الملك لير وناقد كوكب الشرق!

الملك لير وناقد كوكب الشرق!

العدد 978 صدر بتاريخ 25مايو2026

بعد أن تعرفنا على رأى ناقد جريدة «الجهاد»، وأيضًا رأى ناقد جريدة «البلاغ» فى عرض «الملك لير»، بوصفه العرض الثانى للفرقة القومية المصرية، الذى عُرض فى ديسمبر 1935، فلزامًا علينا أن نقرأ ما كتبه ناقد جريدة «كوكب الشرق»، كونه من أهم النقاد المسرحيين فى ذلك الوقت، وهو الأستاذ «محمد على حماد»، الذى قال تحت عنوان «الملك لير على مسرح الأوبرا الملكية»:
ليست «لير» فى حقيقتها قصة واحدة بل هى قصتان تسيران جنبًا إلى جنب تلتقيان تارة وقد تفترقان تارة أخرى على اختلاف وتباين فى البداية والنهاية. ولكنهما سهمان يرميان إلى غرض واحد وإلى هدف واحد، يعزز أحدهما الآخر ويشد أزره ويؤيد القضية الواحدة التى يرمى إليها شكسبير العظيم من كتابته هذه المأساة الخالدة!
القصة الأولى فى «لير» هى قصة لير نفسه وبناته الثلاث، أما القصة الثانية التى جاءت فى تضاعيفها فهى قصة «إيرل غلوستر» وولديه! وكما لقى «لير» من ابنتيه العاقتين، لقى «غلوستر» من ابنه الزنيم.. وكما جن الأول ومات يائسًا محطم القلب، فقئت عيون الثانى ومات ولقى من الشقاء ما لقى. وكذلك تتفق القصتان فيما حدث لابنتى «لير» السابقتى الذكر وما وقع لابن «غلوستر» الشرير، فقد ماتوا جميعًا بل قتلوا قتلًا ولقى الشر جزاءه بعد أن فضح أمره وكشف معدن الخبث فيه.. هكذا هو شأن شكسبير دائمًا يفسح للشر فى مآسيه المدى ويبسط له فيها الرحاب، ويمهله، ولكنه لا يهمله فلا يسدل ستاره ولا ينهى فاجعته إلا وقد استأصل الشر من جذوره وجعله عبرة لمن يعبّر. وشكسبير لا يكتب ليقص علينا «حادثة» أو ليروى لنا ما اتفق لنفر من الناس فى ناحية من نواحى الأرض، بل ليبرز لنا قوتين من هذه الطبيعة القادرة، هما الخير والشر، ويدفع بإحداهما على الأخرى ويمزجهما مزج صانع ماهر قدير، وما يزال بهما فى نضال وعراك حتى إذا بلغ الشر مداه وذروته ووصل أقصى حده وقوته وظن أن الأمر له قد استتب ومحى الخير وأتى عليه، انعكست الآية فى مثل لمح من البرق خاطف وإذا به ذليلًا مقهورًا، وإذا بالخير فى العلا وفى القمة السامية منتصرًا يعلى كلمة الحق ويجتث الشر من أصوله، ويأتى عليه فيمحوه ولا تبقى منه للناس إلا العظة والعبرة لمن شاء أن يتعظ ويعتبر. 
ويوضح الناقد فكرته هذه، قائلًا: وشخصيات شكسبير تتكرر، إذ إن الإنسانية تتكرر فى ذاتها وإن تعددت صورها، وإذ أن الخير والشر أبديان سرمديات يتكرران فى ذاتهما وإن تعددت منهما الصور والرسوم، وما شخصيات شكسبير إلا صور ورسوم من الخير أو من الشر، فهى معنى من المعانى قبل أن تكون هياكل من لحم ودم. وما «أدموند» فى هذه القصة إلا صورة أخرى من «ياجو» ومن «ليدى ماكبث»، ومن غيرهما من صور الشر البغيض التى تفيض بها مآسى شكسبير العظيم على تفاوت واختلاف فى التفاصيل والدقائق، وإن كان النبع واحدًا والصورة فى حقيقتها هى هى وإن بدت لنا فى هيكل جديد وثوب جديد. ومن الغريب أن الخير فى شكسبير يلقى من العنت والإرهاق الشيء الكثير بل لعله لا يجد نصفة ولا عدلًا إلا فى القليل النادر، اللهم إلا إذا كان فى اندحار الشر دائمًا فى ختام المأساة هذه النصفة وهذا العدل، وهذا «لير» الطيب السمح الكريم يجن ويموت، وهذا «غلوستر» تفقأ عيناه ويموت وهذه «كورديليا» تسجن وتموت. ثم «كفت» و«ادغار» يلقيان ما يلقيان من العسف والجور، ولا تجئ نصفتهما إلا أخيرًا. وهؤلاء