من يملك الكلمة الأخيرة؟ «المخرج والمؤلف فى المواجهة على خشبة المسرح»

من يملك الكلمة الأخيرة؟ «المخرج والمؤلف فى المواجهة على خشبة المسرح»

العدد 978 صدر بتاريخ 25مايو2026

فى قلب العملية المسرحية، تقف العلاقة بين المخرج والمؤلف بوصفها واحدة من أكثر العلاقات تعقيدا وإثارة للجدل؛ علاقة لا تخلو من التوتر، ولا تستقر طويلا على حال. فهى أقرب ما تكون إلى لعبة “القط والفأر”، حيث يسعى كل طرف إلى فرض رؤيته، دون أن يفقد العمل توازنه أو روحه الأصلية. فالمؤلف يرى نصه كيانا مكتملا، يحمل رؤيته الفكرية وبصمته الإبداعية، بينما يتعامل المخرج مع هذا النص بوصفه مادة حية قابلة لإعادة التشكيل، وفق رؤيته البصرية والجمالية.
وبين هذين المنظورين، تتشكل مساحات من الشد والجذب؛ قد تتحول إلى صراع خفى أحيانا، أو إلى حوار خلاق فى أحيان أخرى. فهل يظل المخرج وفيا للنص، أم يمنحه حياة جديدة قد تبتعد عن نوايا كاتبه؟ وهل يملك المؤلف حق الدفاع عن نصه بعد خروجه إلى الخشبة، أم أن الكلمة الأخيرة تصبح للعرض بوصفه فنا مستقلا؟
هذا التحقيق يحاول تفكيك ملامح تلك العلاقة المتشابكة، ورصد حدودها المتحركة، من خلال آراء مخرجين وكتاب ونقاد وأكاديميين، للكشف عما إذا كانت هذه العلاقة صراعا على السلطة الفنية أم شراكة ضرورية لإنتاج عرض مسرحى متكامل.
د. هانى أبوالحسن سلام: العلاقة بين المؤلف والمخرج ليست ثابتة بل يحددها كل عرض على حدة
يرى الدكتور هانى أبوالحسن سلام أن العلاقة بين المؤلف والمخرج داخل العرض المسرحى لا يمكن اختزالها فى ثنائية «التكامل» أو «الصراع» على نحو مطلق، بل تخضع لطبيعة كل تجربة على حدة. فهناك مخرجون يتعاملون مع النص بوصفهم سلطة بديلة، قد تصل إلى حد إلغاء المؤلف رمزيا، فيما يفضل آخرون العمل معه فى مسار تشاركى قائم على الحوار والتدرج خطوة بخطوة.
وفيما يتعلق بتصاعد ما يعرف بـ«مسرح المخرج»، يذهب سلام إلى أنه يمثل، فى أحد تجلياته، نمطا من الإقصاء فرضته هيمنة التكنولوجيا وتسارعها، حيث تميل إلى اختزال الأدوار الإبداعية فى كيان واحد. بل ويشير إلى أن هذا المسار نفسه يتعرض حاليا لإعادة تشكيل، مع صعود التطبيقات الرقمية التى تعيد تعريف دور الإنسان داخل العملية الإبداعية، ليصبح أكثر اقترابا من التلقى. ومع ذلك، يؤكد أن النص المسرحى بطبيعته كيان قابل لإعادة التشكيل، مستدلا بأنه حتى المؤلف نفسه، لو أتيحت له فرصة إعادة كتابة نصه، فلن يقدمه بالصورة ذاتها مرة أخرى.
ومن منظور أكاديمى، يحدد سلام حدود تأويل المخرج بمدى قدرته على إقناع المتلقى برؤيته؛ فحق التأويل يسقط حين يفقد العرض قدرته على الإقناع، أو حين يعجز المخرج عن التماهى الحقيقى مع الفكرة التى يطرحها. فى المقابل، يعتبر أن دور المؤلف ينتهى عند تسليم النص فى صورته المكتوبة، بينما تقع المسؤولية الكاملة عن العرض على عاتق المخرج، بشرط أن يكون واضحا فى توصيف تدخله، باستخدام مصطلحات دقيقة مثل «إعداد» أو «اقتباس» أو «ترجمة»، دون الادعاء بكتابة النص، حفاظا على الحقوق الفكرية للمؤلف.
أما عن تحقيق التوازن بين رؤية المؤلف وحرية المخرج، فيرى سلام أن الأمر لا يتعلق بتوازن نظرى بقدر ما هو التزام أخلاقى ومهنى بالوضوح: أن يعلن المخرج عن طبيعة تدخله بصدق، وأن يحدد موقعه من النص دون مواربة.
وفى قراءته لما يطرح حول «أزمة» العلاقة بين المؤلف والمخرج فى المسرح العربى، يرفض سلام توصيفها كأزمة حقيقية، معتبرا أنها انعكاس لإحساس مضلل ناتج عن تسارع إيقاع العصر وتطور أدوات الفرجة. فهذه التحولات لا تخص المسرح العربى وحده، بل تمتد إلى المشهد المسرحى العالمى، حيث تفرض تغيرات التلقى معايير جديدة تدفع جميع عناصر العملية الإبداعية إلى إعادة النظر فى أدواتها، وسط شعور عام – قد يكون وهميا – بأن ما يقدم أقل قيمة، دون وجود معايير دقيقة لقياس الجودة أو تحديد مصادر الجمال.

