العدد 980 صدر بتاريخ 8يونيو2026
تمثل الندوات التطبيقية إحدى أهم المساحات الحية داخل المهرجانات المسرحية، إذ تنقل العرض من حدود المشاهدة إلى آفاق النقاش والتحليل.
فهى تفتح باب الحوار بين صُنّاع العمل والنقاد والجمهور، بما يثرى التجربة الفنية ويكشف جوانبها الجمالية والفكرية.
ومن خلالها لا ينتهى أثر العرض بانطفاء الإضاءة، بل يستمر عبر قراءة نقدية واعية تسهم فى تطوير الحركة المسرحية ومن خلال هذا التحقيق نتناول بعض آراء من النقاد حول أهمية الندوات النقدية ودورها فى إثراء الفعالية المسرحية.
الندوات النقدية تفتح آفاقًا جديدة للتجربة الفنية
قالت الناقدة أسماء حجازى: «ظنى أن ما تخلقه مساحات التحاور من خلال الندوات النقدية التطبيقية التى تصاحب العروض المسرحية والفاعليات الثقافية، تفتح من خلالها آفاقًا جديدة من خلال عرض وجهات النظر المختلفة للتلقى حول التجربة الفنية الواحدة، تسمح لنا بتبادل الخبرات والتجارب الحياتية والفنية التى من خلالها يتكشف لنا ما لم نكن نعرفه، أو بمعنى أدق ما لم يطرق أذهاننا؛ فمن الصعب أن يستطيع الإنسان بشكل عام أن يكون ملمًا بكل شىء وكل فكرة. وأوضحت: هذا من جانب، ومن جانب آخر تسهم فى تطوير أفكار المبدعين حول تجربتهم الفنية؛ لأنه يسمع ويرى من خلال عيون وأفكار وآراء مختلفة عنه، وقد يرى ما لم يكن يقصده أو يقصد أبعاده، فيجعله يقيس إلى أى مدى كان لتجربته من تأثير على قطاع مختلف من البشر فى مرجعيتهم وخبراتهم المختلفة، ما يؤثر على العملية الإبداعية بضرورة الحال.
وأشارت إلى أنها تساهم فى تطوير أدوات الناقد، وتجعله قادرًا على خلق حوار نقدى شفاهى؛ فبعض النقاد رغم كفاءتهم فى طرح الأفكار وصياغتها كتابة، إلا أنهم يواجهون صعوبات فى النقد الشفاهى، فهى ملكة مختلفة وتحتاج إلى تدريب وممارسة يكتسبها الناقد المؤهل لها.
ولذلك فالندوات النقدية هامة لكلا الجانبين؛ النقاد لممارسة نقدية حية على أرض الواقع بعيدًا عن الكتابة، وكسر حاجز الخجل، والتدريب على صياغة الأفكار بطريقة سلسة دون إخلال، والموازنة بين النظرية والتطبيق العملى.
ومهمة لصناع العملية الإبداعية لتطوير تجاربهم، واكتساب خبرات مختلفة من خلال الاحتكاك المباشر مع جمهور متخصص. جميعنا نحتاج إلى عين أخرى ترى ما لم نره، ونحتاج لسماع آراء مختلفة عن آرائنا؛ لكى نعلم ما هى جوانب إخفاقاتنا ومناطق قوتنا، وكل ذلك ينصب فى صالح المشهد الثقافى العام، ويساهم فى جعله نابضًا بالحياة، وليس قالبًا جامدًا جاهز الصنع»
الندوات التطبيقية تُعدّ من أهم الأدوات التى تمتلكها الفعاليات الثقافية خاصة المهرجانات المسرحية
قال الكاتب المسرحى د.سيد عبدالرازق: «بداية تحويل المهرجانات المسرحية من مجرد فضاءات لعرض الأعمال إلى منصات حقيقية للتعلم وتبادل الخبرات يتطلب أولًا إعادة تعريف فلسفة المهرجان نفسه، علينا أن نفكر فى أن المهرجان يمكن تحويله من حدث تسابقى واحتفالى عابر إلى مؤسسة معرفية مؤقتة، وعلى هذا هناك عدة مستويات لهذا التحول، منها إعادة تصميم بنية المهرجانات عبر إدماج عناصر الندوات التطبيقية المرتبطة بكل عرض، والورش التدريبية المتخصصة (تمثيل، إخراج، دراماتورجيا، تصميم)، والمقاهى الثقافية داخل المهرجان التى تتيح لقاءات مفتوحة مع الفرق بشكل رسمى وتشرك الجمهور فى تقييمات أو نقاشات موجهة.
