«أداجيو.. اللحن الأخير».. عزف مسرحى على حافة الفقد

«أداجيو.. اللحن الأخير»..  عزف مسرحى على حافة الفقد

العدد 980 صدر بتاريخ 8يونيو2026

فى قاعة مسرح الغد، التابعة للبيت الفنى للمسرح، شاهدت مؤخرًا العرض المسرحى «أداجيو.. اللحن الأخير»، وهو تجربة رومانسية إنسانية راقية تراهن على عمق المشاعر أكثر من رهانها على الدراما الصاخبة أو الإثارة المباشرة. ويأتى العرض ضمن توجه فنى - تتبناه فرقة الغد - يقوم على مشروع «مسرحة الرواية» من خلال تقديم أعمال روائية تمتلك ثراءً فكريًا وإنسانيًا يسمح بإعادة إنتاجها بلغة المسرح، بما يسهم فى إثراء المشهد المسرحى المصرى بنصوص تجمع بين القيمة الفكرية والجماليات الفنية، وتخاطب وجدان المتلقى وعقله فى آن واحد.
والعرض؛ الذى ينجح فى اجتذاب المتفرج منذ لحظاته الأولى وحتى نهايته، يضع جمهوره فى حالة من الترقب الهادئ والتورط الوجدانى داخل عالم مثقل بأسئلة عن الحب والوفاء والمرض والفقد، عالم تتداخل فيه الموسيقى بالصورة، ويمتزج فيه الكلمة بالصمت، حتى يصبح الصمت ذاته جزءًا أصيلًا من لغة العرض وخطابه الجمالى. ومن خلال إيقاعه المتأمل، يدعو «أداجيو.. اللحن الأخير» مشاهديه إلى الإنصات لما تخفيه الشخصيات أكثر مما تعلنه، وإلى تأمل المساحات الإنسانية الشاسعة الكامنة خلف تفاصيلها اليومية. لذلك لا يبدو العرض مجرد ملحمة حب استثنائية تصارع الذوبان والفناء، بقدر ما يبدو معزوفة مسرحية شجية عن هشاشة الإنسان فى مواجهة الفقد، تتكشف نغماتها ومعانيها تدريجيًا أمام المتلقى، فتأسره بهدوئها وتبقى آثارها فى الوجدان بعد انتهاء العرض.
وتدور أحداث المسرحية حول «سامر» الذى يقبل الانسحاب من صخب الحياة استجابة لرغبة زوجته «ريم»، عازفة البيانو الشهيرة التى ينهش المرض جسدها وذاكرتها ببطء، فيعتزل معها العالم داخل فيلا مهجورة بالإسكندرية، ما يمنحها ما تبقى من أيامها عِزة وكرامة بعيدًا عن نظرات الشفقة والفضول. غير أن العزلة التى بدت فى البداية ملاذًا أخيرًا سرعان ما تتحول إلى اختبار إنسانى قاسٍ؛ إذ تتقاطع داخل هذا الفضاء المغلق مشاعر الحب والوفاء والخوف والحنين، بين ابنة تتشبث بذكريات أمها، وسائق بسيط يشارك سامر تأملاته فى الفقد، وصديقة قديمة تقتحم سكون المكان فتضعه أمام مواجهة مؤلمة بين إخلاصه لزوجته ومشاعر ظلت حبيسة الصمت. ومع تصاعد تهديدات الواقع من حوله، وزحف المياه الجوفية التى تنخر البيت كما ينخر المرض جسد ريم، يتشبث سامر بما تبقى من الجمال والذاكرة، فى محاولة يائسة لمقاومة الفناء والاحتفاظ باللحن الأخير قبل أن يخفت صداه إلى الأبد.