عبدالفتاح البلتاجى: النص المسرحى كيان مستقل والنص القوى يفرض حضوره مهما تعددت قراءات الإخراج
يرى الكاتب والسيناريست عبد الفتاح البلتاجى أن النص المسرحى كيان قائم بذاته وكيان قوى، لأنه يحتوى على شخصيات يصنع منها المؤلف صراعا دراميا فى شكل كوميدى أو تراجيدى أو مأسوى أو عبثى. ويؤكد أن النص المسرحى إن لم يعرض على خشبة المسرح يظل عملا أدبيا، وإذا تم عرضه يتحول إلى عمل مسرحى، مشيرا إلى أن هناك أمثلة لكبار الكتاب مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ لم تعرض بعض نصوصهم، لكن وجودها فى الكتب لا يقلل من أهميتها.
ويشير إلى أن على الكاتب الواعى الذى يمتلك أدواته أن يفرق بين عدة أمور فى مسألة الحذف أو التعديل، وأن يلاحظ أولا ثقافة المخرج الذى يتعامل معه، خاصة إذا كان التعاون الأول بينهما. كما يوضح ضرورة التمييز بين أصناف المخرجين؛ فهناك المخرج المفسر الذى يلتزم بنص المؤلف ويسعى لفهم مدلوله وتفسيره كما أراد، وهناك المخرج المفكك للنص الذى يحرص على توصيل المعانى المهمة فيه مع الحفاظ على رؤية المؤلف وتطوير الرؤى والأفكار المطروحة. كما يلفت إلى أن التعديل قد يكون أحيانا بطلب من ممثل نجم، أو بسبب ضعف ميزانية العمل مما يستلزم حذف مشهد لتقليل تكلفة الديكور، أو نتيجة تدخل رقابى. ومع ذلك، يظل المؤلف الواعى وصاحب النص القوى مصمما على أن تصل رؤيته إلى المتفرج مهما كانت الصعوبات.
ويؤكد أن اختيار أى مخرج لأى نص يعنى أن النص قد لمس شيئا فى أعماقه وحرك مشاعره، وأن كل كلمة فيه قد استثارت تفكيره، مشيرا إلى أن الاختلاف أحيانا يكون محاولة من المخرج لإثبات نفسه، بينما يرجع الاختلاف الجمالى إلى ثقافة وتراث ما تعلمه المخرج من علم الجمال.
ويقول إنه لا يعرف ما هو “مسرح المخرج”، وقد يكون هذا المفهوم أقرب إلى السينما مثل تجارب على بدرخان ويوسف شاهين وداود عبد السيد، كما يشير إلى جان لوك جودار الذى كان يخرج أحيانا دون سيناريو، لكنه يؤكد فى النهاية أن أى مخرج يعتمد على سيناريو.
ويؤكد أن العمل المسرحى هدفه إحداث المتعة للجمهور، وأن هذه المتعة تبدأ من كواليس العمل نفسه، حيث يكون الممثلون والمخرج وكل العاملين خلف الستار هم جمهور النص الأول، ويجب أن يسود بينهم التناغم والمتعة.
ويختتم بالإشارة إلى نصه “جزيرة القرع” الذى كتبه عام 1996، وعرض لأول مرة على مسرح الهناجر عام 1999 كما كتب، ثم عرض بعد ذلك مرات عديدة على يد مخرجين لم يلتق بهم، ولم يسع أى منهم للقائه، وكل مخرج تناول النص بطريقته مع تغييرات فى الشكل فقط، حتى إن بعضهم غير اسم النص بكلمة من داخل المسرحية نفسها، لكنه يؤكد أن النص القوى يظل هو بطل العرض، شاء من شاء وأبى من أبى.