علينا أن نفطن أيضًا إلى أن المهرجان يمكن أن يلعب دورًا موازيًا للمعاهد المسرحية، خاصة فى البيئات التى تفتقر إلى مؤسسات أكاديمية متخصصة، عبر استضافة مدربين وخبراء دوليين، أو تنظيم برامج تدريبية قصيرة مكثفة، أو جلسات إرشاد بين المحترفين والمبتدئين، مع مراعاة توثيق المعرفة وإعادة إنتاجها؛ لأنه من أكبر مشكلات المهرجانات أنها تنتهى دون أن تترك أثرًا معرفيًّا مستدامًا؛ لذلك يجب تسجيل الندوات والورش وإتاحتها رقميًا، إصدار كتب أو كتيبات توثيقية رقمية، وإنشاء منصات إلكترونية تتابع ما بعد المهرجان، وبهذا يتحول المهرجان من حدث زمنى محدود إلى مورد معرفى ممتد.
وتابع قائلًا: «الندوات التطبيقية تُعدّ من أهم الأدوات التى تمتلكها الفعاليات الثقافية وخاصة المهرجانات المسرحية إذا أرادت أن تتجاوز الطابع الاحتفالى إلى التأثير الحقيقى فى تكوين الفنان والطالب؛ لأنها ببساطة هى المساحة التى ينتقل العرض فيها من زاوية الفرجة لزاوية النقد.
أول ما تؤديه هذه الندوات هو تفكيك التجربة الفنية أمام صُنّاعها ومتلقّيها؛ لأن العرض المسرحى بطبيعته كثيف ومركّب، وقد تمرّ كثير من عناصره دون وعى كامل من المشاهد أو حتى من بعض المشاركين فيه، وهنا تأتى الندوة التطبيقية لتعيد بناء العرض على طاولة التحليل: لماذا اختار المخرج هذا الحل البصري؟ كيف اشتغل الممثل على الخشبة؟ ما طبيعة العلاقة بين النص والأداء؟ هذا التفكيك يكشف آليات الاشتغال، وهو ما يثرى وعى الفنان والطالب، على حد سواء.
الأمر الآخر أنه تلعب الندوات التطبيقية دورًا فى ردم الفجوة بين التنظير والممارسة؛ لأن كثيرًا من الطلاب يتلقّون مفاهيم مسرحية متعددة فى سياق أكاديمى مجرد، لكن حين تُناقش هذه المفاهيم فى ضوء عرض شاهدوه للتو، تتحول من مصطلحات إلى خبرات، كما أنها تعتبر فضاء لتدريب الطلاب على الخطاب النقدى المنهجى، فالمشاركة فى النقاش وطرح الأسئلة وبناء مداخلة قائمة على ملاحظة وتحليل كل ذلك يدرّب الطالب على أدوات النقد ومع الوقت يتحول من متلقٍ سلبى إلى قارئ واعٍ وربما إلى ناقد مستقبلى، بل أقول إن الملاحظات الانطباعية لدى الطلاب أحيانًا تفتح زاوية جديدة فى فهم العرض أو تشير إلى عيب تواصلى كبير فى العرض.
الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الندوات تُسهم فى تطوير مهارات النقد الذاتى لدى الفنانين، فالمخرج أو الممثل حين يجلس ليستمع إلى قراءات متعددة لعمله سواء مؤيدة أو ناقدة فإنه يتدرّب على النظر إلى تجربته من خارجها، وهذا مهم جدا خاصة إذا آمن الفنان بالانتقال من حالة الدفاع عن العمل إلى حالة التفكير فيه وتطويره، وإذا تفهم أنها مساحة تحليل وليست محاكمة، لكن من الضرورى الإشارة إلى أن قيمة الندوات التطبيقية لا تتحقق إلا بشروط أساسية منها أن تكون هناك إدارة علمية محايدة قادرة على ضبط الإيقاع وتوجيه النقاش، وأن يتم اختيار محاورين يمتلكون خبرة حقيقية (بمفهومها المتشكل من كثافة الوعى، لا من طول الزمن والأقدمية) بحضور حقيقى وليس مجرد حضور شكلى أو بناء على توزيع جغرافى أو مادى.. إلخ، كما يجب ربط النقاش بعناصر العرض الفعلية، لا الانزلاق إلى العموميات، وإتاحة مساحة حقيقية للمداخلات الحقيقية، وإلا ستتحول الندوات هى الأخرى لمظهر كرنفالى نتبادل فيه المجاملات أو تصفية الحسابات وهذا لا يليق بالمسرح.
وأضاف: «لدراسة المدى يجب أن ننتقل من التنظير الذى يمكن أن يستشفه القارئ من الفقرتين السابقتين إلى التطبيق قليلًا. نحن يمكن أن نكون أمام نموذج غنى لكنه غير مستقر فى فاعليته؛ أى أنه يمتلك الإمكانات الحقيقية لصناعة حوار نقدى مؤثر، لكنه يتأرجح بين لحظات نضج واضحة، وأخرى شكلية لا تحقق الأثر المطلوب؛ ففى بعض المهرجانات تُعدّ الندوات التطبيقية جزءًا أصيلًا من البرنامج؛ حيث تُناقش العروض المشاركة بشكل مباشر، وتُطرح قضايا فكرية مرتبطة بها، لكن أين تكمن الإشكالية؟
تكمن فى عدم الاستمرارية؛ لأنه فى بعض الدورات، تختفى الندوات أو تُهمّش، وهو ما أعتبره مؤشرًا سلبيًا على تراجع الحيوية النقدية داخل بعض المهرجانات، كما أن هناك تفاوتًا فى الجودة فليست كل الندوات بنفس المستوى، بعضها عميق ومهنى وبعضها يتحول إلى مجاملات أو انطباعات عامة أو هجوم غير مبرر، وهذا التفاوت يضعف أثرها التراكمى، وهنا
يجب لفت النظر إلى ضرورة التخلص من الحساسية المفرطة لدى البعض، ففى بعض الحالات ما يزال هناك حساسية تجاه النقد المباشر، وميل للدفاع بدل الحوار، وهذا يحدّ من عمق النقاش.
من ثم فمدى تأثير هذه الندوات على مستقبل الحوار النقدى وجودة العروض ومستقبل الحركة الفنية داخل المهرجانات واللقاءات متوقف على عدالة توزيع النقاد على المهرجانات، وحسن اختيارهم، والاعتماد على أهل الخبرات بمفهومها المشار له سلفًا، وكذلك على وجود إدارة واعية للندوات، وإتاحة مساحة حقيقية لتعدد الأصوات دون هيمنة أو مجاملة، وربط النقاش بعناصر العرض الفعلية لا بالعموميات النظرية، كما يتوقف الأمر على استمرارية هذه الندوات وتراكمها، بحيث لا تكون فعلًا عابرًا ينتهى بانتهاء الفعالية، وأن يتحول مسارًا معرفيًا متصلًا يُوثَّق ويُبنى عليه. عندها فقط تتحول الندوة التطبيقية من نشاط مصاحب إلى قوة فاعلة فى تجويد التجربة المسرحية.
المهرجانات المسرحية لا تُقاس بكثرتها بل بقدرتها على صناعة الوعى وتطوير التجربة
قال الناقد د. محمود سعيد إن الساحة المسرحية العربية أصبحت تمتلئ بالمهرجانات بصورة لافتة، غير أن القليل منها هو ما يحقق فائدة حقيقية، مؤكدًا أن بعض المهرجانات استطاع القائمون عليها تحويلها إلى منصات تعليمية وتدريبية متنقلة، سواء بالحضور المباشر أو عبر الإنترنت.