جميعًا هم ممثلو الخير فى هذه القصة وهم معانيه ورسله، وهذه حالهم وما يجدون، وكذلك الأمر فى مآسى شكسبير الأخرى، وعلى الأخص فى فواجعه الثلاث الخالدة «عطيل» و«ماكبث» و«هملت» فالحال فيها ما يلقاه الخيرون فى تضاعيفها لا يقل عما لقوه هنا فى «لير». وقد يكون مرجع الفكرة فى ذاتها أن الخير الذى يصوره شكسبير فى فواجعه خيرًا محضًا لا يمازجه ختل أو يشوبه رياء، فهو خير كله، خير فى أسمى معانيه وأكمل صوره، وهو لهذا لا يستطيع للشر دفعًا، ومن هنا كان عليه أن يتلقى جزاء غفلته، وكأنى بشكسبير لا يريد الخير إلا ممزوجًا ببعض الشر يقيه الشر كله، أو قل إن هذه الشخصيات الخيرة التى رسمها شكسبير أخطأت فى حق نفسها إذ أساءت إلى بعض الخير فيها فكان حقًا أن تلقى ما لقيت من عسف وجور واضطهاد حتى إذا نظرت فى الأتون المتقد وأحست لسعة النار كان ذلك جزاءها الحق ثم كان لها النصر بعدها والغلبة على قوى الشر البغيضة المرذولة ولكن بعد أن كفرت عن خطاياها لا قبل ذلك. وتلك بعض معانى شكسبير فى بعض نواحى العبقرية منه.
وعن «الإخراج»، قال الناقد: اضطرت إدارة الفرقة عند إخراج الرواية إلى أن تحذف بعض المشاهد وتختزل البعض الآخر لتعدد مناظر الرواية وتتابعها على النحو المعروف فى مسرحيات شكسبير كلها، وكأنما كان شكسبير يكتب رواياته على أنموذج «السيناريو السينمائي»، المعروف اليوم لا على أنموذج المسرحيات الحديثة المختزلة فى مناظر وفصول محدودة محصورة يتسع لها المسرح الحديث فى نظامه المحدود المحصور والذى لم يعرفه عهد شكسبير، وما نطيل فى هذا الصدد فإن ما نعنيه معروف لكل من له إلمامه بتاريخ المسرح.. حذفت الفرقة إذًا بعض المشاهد واختزلت البعض الآخر، ومع ذلك بقى من مشاهد القصة ثلاثة وثلاثون تتتابع وتتلاحق فى سرعة ودقة على النحو الذى شاهده رواد القصة على مسرح الأوبرا، وكان جهدًا كبيرًا مضنيًا هذا الجهد الذى بذل فى إخراج القصة من هذه الناحية، جهد تضامن فيه المخرج والممثلون جميعًا حتى لا تفتر حرارة القصة أو يداخلها الملل. وكان أن استعان الأستاذ عزيز عيد مخرج الرواية بكثير من الحيل والابتكارات حتى يستقيم له الأمر ويستطيع أن يلاحق المشاهد الواحد وراء الآخر دون أن يلجأ فى كل مرة إلى إسدال الستار الأمامى ريثما يغير النظر ويبدله بما يليه. كما استخدم ستائر عادية من القماش أجرى أمامها بعض المشاهد القصيرة ليتسع له الوقت لإعداد مناظر المشاهد المهمة خلفها بحيث يكتسب بذلك وقتًا يمكنه من إنهاء القصة فى موعد معقول وغير متأخر. وقد أخرج الأستاذ عزيز عيد من قبل رواية «يوليوس قيصر» على نفس الأسلوب وبذات الطريقة، وكما نجح بالأمس نجح اليوم، ويخال لى أن هذا هو الأسلوب الوحيد الذى يستطاع فى إخراج مثل هذه المسرحيات المتعددة المناظر والفصول اللهم إلا إذا استعملنا طريقة الستائر السوداء وبقع الضوء على النحو المُتبع اليوم فى بعض مسارح أوروبا، وعلى نحو ما يتبعه مسرح «أولد فيك» فى لندن فى إخراج مسرحيات شكسبير على الخصوص. وقد شاهدنا هذه الطريقة من بعض الفرق الإنجليزية ورأينا قصة «لير» منها على هذه الطريقة من فرقة «إتكنز» وعلى مسرح الأوبرا الملكية ذاته، ورواية «مكبث» من فرقة «ثورونديك» على المسرح نفسه. ولكن لا أظن أن جمهورنا يستسيغ هذا الأسلوب فى الإخراج ولعل طريقة الأستاذ عزيز عيد وهى تجمع بين هذا النحو والنحو القديم المعروف من إعداد مناظر خاصة لكل المشاهد، لعل هذه الطريقة هى الأسلم عاقبة