المسرحية مأخوذة عن رواية «أداجيو» للروائى الكبير، ابن الإسكندرية «إبراهيم عبد المجيد» أحد أبرز الأصوات الروائية فى الأدب العربى المعاصر، الذى تتناول أعماله قضايا اجتماعية وإنسانية عميقة، ومن أشهرها ثلاثية الإسكندرية التى تُرجمت إلى لغات عدة. وتحظى رواياته بإقبال درامى لافت، وقد تحول بعضها إلى أعمال درامية، منها مسلسلات (لا أحد ينام فى الإسكندرية، قناديل البحر، فى كل أسبوع يوم جمعة، عتبات البهجة)، وفيلم (الصياد واليمام). وقد حصل على العديد من الجوائز الكبرى، أبرزها جائزة الدولة التقديرية عام 2007، ثم جائزة النيل عام 2022.
ويُعد عرض «أداجيو» أول محاولة لتحويل إحدى روايات «عبدالمجيد» إلى نص مسرحى. ولم يكن ذلك التحدى يسيرًا؛ فبينما وجدت بعض أعماله السابقة طريقها إلى الدراما التليفزيونية والسينمائية، بدا نقل عالم الرواية إلى خشبة المسرح مهمة أكثر تعقيدًا. فالرواية تقوم فى جانب كبير منها على التدفقات الشعورية والتأملات الداخلية، كما تتنقل بين أمكنة وأزمنة متعددة، وهى عناصر تجد فى السينما فضاءً أرحب للتجسد والتعبير. أما المسرح، بما يفرضه من شروط جمالية وفضاء مكانى محدود، فيتطلب البحث عن بدائل بصرية وسمعية قادرة على استيعاب هذا العالم الروائى وإعادة صياغته بلغة الخشبة، من دون التفريط فى روحه الإنسانية وشاعريته الخاصة.
ومن هنا تبرز صعوبة مهمة المعالجة التى أنجزها «السعيد منسى»، الذى لم يتعامل مع الرواية بوصفها مادة قابلة للاختزال فحسب، بل بوصفها عالمًا إنسانيًا سعى إلى إعادة خلقه بأدوات المسرح. وقد جاءت ترجمته المسرحية أمينة لجوهر النص، مع إجراء عدد من التحولات التى فرضتها طبيعة المسرح. فبينما يبدأ نص الرواية من لحظة وصول «سامر وريم» إلى مقر عزلتهما، ما يبرز أنها فى غيبوبة طوال الروية، مع اعتماد «مؤلفها» على تقنية الاسترجاع الزمنى والتنقل بين أمكنة وأزمنة متعددة، اختار «المُعد المسرحى» إعادة ترتيب الأحداث وفق تسلسلها الزمنى الطبيعى، بدءًا من التعارف بين «سامر» و«ريم» وهى فى وعيها الكامل، مرورًا بالزواج وحياتهما ورحلة المرض، وصولًا إلى قرار الانسحاب من العالم واللجوء إلى الفيلا المهجورة، ثم مرحلة الغيبوبة، وقد اعتمد «منسى» فى معالجته على مبدأ الاختزال والتركيز، فخفف من بعض الخطوط والشخصيات والتفاصيل الجانبية التى تزخر بها الرواية من أحداث محيطة، موجّهًا اهتمامه إلى الخيط الوجدانى المركزى النفسى المتمثل فى علاقة «سامر» بـ«ريم» ومواجهتهما لشبح الفقد. وبذلك لم يسعَ إلى نقل الرواية حرفيًا، بقدر ما عمل على تكثيفها دراميًا وتحويل سردها الممتد إلى مواقف إنسانية ولحظات شعورية مكثفة، محافظًا فى الوقت نفسه على روح النص ورهافته الإنسانية. كما حافظ فى صياغة الحوار على النبرة الأدبية التى تميز لغة النص الأدبى، فجاء الحوار كثيفًا ودالًا، بما أسهم فى تعزيز شاعرية العرض وضبط إيقاعه الداخلى.
