أغلب البشر يريدون حياة لا ينقصها شىء، كأن النقص عيب لا يحتمل، وكأن السعادة لا تكتمل إلا إذا امتلك الإنسان كل ما يشتهيه. لذلك يظل البشر فى رحلة لا تنتهى لاكتمال ما ينقصهم. وكلما ظن الإنسان أنه اقترب من الاكتمال، اكتشف أن داخله فراغًا جديدًا يطالبه بالمزيد. فهو يسعى إلى أن تصبح حياته «24 قيراط”. وهو اسم عرض من إخراج عبدالرحمن محسن، والعرض قدم ضمن عروض اليوم الختامى من مهرجان “ماستر سين”، مستلهمًا من فيلم “جرى الوحوش”. وضح العرض أن أحيانًا يكون الإنسان مستعدًا لأن يدفع أى ثمن حتى يشعر بأنه كامل، وحين يصدق أن المال قادر على شراء كل شىء حتى ما لا يشترى. والعرض لا يتوقف طويلًا أمام التجربة الطبية بل أيضًا ينشغل بما تكشفه هذه التجربة من تصدعات داخل البشر أنفسهم. ومع تصاعد الأحداث لا يبدو الصراع قائمًا بين الخير والشر بل يبدو صراعًا بين الإنسان وما داخله، وبين رغبته فى الاكتمال وخوفه الدائم من العجز.تدور فكرة العرض حول الإنسان حين يتحول نقصه إلى نقطة ضعف قادرة على تدمير حياته بالكامل. فالمسرحية تتعامل مع العقم باعتباره شعورًا داخليًا بالعجز يدفع الشخصيات إلى اتخاذ قرارات تتجاوز حدود المنطق والأخلاق. ومن خلال تجربة طبية يسعى أحد الأطباء إلى إثبات نجاحها، تتشابك مصائر ثلاث شخصيات؛ رجل ثرى يطارده هاجس الإنجاب، ورجل فقير تدفعه الحاجة إلى قبول صفقة تغير حياته، وطبيب يرى فى نجاح تجربته انتصارًا يتجاوز حدود العلم نفسه، ويتعامل مع الجميع بوصفهم وسيلة لإثبات نجاح تجربته لا باعتبارهم بشرًا. فكل شخصية داخل العرض تسعى إلى النجاة من نقص ما، لكنها كلما اقتربت مما تريده، خسرت جزءًا أكبر من نفسها. ولا تأتى النهاية كعقاب لأفعال الشخصيات فقط، بل كاشفة لوهم أكبر؛ وهم الحياة الكاملة التى يظل الإنسان يطاردها حتى يفقد نفسه فى الطريق إليها. لذلك يبدو العرض فى جوهره، أقرب إلى مأساة نفسية تكشف كيف يمكن للرغبة فى الاكتمال أن تتحول تدريجيًا إلى سبب للانهيار.وبالنسبة للبناء الدرامى فكان التصاعد هادئ لا يكشف مأساته دفعة واحدة، لكن تتسلل تدريجيًا إلى الشخصيات والمتفرج معًا. ففى البداية يبدو الصراع بسيطًا؛ رجل ثرى يبحث عن طفل لكى يبحث عن الكمال، ورجل فقير يرى فى المال فرصة للهروب من قسوة حياته، وطبيب يسعى إلى إثبات نجاح تجربة يؤمن بها بطريقة مهووسة. العرض يتعامل مع هذه الشخصيات باعتبارها ضحايا لرغباتهم الخاصة وهو ما منح العرض طابعًا تراجيديًا. و نجح العرض فى بناء توتره الدرامى عبر التحولات النفسية للشخصيات، فكل مشهد كان يدفع الشخصيات خطوة نحو الانهيار، الرجل الثرى يتحول تدريجيًا من شخص يطارد حلم الأبوة إلى إنسان تلتهمه الهلاوس والاضطراب، بينما يفقد الرجل الفقير توازنه النفسى والجسدى شيئًا فشيئًا، فى حين يزداد الطبيب تعلقًا بفكرته إلى الحد الذى يجعله يرى البشر مجرد وسائل لإثبات نجاحه العلمى.و كان المتفرج يدرك مبكرًا أن الشخصيات تسير نحو الكارثة، لكن التوتر الحقيقى كان فى متابعة الطريقة التى ينهار بها كل شخص من الداخل. لذلك جاءت النهاية منطقية وقاسية فى الوقت نفسه، لأنها بدت نتيجة طبيعية لمسار طويل من الطمع والخوف والرغبة فى امتلاك ما لا يمكن امتلاكه. التجربة الطبية لم تكن داخل العرض هى الأزمة الحقيقية، بل الأزمة هى ما كشفته هذه التجربة من هشاشة دفينة داخل الشخصيات نفسها. فالرجل الثرى على الرغم من امتلاكه المال والسلطة، فكان أسير شعور دائم بالنقص. فالعقم داخل العرض لا