 سعيد حجاج: المسرح فن تشاركى تتداخل فيه الرؤى والظروف المحيطة بالعرض
يرى الكاتب المسرحى سعيد حجاج أن النص المسرحى يمتلك استقلاله ككيان أدبى قائم بذاته عند التعامل معه فى صورته المكتوبة، لكنه يتحول جذريا بمجرد انتقاله إلى الخشبة، حيث يخضع لإمكانات بشرية ومادية وظروف إنتاجية قد تفرض إعادة تشكيله. ومن هذا المنطلق يؤكد أن للمخرج الحق فى إجراء ما يراه مناسبا من تعديلات وفق رؤيته الإخراجية، خاصة وأن اختيار النص نفسه يفترض مسبقا توافقا بين رؤية المخرج ومضامين العمل.
ويشير حجاج إلى أنه لا يمانع التدخلات الإخراجية فى النص، معتبرا أن النضج الفنى يفتح مساحة أوسع للتعامل المرن مع فكرة التغيير، على عكس بداياته التى كان فيها أكثر تمسكا بكل تفاصيل النص. ومع تطور تجربته، أصبح أكثر إدراكا لطبيعة المسرح كفن تشاركى تتداخل فيه الرؤى والظروف المحيطة بالعرض.
وفى حال وقوع اختلافات مع المخرج، يفضل حجاج عدم الدخول فى صراعات فنية مطولة، مكتفيا بالحفاظ على حقوقه المادية، خاصة وأن نصوصه غالبا ما تكون منشورة فى كتب تحفظها من التلاشى. وهو يطالب النقد الجاد بالتمييز بين النص المكتوب بين دفتى كتاب، وبين النص الذى يعاد تشكيله فوق الخشبة، بما يضمن إنصاف الكاتب وعدم اختزال تجربته فى عرض واحد.
أما عن واقع المسرح المعاصر، فيرى حجاج أنه يمر بأزمة حقيقية فى ظل تعقيدات اجتماعية وإعلامية وضغوط متعددة، معتبرا أن كثيرا من التجارب المسرحية باتت موجهة لنخبة محدودة لا تعبر عن الجمهور العام، بل أحيانا حتى عن صناعها أنفسهم، فى ظل هيمنة رؤى فردية وممارسات إخراجية قد تطغى على جوهر النص.
ويؤكد أنه لا وجود لنجاح مطلق أو فشل مطلق فى المسرح، فالجمهور ليس كتلة واحدة يمكن القياس عليها بشكل حاسم، كما أن وصول الأفكار كما كتبت يظل أمرا معقدا تحيط به رقابة وظروف اجتماعية وتفاوت فى الرؤى بين المبدعين. وفى المقابل، يرى أن بعض المخرجين يضعون ذواتهم فى مركز التجربة، بما يخلق توترا إضافيا داخل العملية المسرحية.
ويختتم حجاج بالإشارة إلى أن العديد من نصوصه تعرضت لتغييرات جذرية أو ما وصفه بتشويه على خشبة المسرح، وقد تعامل مع ذلك بقدر من الاستسلام العملى، مكتفيا بتقاضى أجره ومغادرة التجربة دون صدام، معتبرا أن اهتمامه لم يعد منصبا على ما يحدث فوق الخشبة بقدر ما هو مرتبط بقيمة النص المكتوب واستقراره الأدبى.