وأضاف أن مصر تمتلك نماذج مهمة فى هذا السياق، من بينها المهرجان التجريبى والمهرجان القومى للمسرح، حيث تتنوع المنصات التعليمية والورش والندوات، بما يمنح المشاركين والمتلقين خبرات متعددة، ويساهم فى توسيع مداركهم الفنية والمعرفية.
وأوضح د. محمود سعيد أن الندوات التطبيقية لها أثر بالغ فى العروض المسرحية والمهرجانات، خاصة فى ما يتعلق بالتطوير المستمر للمهارات الفنية لدى صناع العرض المسرحى وطلاب المسرح، مشيرًا إلى أن الندوات، حين تُدار بجدية، تتحول إلى ممارسة حقيقية لفعل المشاهدة الواعية، فى أقوى صوره وأكثرها عمقًا.
وأكد أن ترتيب الندوات بشكل جيد، من خلال الاستعانة بالخبرات العلمية والعملية فى الجوانب الفنية والتقنية للمسرح، يضمن تواصلًا مستمرًا بين الأجيال، وينتج ما يمكن تسميته بـ«المجايلة»، حيث تتنوع الخبرات وتتراكم بشكل مستمر عبر الحوار النقدى الناتج عن تلك الندوات.
وأشار إلى أن هناك أسماء نقدية تولد وتكتسب اعترافها داخل هذه المساحات الحوارية، وهو ما يعكس وجود حركة نقدية مغايرة، لو استمع إليها صناع العرض المسرحى جيدًا، لساهمت فى عمليات التحول الفنى والمسرحى بصورة أكثر جدية وفاعلية.
وشدد الناقد د. محمود سعيد على ضرورة الابتعاد عن «لعبة المجاملات القاتلة»، مؤكدًا أن الندوات النقدية يجب أن تستعين بالناقد الذى يمتلك أدواته المسرحية، ويدرك متطلبات النقد وظروف كل عرض وطرائق التناول المناسبة، بعيدًا عن المجاملة أو التعصب مع أو ضد أى فريق.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الناقد لا بد أن يتحرر من أى حسابات غير مهنية داخل عمله، مشيرًا إلى أن مهرجان المسرح العربى يمثل نموذجًا جيدًا فى هذا السياق، حيث شهدت عروضه وندواته حالة من الجدل النقدى والحوار الثقافى المحترم.
الندوات التطبيقية روح المهرجانات المسرحية
قالت الناقدة نهلة إيهاب إن الندوات التطبيقية التى تُقام عقب العروض المسرحية ليست مجرد فقرة إضافية داخل برنامج المهرجان، بل يمكن اعتبارها روح المهرجان نفسه، مؤكدة أن المهرجان إذا توقف عند فكرة «نعرض ونمضي»، فإنه لا يقدم سوى نصف التجربة فقط.
وأضافت أن الندوات التطبيقية تحول المشاهدة من مجرد فرجة إلى حوار حقيقى، حيث لا يظل الجمهور فى موقع المتلقى فقط، بل يصبح شريكًا فى الفهم والتحليل، كما تمنح الفنان فرصة لرؤية عمله بعين أخرى، قد تكشف له جوانب لم ينتبه إليها أثناء مراحل الإعداد والتنفيذ.
وأوضحت نهلة إيهاب أن دور هذه الندوات فى تطوير مهارات الفنانين وطلاب المسرح دور أساسى، وليس رفاهية، لأن المعرفة النظرية وحدها قد تُنسى سريعًا، أما حين ترتبط بعرض مسرحى تمّت مشاهدته للتو، تصبح التجربة حاضرة وملموسة، ويتحول التعلم إلى فعل حى قائم على النقاش والاختلاف ولحظات الإدراك التى قد تصنع فارقًا كبيرًا لدى فنان فى بداية طريقه، أو حتى لدى فنان صاحب خبرة يحتاج إلى إعادة ترتيب أدواته.