هذا؛ ويُحسب لهذه المعالجة من نجاح فى الحفاظ على جوهر الرواية وتكثيف مادتها الدرامية، فإنها لا تخلو من بعض الملاحظات. فمن جهة، بدا الخط المرتبط بمحاولة انتحار الفتاة ورغبة شقيقها فى لقاء «سامر» لشكره، وما تفرع عنه من تفاصيل، قابلًا لمزيد من الاختزال، فهو بعيدًا نسبيًا عن المسار الوجدانى الرئيسى الذى ينهض عليه العرض. ومن جهة أخرى، بدت شخصية «غادة» جديرة بمساحة أوسع نسبيًا، لما تنطوى عليه من دلالات إنسانية مركبة تتأرجح بين الوفاء للصديقة والتعلق بالحياة، وبين الرغبة المكبوتة والشعور بالذنب، وهى مناطق درامية كانت تحتمل قدرًا أكبر من الكشف والتعمق.
وبشكل عام فإن ما منح هذه المعالجة تميزها أن من أنجزها لم يكن «معدًا» فحسب، بل كان فى الوقت نفسه «مخرج» العرض، فالـ»معد» حين يعمل منفردًا ينشغل ببناء النص المسرحى وإعادة تنظيم مادته السردية، أما الـ»معد/المخرج» فيمتلك ميزة إضافية تتمثل فى وعيه المسبق بأدواته الإخراجية وكيفية توظيفها لتحقيق المعالجات الفنية المنشودة. هذه الازدواجية أتاحت للـ»السعيد منسي» أن يرى النص منذ لحظة كتابته بوصفه مشروعًا بصريًا وسمعيًا كاملًا، لا مجرد مادة درامية قابلة للتمثيل، ومن ثم لم يقتصر عمله على إعادة ترتيب الأحداث واختزال بعض التفاصيل، بل امتد إلى إعادة توزيع الدلالات بين عناصر العرض المختلفة؛ فانتقلت مساحات من الوصف السردى إلى الصورة المسرحية، وتحولت بعض الشحنات الشعورية إلى موسيقى وأغانٍ ومؤثرات بصرية، بينما تكفلت الإضاءة والديكور والإكسسوار بحمل جانب من الأعباء التعبيرية التى كانت الرواية تؤديها بالكلمة. دون أن يفقد العمل عمقه الإنسانى أو رهافته الوجدانية. وهكذا لم تُنقل «أداجيو» إلى المسرح بوصفها نصًا مُختزلًا، بل بوصفها عالمًا سرديًا أُعيد بناؤه بلغة بصرية وسمعية متكاملة.
وفى إطار مشروعى البحثى المعنى بتتبع تجارب المخرجين المصريين ورصد ملامح الخطاب الإخراجى المعاصر، يشغل السعيد منسى مكانة مميزة كواحد من أبرز المخرجين المصريين المعاصرين. وهو صاحب تجربة ممتدة منذ أواخر التسعينيات، حصد خلالها العديد من الجوائز، من بينها جائزة أفضل مخرج بالمهرجان القومى للمسرح المصرى عن أكثر من عرض بارز؛ «القروش الثلاثة» و«الحب فى زمن الكوليرا». وقد عُرف بانحيازه إلى مشروع «مسرحة الرواية»، بما لديه من شغف خاص بتحويل النصوص الأدبية الكبرى إلى عروض مسرحية نابضة بالحياة. ويتسم أسلوبه الإخراجى بحساسية إنسانية عالية، والاعتماد على الموسيقى بوصفها عنصرًا دراميًا فاعلًا، فضلًا عن قدرته على بناء خيط بصرى وشعورى متصل يربط المشاهد والأزمنة المختلفة فى نسيج واحد، مع اقتصاد فى الوسائل وثراء فى الدلالات فى ذات الوقت، وعناية خاصة بالأداء التمثيلى ولا سيما فى الأعمال ذات الطابع الإنسانى والوجدانى، حيث يراهن على صدق الممثل وقدرته على التعبير عن أدق الانفعالات والمشاعر. وهى السمات التى تتجلى بوضوح فى عرضه «أداجيو.. اللحن الأخير».