يظهر بوصفه مشكلة جسدية فقط، بل كجرح نفسى يمس إحساسه بالاكمال ولا يريد أن يعوضه بالتبنى، لذلك يتحول حلم الإنجاب لديه إلى هاجس يسيطر على وعيه بالكامل. أما الرجل الفقير فكان أكثر الشخصيات مأساوية من الناحية النفسية، لأنه يدخل التجربة مدفوعًا بالحاجة والرغبة فى النجاة من واقعه القاسى. فقبوله للصفقة لم يكن نابعًا من اقتناع حقيقى بقدر ما كان محاولة يائسة للتشبث بحياة أفضل. وفى النهاية خسر قدرته الجسدية بجانب فقدان توازنه النفسى، وكأن العرض يربط بين بيع الجسد وفقدان الإنسان لاستقراره الداخلى. أما الطبيب فربما كان الشخصية الأكثر تعقيدًا داخل العرض، لأنه لا يتحرك بدافع المال أو الحاجة، بل بدافع هوس علمى ورغبة عارمة فى إثبات نجاح تجربته. وكان مقتنعًا بأن المشكلة ليست فى التجربة نفسها لأنها نجحت _من وجهة نظره_ على القرد بصورة طبيعية. كل شخصية كانت ترى فى الأخرى وسيلة لسد نقصها الخاص؛ فالرجل الثرى يرى فى الرجل الفقير فرصة للإنجاب، والرجل الفقير يرى فى الثرى بابًا للخلاص من الفقر، بينما يرى الطبيب فيهما فرصة لتحقيق مجده العلمى. لذلك لم تقم العلاقة بينهم على التعاطف الإنسانى بقدر ما قامت على الاحتياج والطمع، وهو ما جعل الجميع ينتهى فى النهاية إلى العجز والانهيار، وهذا يدل على أن الإنسان حينما يحاول علاج نقصه عبر استغلال الآخرين، فإنه يخلق داخله نقصًا أكبر وأكثر قسوة.وفى النهاية لا يمنح العرض أى شخصية انتصارًا حقيقيًا، وكأن العقاب الذى يصيب الجميع ليس عقابًا على التجربة فقط، بل على فكرة أن الإنسان يستطيع امتلاك كل شىء إذا دفع الثمن. وهنا تصبح النهاية إدانة أخلاقية واضحة لوهم السيطرة، ولوهم الاعتقاد بأن المال أو العلم قادران دائمًا على تجاوز حدود الطبيعة.وللحديث عن أداء الممثلين فلم يكن أداء مبالغ فيه، والشخصيات لم تتحرك باعتبارها نماذج خير وشر، بل باعتبارها شخصيات مأزومة تحمل خوفها وضعفها طوال الوقت. وكان الجمهور متفاعلا مع العرض ومندمجا مع الأداء بشكل كبير.أما بالنسبة للإضاءة خاصة فى مشهد فكان يجمع الرجل الفقير والثرى معا، وكانت الخشبة معتمة عدا ثلاث بؤر صفراء؛ واحدة للرجل الفقير وأخرى للرجل الثرى وبينهما قفص القرد. وحينها أصبح الصمت أكثر بلاغة، وكأن العرض يجرد الشخصيات من كل شىء. كما منح اللون الأصفر المشهد إحساسًا بالذبول والمرض والانطفاء، ليبدو أقرب إلى لوحة جنائزية هادئة تكشف أن الجميع انتهى أسيرًا للنقص الذى حاول إكماله.العرض لا يدين العلم وحده ولا المال وحده ولا حتى الطمع فقط، بل يكشف هشاشة الإنسان حين يصدق أن اكتماله ممكن إذا امتلك ما ينقصه بأى وسيلة. كانت قوة العرض الحقيقية فى أنه لم يمنح شخصياته خلاصًا واضحًا أو نهاية مريحة بل ترك الجميع فى مواجهة خساراتهم. وتم طرح فكرة شديدة البساطة والقسوة فى الوقت ذاته؛ أن الإنسان كثيرًا ما ينشغل بما ينقصه إلى درجة تجعله عاجزًا عن رؤية ما يملكه بالفعل. فالشخصيات داخل العرض لم تكن فقيرة تمامًا مما لديها، لكنها ظلت تطارد ما تفتقده معتقدة أن الحياة لن تكتمل إلا بالحصول عليه. وهكذا خسروا تدريجيًا ما كان بين يديهم، ولم ينجحوا فى الوصول إلى ذلك الاكتمال الذى حلموا به.فجاء العرض تأكيدًا لفكرة أن الحياة الكاملة لا وجود لها، والكمال يكمن بداخل الإنسان فى مدى رضائه عن حياته، وأن محاولة الوصول إلى الـ24 قيراط من الحياة قد تدفع الإنسان أحيانًا إلى فقدان ما كان يملكه بالفعل دون أن يحصل فى النهاية على ما كان يطارده.