحة انتقالية تعرض البقية الثقافية المتراكمة لسلسة من اللحظات الوقتية»(جيمس ميردوند؛ بدون تاريخ نشر؛ ص 33)، ليعمق غربة المُشاهد لما يُعرض أمامه من أحداث يفعلها – في الأغلب - فاعلون يحملون أسماءً وهويات غربية؛ وربما كانت أزيائهم – كذلك – التي تحمل رموزًا تشير إلى الانتماء الديني. كما أن حديث مخرج عرض «موسم الغناء والحرب» يمكن أن يُشكل جزءًا من السياق المقدم به خطاب العرض. يقول (أحمد سعد) - مخرج عرض «موسم الحرب والغناء» - في حديث صحفي: «هذا العرض يناقش بشكل مباشر ما تفرضه علينا الحروب من شتات اجتماعى ونفسى لا يمكن أن تُشفى منه المجتمعات إلا بعد عقود من الزمن»(رنا رأفت؛ 2024م-ب؛ ص 6). وتمثل كلمات المخرج: «الهدم لا يكلف أكثر من لحظة»(م.س.ن.) (النص المحيط Paratext) مقابل للدستوبيا بما تحمله من «يوتوبيا» مفتقدة تمثَّلتْ في جمل حوارية أضافها الإعداد لنص (ماكس فريش)، وتمثَّلتْ في السينوغرافيا التي قدمت عالم ميتافيزيقي انتقلت له بعض الشخوص المفعول بها في الأحداث الدرامية للعرض (ما فوق السحاب)، وتمثَّلتْ كذلك في موضعها في جغرافيا الفضاء المسرحي في مكان مرتفع، وفي رموز دينية تم إضافتها للأزياء. إن هذا الموضع الجغرافي المتصور أنه فوق السحاب ليرمز إلى عالم مثالي وملاذ آمن للشخصيات المستضعفة التي قاست من واقع الحرب المرير.
إن «الذات المنتدبة» لا تسأل عن كيفية اختياراتها وتفضيلاتها الجمالية في العرض المسرحي، بل تُسأل عن «ماذا» اختارت و«لماذا» اختارت، فجعلها للانفجار النووي جزءًا بارزًا وبشدة في سينوغرافيا العرض لا يعكس تقديسًا للعنف أو رغبةً فيه، لكنه يجعلنا نطرح تساؤلات عديدة حول طبيعة العنف في «الحاضر» وطغيانه، وكذلك بالضرورة نتساءل حول طبيعة القوة. إن وجود الانفجار النووي في التكوين البصري للمشاهد المقدمة داخل الكنائس بالعرض ربما يشير إلى تلوث معظم جوانب الحياة بالعنف حتى الجزء الأكثر طاهرة منها، فلم يعُد الدين بمنأى عن العنف في «الحاضر» وهناك جماعات وتيارات تستخدم الدين لتبرير العنف. لقد كان تجسيد الانفجار النووي بصريًا علي المسرح تحديًا كبيرًا، فتم تجسيد صورة فطر عيش الغراب بواسطة أنسجة هشة تمثل خليطًا من درجات اللون الرمادي والأبيض، واستخدمت الإضاءة (الأحمر والأصفر والبرتقالي) لتمثيل وميض الانفجار في بعض اللحظات ثم تخفُت تدريجيًا لتقليد التوهج المتبقي من الانفجار، كما تم اختيار سليم لمصادر الاسقاطات الضوئية على هذه الأنسجة الهشة المتكتلة التي تجسد فطر عيش الغراب لتصنع التأثيرات المطلوبة.
2/5 خاتمة أولية
هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تدفع «الذات» للتركيز علي حاضرها وما يعج به من تفاصيل وإشكاليات، وتتجاهل ماضيها ومستقبلها. وربما نجد في أسباب تعلق «الذات» بحاضرها ما يمنحها أهدافها أو موضوعاتها التي تنشغل بها.
فصعوبة التعامل مع الماضي بما يحمله من لغةٍ وثقافةٍ وتراثٍ مسرحي، جعل «الذات» في كثير من العروض تتحول إلي «الهجنة اللغوية»، مع تمسك بعضها بالتراث اللغوي العربي (العربية الكلاسيكية) للحفاظ علي وسيلة اتصال بهذا الماضي. لقد ساد الارتباك حيال مناقشة بعض الإشكاليات الثقافية التي يتشكل إرثها وتراثها في بعض هذه الإشكاليات، وكذلك تم إنشاء نصوص مسرحية جديدة تستقيها «الذات» مباشرةً من بعض الأفلام السينمائية أو الروايات الأدبية أو تلجأ إلي النصوص المسرحية حديثة التأليف.
كذلك تتنوع أهداف الذات المنتجة للعرض في تعلقها بحاضرها، فتوجد عروض تطرح وتتناول حالة محددة تنشغل بها «الذات» من حاضرها؛ وأيضًا هناك عروض تحاول تغيير الواقع وتحويله إلي يوتوبيا من خلال المسرح فقط؛ وأخيرًا توجد عروض تُقدم نفسها باعتبارها وعيًا ذاتيًا بـ«الذات» و«الحاضر».
كل ذلك يُبرز تقيد وتعلق الذات المنتجة للعرض بحاضرها الأني الذي تحيا به، وأنها تحاول أن تتجاهل ماضيها بإرثه وتراثه، كما يظهر انشغال «الذات» بالمستقبل بسبب إرهاصات «الحاضر» المقلقة، فأصبح الخوف المستقبل موضوعًا بارزًا تتناوله «الذات» بعض عروضها المسرحية، كنتيجة للتشوهات والأزمات التي يحملها «الحاضر».


أحمد عادل القُضَّابِّى