إخراجيًا، تعامل السعيد منسى مع «أداجيو.. اللحن الأخير» انطلاقًا من الدلالة الكامنة فى عنوانه؛ فـ«الأداجيو» فى المصطلح الموسيقى يشير إلى اللحن البطيء الهادئ المشحون بالعاطفة، وهو ما انعكس بوضوح على البناء الإيقاعى للعرض ورؤيته الجمالية. لذلك لم ينشغل المخرج بتصعيد الأحداث أو مراكمة المنعطفات الدرامية بقدر اهتمامه ببناء مناخ وجدانى تتنفس داخله الشخصيات وتتكشف عبره تحولاتُها النفسية. فاختار إيقاعًا متأملًا ينسجم مع طبيعة التجربة الإنسانية التى يطرحها العمل، ونجح فى تحويل الزمن الروائى المتسع إلى زمن مسرحى مكثف، دون أن يفقد العرض زخم الذكريات وقسوة التجربة التى يعيشها بطليها. ولم يلجأ إلى القطع الحاد بين المشاهد أو التغييرات المفاجئة، بل حافظ على خيط بصرى وشعورى يصل بينها ما منح العرض انسيابية فى الانتقالات الزمانية والمكانية. كذلك يُحسب له حسن اختياره لفريق العمل وعناصره الفنية المختلفة، التى أسهمت مجتمعة فى إبراز رؤيته الإخراجية وتجسيد عالم العرض على النحو الذى أراده. فقد تعامل مع الكلمة والموسيقى والديكور والإضاءة بوصفها مكونات متكاملة لبنية دلالية واحدة، تتقاسم فيما بينها مهمة إنتاج المعنى والتعبير عن الحالة الشعورية. ومن ثم لم تعد الكلمة وحدها حاملة للدلالة، بل شاركتها الموسيقى والصورة والإضاءة والديكور فى الكشف عن الهواجس الداخلية للشخصيات وتجسيد تحولاتِها النفسية، ليقدم عرضًا يراهن على التأمل والوجدان أكثر من رهانه على التأثيرات المباشرة.
ومن الجوانب اللافتة فى العرض ثراؤه الدلالى وتنوع مستوياته التعبيرية، سواء على مستوى الصورة والعناصر البصرية أو على مستوى الحركة والتشكيل المسرحى. فقد زخرت مفرداته بعدد من الرموز التى تجاوزت حضورها الوظيفى المباشر لتكتسب أبعادًا دلالية متعددة؛ مثل الفراشات، والهدهد، والمياه الجوفية، والبحر، والبيانو، والأثاث الفاخر، واللوحات المعلقة، والساعة الكبيرة، والجرامافون، وغيرها من العناصر التى أسهمت فى إثراء العالم الرمزى للعرض وتوسيع دوائر التأويل أمام المتلقى.
وعلى المستوى الحركى، حفلت المسرحية بعدد من الحلول الإخراجية اللافتة؛ مثل رفع الكسوة مع دخول عثمان السائق، وفتح النافذة مع ظهور غادة، وعزف الصديقة على بيانو ريم، والتوظيف الدلالى لباقة الورد فى أكثر من موضع، فضلًا عن المسافة الفاصلة بين الزوجين أثناء دويتو «يا بحر»، وما حملته من تعبير بصرى عن حالة التباعد التى فرضها المرض والمصير القادم. كما يحسب للمخرج نجاحه فى صياغة بعض المشاهد شديدة الحساسية، وفى مقدمتها المشهد الذى أتاح حضور «ريم» على الخشبة وكشف عالمها الداخلى رغم غيابها الجسدى داخل غرفتها، وكذلك مشهد الذروة العاطفية والأخلاقية بين «سامر» و«غادة»، الذى عالج منطقة شديدة الدقة بين الوفاء والخيانة بقدر ملحوظ من الحساسية والاتزان.