والأدعى إلى الرضى من جمهور النظارة فى مصر فهى تقدم إليه شيئًا جديدًا وفى الوقت نفسه لا تحرمه من القديم المألوف. والأستاذ عزيز عيد كمخرج ليس فى حاجة إلى التنويه والذكر، فقد أخرج إلى اليوم ما ينيف عن المائة والخمسين قصة جمعت بين أنواع الفن كله من أول التراجيدى إلى الفودفيل وأثبت بذلك كفاءة ممتازة ومقدرة خليقة بالأعجاب والتقدير. وأكبر ما يعنى به الأستاذ عزيز عيد فى عمله تصوير شخصيات القصة من الناحية النفسانية تصويرًا صحيحًا صادقًا فى أغلبه وجموعه بحيث يعطيك فكرة حقة عن كل شخصية الشخصيات فى خلقها وميولها وغرائزها وأهوائها مستعينًا فى ذلك بالحركة أو الإشارة، أو الكلمة، أو اللهجة، ولا يجهده أن يفهم الممثل ما يريد عشرات المرات بل مئاتها حتى يستقيم الأمر معه على النحو الذى يريده. وتجد فى إخراج عزيز «الوحدة» أو الاتساق إذا شئت، فالقصة تجرى فى تمازج وعلى نغم واحد لا يشذ. وتمضى الحادثة إلى نهايتها يسايرها المخرج ويمضى معها حتى تنتهى إلى غايتها المعلومة دون أن نلحظ نقصًا هنا أو ضعفًا هناك، بل كل شىء يسير سيرًا متسقًا من البداية إلى النهاية. وهذا مرجعه إلى عناية الأستاذ عزيز عيد بالقصة فى مجموعها كعنايته بأدق تفصيلاتها، وبهذا يستقيم الجزء والكل معًا ويؤلفان هذه الوحدة التى هى من أساس الإخراج فى الصميم حتى لا تتفاوت بعض أجزاء القصة عن البعض الآخر أو يكون بينها من التباين والتنافر ما يخل بما يجب أن يستقيم لها من التوازن والتعادل. وبعد فإن جهود عزيز غير منكورة ولا مجحودة وبحاجة للتواصل وخاصة فى إخراج «شكسبير» و«شوقي» خليق بما بذل من جهد وتكبد من عناء وهو جزاء أوفى لهذه الخدمات المتتابعة للمسرح والفن جميعًا.
وعن التمثيل، قال الناقد: اشترك فى تمثل هذه الرواية أبطال الفرقة جميعًا وعلى رأسهم جميعًا الأستاذان عزيز عيد وجورج أبيض فقد تناوبا تمثيل دور الملك لير، ثم ممثلونا الأكفاء المعروفين: حسين رياض، ومنسى فهمى، وعباس فارس، وعبد العزيز خليل، وإلى جانبهم زملاؤهم حسن البارودى وفتوح نشاطى، ومحمود رضا، وفؤاد شفيق، وعلى رشدى وغيرهم كثيرون فى أدوار القصة المتعددة الكثيرة. وقامت الممثلات فردوس حسن ونجمة إبراهيم وزينب الحكيم فى أدوار بنات الملك لير الثلاثة، وعهد بدور بهلول إلى الممثلة زينب عثمان! ولست أسامح نفسى إذا أغفلت أن أذكر حسين رياض ومسنى فهمى وعباس فارس بمزيد من الإعجاب والثناء كل فى دوره الذى قام به. والثلاثة من أبطال الفرقة، بل من أبطال المسرح المصرى ومن أكفئ ممثلينا وأقدرهم والظاهر أنهم سيحملون أكبر العبء فى عمل الفرقة وأعظم الجهود فى رواياتها جميعًا، فحسين ومنسى قاما بدورى البطولة فى «أهل الكهف» بعد «مشيلينيا» وهما هنا يقومان بدورى البطولة فى «لير» بعد «الير» نفسه. وقد بلغ حسين رياض فى مشهد تخفيه فى زى «توما المجنون» أبلغ غايات القدرة والإعجاز، وأسجل هنا للمرة الثانية إعجابى الذى لا حد له بهذا الممثل النابه الكفء. وكان عباس فارس فى «كنت» متفوقًا كدأبه، متمشيًا مع طبيعة الدور فى مشاهده المختلفة ملونًا فيها جميعًا بما يقتضيه الموقف ويناسب الجو الذى هو فيه، وتلمس هذا التباين على أتمه فى ثورته فى الفصل الأول أمام الملك وفى غضبته بعد ذلك على رسول ابنته وهو يسبه ويدعوه للنضال والمبارزة فى ذلك المشهد الرائع البديع الذى خلقه عباس خلقًا رائعًا بديعًا ومزج فيه بين الابتسامة والدمعة، فجاء من خيرة مشاهد القصة كلها. 