وأشارت إلى أن الندوة التطبيقية يمكن أن تخلق حوارًا نقديًا حقيقيًا، بشرط أن تتسم بالصراحة والجدية، بعيدًا عن المجاملات أو إعادة حكى العرض. وأكدت أن النقد الحقيقى المحترم، الذى يحلل ويختلف من دون تجريح، يترك أثرًا واضحًا فى تطوير العروض، ويجعل الفنان أكثر وعيًا بأن عمله سيُناقش بجدية.
واختتمت الناقدة نهلة إيهاب حديثها بالتأكيد على أن الندوات التطبيقية ليست إضافة شكلية، بل مساحة حية إذا جرى توظيفها بالشكل السليم، يمكن أن تسهم فى تغيير شكل وجودة العملية الفنية بأكملها، موضحة أن المهرجان من دونها ينتهى مع آخر عرض، أما بوجودها فيظل النقاش ممتدًا حتى بعد انتهاء الحدث الفنى أو الثقافى.
الندوات التطبيقية مساحة للحوار لا منصات للمحاكمة
أوضح الناقد محمد علام أن الندوات التطبيقية تمثل مساحة تفاعل أساسية داخل المهرجانات، حيث تتيح لقاءً مباشرًا بين صُنّاع العرض والنقاد، بما يسهم فى تقييم التجربة الفنية بشكل موضوعى، وتحديد نقاط القوة وفرص التطوير.
وأضاف أن هذه الندوات لا تستهدف إصدار أحكام نهائية على الأعمال، بل تهدف إلى قراءتها وتحليلها فى ضوء ما تطرحه على المتلقى، وما تفتحه من أسئلة فنية وفكرية.
وأشار علام إلى أن هناك تصورًا غير دقيق يختزل الندوات النقدية باعتبارها منصات للمحاكمة، وهو ما أدى إلى تراجع حضورها فى بعض الفعاليات، خوفًا من التوتر أو التأثير السلبى على صُنّاع العروض. غير أن الدور الحقيقى لهذه الندوات يقوم على الحوار والتفكير المشترك، حيث يعمل الناقد والفنان معًا على تفكيك التجربة الفنية، وتقديم مفاتيح تساعد الجمهور على فهمها أو التفاعل معها بشكل أعمق. وأكد أن الندوات التطبيقية تسهم فى خلق حوار نقدى ينعكس بشكل مباشر على جودة العروض، إذ يُعد النقد المسرحى عنصرًا أساسيًا فى تطور الحركة المسرحية.
واختتم الناقد محمد علام حديثه بالتأكيد على أن التجارب المسرحية تثبت أن فترات ازدهار المسرح ارتبطت دائمًا بحضور نقدى فاعل، يمتد من المؤسسات الأكاديمية إلى وسائل الإعلام، بما يعزز وعى الجمهور ويثرى المشهد الفنى ككل.
المهرجانات المسرحية تظل احتفالية استهلاكية إذا افتقدت منصة النقد
قال الناقد محمد النجار إن الإنسان لم يعرف تاريخ العروض المسرحية وتأثيراتها الحياتية والثقافية إلا عن طريق الناقد؛ ذلك المبدع الذى وثّق وحقّق وطوّر المنتج الإبداعى، وليس أدل على ذلك من كتاب «فن الشعر» للناقد الرائد أرسطو، فمن خلاله عرفنا معنى التراجيديا ودلالاتها.
وأضاف أن النقد إنتاج إبداعى موازٍ للإبداع، يحقق ويوثق ويطور المنتج الفني؛ فالمبدع، مخرجًا ومؤلفًا وممثلًا، ينتج الدلالات، بينما يقرأها المبدع الناقد ويحققها ويطورها ويوثقها. وأوضح النجار أن المهرجانات المسرحية، من وجهة نظره، فعل إبداعى محمود، قوامه الإنتاج الفنى، إلا أن هذا الإنتاج يختل إذا افتقد منصة النقد، ويصبح إبداعًا مبتورًا، فالناقد الواعى يؤثر فى المخرج والمؤلف والممثل الواعى، ويشير بخبراته إلى مناطق إبداعية قد تتوارى عن المتفرج.