وتُعد الموسيقى والأغانى من أبرز مرتكزات العرض وأكثرها فاعلية فى تشكيل حالته الوجدانية؛ إذ لم تأتِ بوصفها عنصرًا مصاحبًا للأحداث فحسب، بل شاركت فى بناء المناخ الشعورى للعمل، وأسهمت فى التعبير عن الكثير من الحالات النفسية التى تمر بها الشخصيات، حتى غدت أحد أهم مفاتيح تلقى العرض وفهم عالمه الإنسانى.
وقد لعبت موسيقى وألحان «رفيق جمال» دورًا محوريًا فى بناء العالم الشعورى للعرض، حتى بدت بحق أحد أبطاله الرئيسيين، بما يتفق وطبيعة العمل ذاته؛ فالحكاية تدور حول عازفة بيانو، فيما يتوسط البيانو الفضاء المسرحى بوصفه أحد أبرز مفردات التكوين البصرى، فضلًا عن أن العرض يحمل عنوانًا مستعارًا من مصطلح موسيقى، وتتشكل أحداثه حول الذاكرة والحب والفقد، وهى جميعًا مناطق وجدت فى الموسيقى وسيطًا مثاليًا للتعبير عنها. لذلك لم تأتِ الألحان عنصرًا مصاحبًا للأحداث، بل كانت حاضرة فى صميم النسيج الدرامى، توجه إيقاعه وتلون حالاته الشعورية. ومنذ اللحظات الأولى وحتى المشهد الختامى، بدا العرض وكأنه مقطوعة موسيقية طويلة تتصاعد نغماتها وتخفت وفق تطور الحالة النفسية للشخصيات. وقد نجحت الموسيقى فى ملامسة ذلك التآكل البطيء الذى يصيب الذاكرة والحياة معًا، فرافقت تحولات الشخصيات من الداخل، وكشفت ما تعجز الكلمات أحيانًا عن الإفصاح عنه. كما حافظت الألحان على نبرة هادئة وشجية طوال العرض، فبدت وكأنها تسير بمحاذاة الشخصيات، ترصد ارتعاشات أرواحها وتلاحق انكساراتها الصغيرة، وتملأ المساحات التى يتركها الصمت بين الكلمات.
أما الأغانى التى كتب كلماتها الشاعر «حامد السحرتي» فقد جاءت مدادًا طبيعيًا للنسيج الشعورى للعرض ومستلهمة من روح النص، اتسمت نصوصها بالبساطة والشفافية، مع احتفاظها بقدر من الشاعرية المنسجمة مع طبيعة العمل وأجوائه الإنسانية. ويكفى للتدليل على قيمتها وجمالها الإشارة إلى إحدى الأغنيات الحوارية الهامسة، التى جاءت فى هيئة مناجاة وجدانية متبادلة بين «سامر وريم»: (ارتحت لك – قربت لي/ قربت لك – وضحكت لي/ الموج ضحك – الشط فاتح حضنه للأحباب.. القلب باب خبط عليه قلبك فتح.. والموج خطف قلبى وسرح.. وروحى سكنت جنتك.. ارتحت لك – إحساسى بيكى بيتولد.. عصفور وقلبه بيتفرد.. جناح وحضنك له براح.. شافك مشاعره اتبدلت...)، بساطة آسرة لمفردات تبدو للوهلة الأولى عادية ومباشرة، لكنها تنطوى على قدر كبير من الصدق والشفافية، وتمنح اللحظة الدرامية شاعرية خاصة بما تحمله من صور تحلق بنا فى عالم الرومانسية الساحر، وقد أسهمت كلمات الأغانى فى تكثيف عدد من المواقف الدرامية، تنوع توظيفها بين تيسير الانتقال بين المشاهد، وأحيانًا وظفها المخرج كصوت داخلى للشخصيات، وأحيانًا أخرى كتعليق وجدانى يوازى الحدث ويعمق دلالاته. وبهذا التكامل بين الكلمة واللحن، تحولت الأغانى إلى أحد الروافد الأساسية للحالة الشعورية فى العرض، وأسهمت فى ترسيخ الحالة الشعورية الإنسانية.
