ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربى والذى تنظمه الهيئة العربية للمسرح/الشارقة، دورته السادسة عشرة والتى أقيمت بالقاهرة، على خشبة مسرح الجمهورية قدم العرض المسرحى «جاكراندا» نص ودراما تورج د.عبدالحليم المسعودى سينوغرافيا وإخراج نزار السعيدى إنتاج المسرح الوطنى الشباب/تونس.يخلق العرض المسرحى «جاكراندا» أجواءه الخاصة التى تجعل من المتلقى دائم السؤال عن ذلك التطور الذى يراه على خشبة المسرح فهذه الصراعات التى تنشب بين االشخصيات دائمة التطور والإنقطاع ثم الربط من جديد، إلى أن تصل لانقطاع آخر يولد المعنى، ويؤكده ثم تعود تفتته من جديد، فى جدلية غير منتهية وتفتح الباب لأسئلة عديدة تستدعى الإجابة، ففى عرض جاكراندا تُبنى الصراعات بتفرعها لتكشف عن ماض داخل الشخصيات الدرامية أكثر تعقيد مما يبدو، فيتم الكشف عن تلك اللحظة الحاسمة التى يتغير بعدها كل شئ، حيث التحول النابع من الوعى الحاضر بعد غياب لأن الشخصيات فقدت ميثاق التشابه القديم بين اللحظة والوعى بها لتصبح الشخصيات مغتربة عن واقعها ولحظتها الآنية، فيصبح الفعل لحظة حاسمة وحتمية لتعود الشخصية لتوازنها الذى يجب أن يكون، من خلال الفعل الفردى وتفاعله مع الآخر ومع المجموعة.والمكان الذى تدور فيه أحداث العرض هو (مركز الاتصالات) حيث لحظات من الإنتظار، وهذا الفضاء/المكان يظهر كبطل قائم على فكرة التبادل الدائم بين المؤديين، وهو يحمل فضاء من إحتمالات لامتناهية تتبلور فيها الحركة والنظرة والكلمة، والتواصل خلال هذا الجمع والفضاء هنا ليس مجرد وعاء للحدث بل علاقات بين الأجساد يعتمد إدراكها على سرعة وعناصر مكونة للفضاء ذاته، وهو مكان تسكنه روح خاصة، روح قلقة وكأن الشخصيات الدرامية تدور فى متاهه لاتعرف كيف ومتى تخرج.. فالمكان والزمان هويات ثابتة مفروضة على الوعى لكن ذلك الفرض يقوم على أساس تصورات وحدود مفاهيم عقلية شبه محددة، لكن هنا فى مركز الاتصالات تضطرب وتتداخل حدود المكان فلا يتجه الفرد على نحو متتابع بل يعود من جديد إلى نفس المكان ويكرر نفس الحركة، ومع كل عودة يجد الفرد ذاته فى مكان غير مألوف، فهو تكرار العودة الذى لا يتوقف ومتاهة تؤدى إلى اختلال الشعور بالواقع أو حتى الذات، إزاحة للمستقر وتكرار به استعادة وتذكر لما مضى فى صراع مع الحاضر، طقس مزدوج لتنصيب المدير الجديد(العم) وتأبين المدير السابق(الأب)، بمباركة الأم (جويدة)، إنه ماض لم يمض شعورياً وحاضر يسوده الغدر، هنا فى tanit call center تتكرر الحوارات فى محاولة بائسة لإرجاء الفقد واستعادة للأب المفقود، وقد ترى انعكاس لهاملت وتفكيكه بأدوات العصر، فالعم يأخذ مكان الأخ بمراسم تنصيب على مركز الإتصالات، صراع يرتكز على المكان الذى يعد صورة للحداثة الزائفة المرتبطة بمركز الإتصالات فكل شئ أصبح يتسم بالسيولة وتفكك المستقر يتحول كل شىء إلى هشاشة مبالغة حتى فى العلاقات الأسرية، فلقد تراجع دور الأم وأصبحت خصم مترقب حذر، لم تعد كما الماضى قبل فقد الأب والزواج من العم، وأصبح الماضى مجرد ذكرى تتجسد فى حوارات التكرار والاستعادة لما كان. يبدأ العرض المسرحى جاكراندا بما يثير الدهشة ونكتشف فى نهايته أن البداية كانت إرهاص لنهايتة، فالجميع يقف شامخا فى بداية العرض بإصرار يلقى الضوء ويدعم محاولة لإسكات الكلام بإشارات إلى قطع الألسنة فى رمزية للإجبار على الصمت، وماعلى فم الممثلين والممثلات من لون لأحمر الشفاة الوردى يتم مسحه بأداء متوتر من الممثلين عبر اليدين.. ومع تطور الأحداث تقف فى النهاية إحدى بطلات العرض على قطعة ديكور مرتفعة تقطع لسانها ليتساقط مكان الدم ورود.. هنا يخفف المخرج من حدة الفعل وتأثيره النفسى المرهق..لترى فى قبح الفعل على المستوى السيكولوجى جمال.. ففعلها اعتراض لكن الدم وما يشكله على النفس فعل مفزع وقد اعتاد المتلقى رؤيته فى الأخبار الدائمة عن القتل والحرب، بينما هنا فى هذا العرض استبدل الدم بالورد وكأنه معنى مزدوج فقد يحمل الورد بين طياته السم وقد عبر عن الاعتراض والازدواجية للمعنى بشكل جمالى واضح.العرض تمثيل حمودة بن حسين، أصالة كواص، أنيس كمون، ثواب العيدوى، حلمى الخليفى، محمد عرفات القيزانى، حسناء غنام.يساهم الأداء التمثيلى بشكل أساسى فى الحالة العامة للعرض فأداء الممثلين أميل إلى الإعتماد على لغة يمكن القول بأنها لغة غير مرئية لاتمثل فقط ترجمة للكلمات التى كتبها د. عبدالحليم المسعودى فى نصه، وإنما تعد شكل من أشكال التواصل المباشر، وهو ما يؤدى إلى تشكيل صورة تنبع من ذاتها.مساعد مخرج لينا حردق، موسيقى أسامة السعيدى، إنارة فيصل صالح، صوت وفيديو هانى باللحمادى، ركح منير يوسف، ملابس مروى المنصورى، إنتاج عدنان الهبيدى، مكلفة بالإنتاج فاطمة المرصاوى.فى عرض جاكراندا تم استخدام الفضاء الأدائى عبر الإعتماد على المساحات الأكثر حرية، حيث يسمح للممثل بالتنقل بحرية على خشبة المسرح، وكانت قطع الديكور قابلة للتنقل فهى بسيطة وقد أنتجت وظائف متعددة بحسب طريقة التعامل معها، ما أضفى على العرض أبعاد جمالية.