ويقول الناقد عن جورج أبيض: إنه خُلق ليكون تراجيديًا بالفطرة ولا حيلة لأحد فى هذا. ولو لم يكن له إلا هذا الصوت الذى كأنما حشدت فيه عشرة أبواق ضخمة هائلة، وتلك النبرة المجلجلة جلجلة الرعد القاصف إذا علت والشجية الأخاذة بمجامع القلوب والأفئدة إذا هدأت، لو لم يكن له إلا هذا من وسائل التراجيديا لكفى! على أن مواهب جورج ليست كلها فى صوته ولا فى أوتار تلك الحنجرة شبيهة بمزمار يغنى أو جلجل فضى يدق. ومن رأى جورج فى «لويس الحادى عشر» ومن فى مصر لم يرها؟ يقدر أى مدى يستطيع هذا الفنان العبقرى أن يبلغه وإلى أية ذروة يسمو إذا تهيأت له الوسائل. جورج أبيض صفحة مجيدة من صفحات المسرح فى مصر، بل لعلها أنصع صفحة منه وأجدرها بالخلود. وجورج هو الذى خلق التراجيديا فى مصر بخلقه «أوديب» وهو الذى خلق شكسبير فى مصر بخلقه «عطل». فالمسرح المصرى مدين له بالكثير وبما فوق الكثير. وقد كان فى «لير» ما كنا جميعًا ننتظر أن يكون، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين أدائه للدور وبين أداء الأستاذ عزيز عيد له لاختلاف الطبيعة بين الممثلين سواء فى الصوت أو الجسم وطريقة الأداء والفهم وأسلوب كل فى إبراز المواقف المختلفة، وأظن أنه من الأولى أن يكون هذا موضوع كلمة خاصة!
وينتقل الناقد إلى الممثلات فيقول: كانت أبرز ممثلات الرواية الآنسة «فردوس حسن» فى دور «غونوريل» وقد فازت بحقد المتفرجين جميعًا وغضبهم وهذا فوز لو تعلمون عظيم! وفى الواقع أن فردوس رسمت من شخصية هذه الابنة الجاحدة صورة حية قوية كأنما تمثل العقوق ونكران الجميل والشر جميعًا فى هيكل من لحم ودم.. وستبقى هذه الشخصية دائمًا على رأس الأدوار التى وفقت الآنسة فردوس حسن إلى إجادتها إجادة تهنأ عليها كل التهنئة. وكانت الآنسة «نجمة إبراهيم» فى دور «ريغان»، مجيدة حسنة الفهم لشخصيتها، قوية النبرة فى الأداء، نبيلة الإشارة تحس فيها عظمة الملك وخيلاء الفتنة المغرورة، والكبرياء الشامخ، وأنها لبداية موفقة لهذه الممثلة نرجو لها المزيد منها فى أدوارها المقبلة. أما الآنستان زينب الحكيم وعثمان، فلم توفقا فى خلق دوريهما على أنهما تقومان بالدورين المحبوبين فى الرواية كلها، أعنى الدورين القريبين إلى قلب الجمهور، فالأولى لم تستطع فى «كورديليا»، ولا الثانية فى «بهلول» أن تفسحا لهما مكانًا رحبًا من صدر النظارة وهذا أول الفشل فى مثل هذه الأدوار وآخر الفشل فيها أيضًا. وبهلول فى «لير» يجئ على رأس الأدوار كلها وقبل «لير» نفسه من حيث الشخصية والمعنى الذى رمى إليه شكسبير! وممثل قدير فى هذا الدور خليق به أن يكتسح الرواية كلها وأبطالها جميعًا ويقف فى القمة وعلى الرأس وحده.. وبهلول ناحية أخرى من نواحى «هملت» أو هى الحكمة على لسان مجنون وإن لم يكن فى الدنيا كلها من هو أعقل من هملت وبهلول! على أن الآنسة «زينب عثمان» تبدو فيها جوانب طيبة أخرى تستحق العناية ومواهب لا بأس بها جديرة بالنجاح. ولعلنا نراها فى روايات الفرقة القادمة فيما يليق بها من أدوار تستطيع أن تنال فيها نصيبها من رضى الجمهور وهو سهل ميسور وتقدير النقد وما هو بالعزيز المنال.


سيد علي إسماعيل