وعلى مستوى الديكور، اختار «أحمد الألفي» أن يكون المكان جزءًا من الحكاية لا مجرد إطار لأحداثها. فالفيلا التى اختارتها «ريم» لقضاء أيامها الأخيرة بدت بجدرانها المتداعية الآخذة فى التآكل، وكأنها معادل موضوعى لحالتها؛ جسد يضعف تدريجيًا وذاكرة تتسرب شيئًا فشيئًا. وفى قلب هذا الفضاء استقر البيانو، بما يمثله بالنسبة إلى «ريم»، متصدرًا المشهد ومؤكدًا حضورها الدائم، لا بوصفه قطعة ديكور فحسب، بل بوصفه يحمل هويتها، وهى التى ظلت - فى غيبوبتها - حاضرة كذلك عبر غرفتها فى الجانب الأيمن من فضاء المكان، بمجرد إضاءتها حتى تستعيد تأثيرها فى مجرى الأحداث.
وقد أحسن «الألفي» استيعاب الكثير من التفاصيل الصغيرة للمكان، التى بدت وكأنها بقايا حياة مضت؛ لوحات معلقة، وقطع أثاث، وإكسسوارات متناثرة، وتحف متفرقة، فضلًا عما أضفته على المكان من طابع حميمى يشع بالذكريات. وإلى جانب ذلك، قدم الديكور حلولًا فنية للتغلب على تعدد الأمكنة الخارجية التى تفرضها الحكاية؛ إذ خُصص الجانب الأيسر بمستوييه المختلفين للكشف عن بعض فضاءات تلك الأمكنة، ومنها منزل علياء وعدد من المشاهد التى تقع خارج الفيلا. وبفضل هذا التوزيع المكانى، استطاع العرض أن ينتقل بين أكثر من فضاء دون أن يفقد تماسكه أو يقطع تواصل المتلقى مع الحكاية، فبدت تلك الأمكنة جميعها أجزاءً من عالم واحد يجمعها الإحساس ذاته.
هذا، وقد اضطلعت إضاءة أبو بكر الشريف بدور أساسى فى كشف هذه الفضاءات ومنحها دلالاتها الشعورية فى المواقف المختلفة، إذ كانت شريكًا فاعلًا فى بناء الحالة الوجدانية للعرض، كما أسهمت فى التنقل بين مستويات الحكاية المتعددة. وقد تجلى ذلك بوضوح عند الكشف عن غرفة «ريم» تأكيدًا لحضورها المستمر رغم غيابها الجسدى عن الجمهور، وكذلك فى المشاهد التى تدور خارج الفيلا، فضلًا عن لحظات المنولوجات الداخلية ومناطق استرجاع الذاكرة. جاء كل ذلك فى تناغم وانسياب مع الإيقاع العام للعرض، حيث انسجمت درجات الإضاءة الهادئة مع أجوائه النفسية، وأسهمت بصورة مؤثرة فى تشكيل الرؤية البصرية للعرض وإثراء أبعاده التعبيرية.
وعلى مستوى الأداء التمثيلى، بدا نجاح السعيد منسى فى اختيار فريقه واضحًا من خلال انسجام الممثلين مع طبيعة العرض وإيقاعه الهادئ، وما أظهروه من صدق فى التعبير عن حالاته الإنسانية المختلفة. وفى مقدمة هؤلاء جاء «رامى الطمباري» فى دور «سامر»، متحملًا القدر الأكبر من مسؤولية العرض. إذ نجح - منذ بداية العرض وحتى نهايته- فى الإمساك بخيط الشخصية ومتابعة تطورها، محافظًا على حضورها وتماسكها فى مختلف تحولاتها. وقدّم صورة زوج يواجه فقدًا يتقدم نحوه ببطء، متشبثًا بما تبقى له من حب وذكريات، فعبّر عن مشاعره ال القلق بصدق وهدوء بعيدين عن المبالغة. كما أضاف حضوره الغنائى بعدًا مهمًا للشخصية، خاصة أن الأداء جاء مندمجًا فى نسيج الحدث لا منفصلًا عنه، الأمر الذى منح الشخصية مزيدًا من العمق الإنسانى والوجدانى.