وأكد أن فتح النقاشات بين منصة النقاد والجمهور يُعد عصفًا ذهنيًا مهمًا لاستكمال دائرة الإبداع، التى لا تكتمل، من وجهة نظره، إلا بقراءة الناقد، شرط أن يكون قارئًا حقيقيًا غير مُدّعٍ. وأشار إلى أن المهرجانات تظل احتفالية استهلاكية إذا افتقدت منصة النقاد، بينما تتحول إلى فعل إبداعى متكامل حين يعتلى الناقد منصته من غير تعالٍ.
واختتم الناقد محمد النجار حديثه بالتأكيد على أن المنتج الإبداعى يتطور بتطور القراءة النقدية، كما يُشحذ الخيال بصورة متكاملة عبر العصف الذهنى، لافتًا إلى أن الندوات النقدية قد تحقق على المدى البعيد، إذا صلحت النوايا، ما حققه كتاب «فن الشعر» من توثيق وتأطير وتحقيق للرؤى الإبداعية المسرحية.
تلعب الندوات التطبيقية دورًا محوريًا في ربط الجانب النظري بالممارسة العملية
قال الناقد والباحث حسام الدين مسعد «:المهرجانات المسرحية تحوّلت تدريجيًا إلى فضاءات ديناميكية للتعلّم وتبادل الخبرات، حيث يلتقي الفنانون بالجمهور والنقاد في لحظة تفاعلية تتجاوز حدود المشاهدة السلبية.
هذا التحوّل يعكس وعيًا متزايدًا بوظيفة المهرجان بوصفه مختبرًا حيًا لإنتاج المعرفة الفنية، وليس فقط استهلاكها.
وتابع قائلا «:في هذا السياق، تلعب الندوات التطبيقية دورًا محوريًا في ربط الجانب النظري بالممارسة العملية. فهي تتيح للفنانين والطلاب تفكيك العروض بعد تقديمها، والوقوف على تقنياتها الجمالية وأدواتها التعبيرية، بما يسهم في تطوير مهاراتهم النقدية والإبداعية. كما تمنح هذه الندوات فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بين صُنّاع العرض والمتلقين، وهو ما يعزز فهمًا أعمق للعمل الفني خارج إطار الانطباعات السطحية.
وأضاف: غير أن فاعلية الندوات التطبيقية تظل مرهونة بقدرتها على خلق حوار نقدي حقيقي، يتجاوز المجاملات والانطباعات العامة إلى تحليل معمّق يلامس بنية العرض وأسئلته الجمالية والفكرية. فعندما تتحقق هذه الشروط، تنعكس نتائج هذا الحوار بشكل مباشر على جودة العروض، وتفتح آفاقًا جديدة أمام تطور الحركة الفنية داخل المهرجانات.
أما حين تغيب المهنية أو تتحول الندوات إلى فضاء خطابي تقليدي، فإنها تفقد جدواها وتتحول إلى نشاط موازٍ بلا أثر حقيقي.
من هنا يبرز الحديث عن بدائل أكثر تفاعلية وفعالية، وعلى رأسها ثقافة “الماستر كلاس”. هذا الشكل يقوم على نقل الخبرة بشكل عملي ومباشر، حيث يشارك فنان أو مخرج تجربته من داخل أدواته، ويُشرك الحضور في تمارين وتطبيقات حية. بخلاف الندوة، لا يكتفي الماستر كلاس بالتحليل، بل ينتج معرفة آنية قائمة على التجريب والمشاركة، وهو ما يجعله أكثر جذبًا للأجيال الجديدة.
إن استشراف مستقبل المهرجانات يقتضي الجمع بين الندوات التطبيقية بصيغتها المتجددة، وثقافة الماستر كلاس كبديل أو مكمل، بما يضمن تحويل الفعل المسرحي إلى تجربة تعليمية متكاملة، تُنتج فنانًا أكثر وعيًا، ومتلقّيًا أكثر نقدًا.