وقامت «هبة عبد الغني» بدور «ريم» فى واحد من أنضج أدوارها؛ إذ استوعبت طبيعة الشخصية التى تعيش وهن الجسد وارتباك الذاكرة، واعتمدت على أدواتها الداخلية للوصول إلى المتلقى بصدق الإحساس، إذ بلغت بأدائها جوهر الشخصية، فبدت كفراشة تتبدى وتختفى فى فضاء العرض خلال رحلة احتضارها الصامتة، مما جعل المشاهد يتفاعل معها بين الحب والشفقة والحزن. وقد أكدت تميزها بأدائها الغنائى الشجى الذى أضاف إلى الشخصية مزيدًا من التأثير. ومعها «أجادت» بسمة شوقى فى دور «الصديقة»؛ إذ جسدت الشخصية بوعى كامل لتكوينها، ونجحت فى الحفاظ على التوازن بين وفائها لصديقتها المريضة ومشاعرها الكامنة تجاه سامر، دون تحميل الشخصية ما لا تحتمل من انفعالات، وقد كشف مشهدها الأخير بوضوح عن إمكانات فنية لافتة.
أما مفاجأة العرض فكان «جورج أشرف» فى دور «السائق»؛ إذ لفت الأنظار بحضور طبيعى وحس كوميدى مميز، كشف عن موهبة واعدة تمتلك أدوات تؤهلها لحضور أكبر فى المستقبل. كما قدمت «جنا عطوة»، فى دور «الإبنة»، أداءً لافتًا أكد موهبتها وحضورها على الخشبة. واكتملت الصورة بمشاركات جيدة لكل من «أمنية محسن» و»محمد دياب» و»أحمد هشام»، الذين أحسن كل منهم أداء دوره فى حدود مساحته، بما أسهم فى تماسك الأداء الجماعى ونجاح العرض.
فى النهاية، يقدم «أداجيو.. اللحن الأخير» تجربة مسرحية تنحاز إلى الإنسان وأسئلته الوجودية البسيطة والعميقة فى آن واحد، وتراهن على التأمل والوجدان أكثر من رهانها على الصخب أو الإثارة المباشرة. وقد نجح العرض فى اجتياز التحدى الصعب المتمثل فى نقل عالم «إبراهيم عبد المجيد» الروائى إلى خشبة المسرح، محافظًا على جوهره الإنسانى وروحه الشاعرية، عبر معالجة واعية وإخراج امتلك أدواته الفنية بقدر ما امتلك مفاتيح النص وفهم خصوصيته.
وتتجاوز أهمية العرض حدود نجاحه الفنى بوصفه تجربة مستقلة، إلى كونه باكورة مشروع «مسرحة الرواية» الذى يتحمس له المخرج سامح مجاهد مدير فرقة الغد، وهو مشروع يستحق المتابعة والدعم لما يتيحه من إمكانات لإثراء المشهد المسرحى المصرى وفتح مسارات جديدة للحوار بين الفنون السردية وفن المسرح. كما يؤكد هذا التوجه أهمية امتلاك كل فرقة من فرق البيت الفنى للمسرح رؤية فنية واضحة وهوية خاصة تميزها عن غيرها، بحيث تتكامل هذه الرؤى وتتنوع، فتسهم فى توسيع دائرة التجريب والإبداع، وتمنح الحركة المسرحية المصرية مزيدًا من الثراء والتفرد.


ناصر العزبي