حمدى أبوالعلا: النص المسرحى بين الكتابة والإخراج.. رؤية تعاد صياغتها على الخشبة
يرى المخرج حمدى أبوالعلا أن علاقته بالنص المسرحى لا تبدأ من موقع التنفيذ المباشر، بل من مساحة تأمل عميقة تتدرج عبر أكثر من مستوى قراءة؛ إذ يتعامل معه أولا بعين المتلقى، ثم بعين الناقد، قبل أن يخوض قراءاته الإخراجية المتعددة التى تسبق لقاءه بفريق العمل من مصممين وملحنين وكتاب أشعار، حيث يتحول النص إلى محور نقاش جماعى يفضى إلى رسم الخط العام للرؤية الإخراجية.
وفى هذا السياق، لا ينظر أبوالعلا إلى النص باعتباره كيانا جامدا أو مرجعا ملزما، بل مادة حية قابلة لإعادة التشكيل، تخضع للحذف والإضافة بما يخدم اكتمال الصورة الفنية. ويستند فى ذلك إلى تجاربه العملية، مستشهدا بتجربة تقديمه مسرحية “العدو فى غرفة النوم” للكاتب الراحل هشام السلامونى، حيث شهد النص تحولات أثناء البروفات بحضور المؤلف نفسه، الذى التزم بدور المراقب المؤمن بحرية المخرج، فى انسجام مع مقولة توفيق الحكيم بأن النص، بمجرد أن يقع فى يد مبدع آخر، يصبح كتابة جديدة على الكتابة.
ويؤكد أبوالعلا أن النص المسرحى لا يكتب مرة واحدة، بل يمر بمراحل متعددة من الخلق؛ تبدأ بالمؤلف، ثم يعاد إنتاجه عبر المخرج، فالمبدعون المشاركون، وصولا إلى المتلقى الذى يمنحه بعده الأخير. ومن هنا، يشبه النص بكائن حى ينمو ويتطور، ولا يكتمل إلا عبر هذه الرحلة التفاعلية.
كما يصف عملية الإخراج بأنها حالة “إبحار” داخل عوالم النص، هدفها الكشف عما هو معلن وخفى فى آن واحد، مستعينا بلغة مغايرة للكتابة، قوامها الموسيقى، والحركة، والتشكيل البصرى. ومن هذا المنطلق، يرى أن “مسرح المخرج” ليس ترفا، بل ضرورة فنية تواكب تطور العرض المسرحى، حيث يضطلع المخرج بدور الكاتب على مستوى الرؤية، حتى وإن لم يضف حرفا إلى النص المكتوب.
ويختتم أبوالعلا رؤيته بالتأكيد على أن معيار نجاح المخرج لا يكمن فى مدى التزامه الحرفى بالنص، بل فى قدرته على تقديم عرض يمتلك لغته الخاصة وهويته المستقلة، معتبرا النص مجرد مادة خام يعيد تشكيلها. بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن اعتراض المؤلف على هذه الرؤية يضعه أمام خيار آخر، وهو أن يتولى بنفسه مهمة الإخراج.

 أحمد فؤاد: النص المسرحى مادة حية تعاد قراءتها.. والإخراج هو فن توحيد الرؤى لا مصادرتها
يرى المخرج أحمد فؤاد أن النص المسرحى لا يعامل بوصفه مرجعا جامدا أو قالبا مغلقا، بل كمساحة واسعة للتأويل وإعادة الاكتشاف، مؤكدا أن ثراء النص هو ما يمنحه القدرة على الاستمرار عبر الزمن. ويستشهد فى هذا السياق بالنصوص الكلاسيكية، التى لا تزال حاضرة بقوة لأنها تتيح فى كل مرة قراءة جديدة وزاوية مختلفة، وهو ما يجعلها قابلة لإعادة التقديم دون أن تفقد بريقها. فالنص، فى نظره، كلما كان عميقا ومتعدد الطبقات، استطاع أن يستفز خيال المخرج ويدفعه إلى استخراج رؤى متجددة، بينما النصوص المباشرة والمسطحة تفتقر إلى هذه الحيوية، وتفقد قدرتها على البقاء.
وفيما يتعلق بحدود تدخل المخرج، يؤكد فؤاد أن العلاقة بينه وبين المؤلف يجب أن تقوم على المرونة والتفاهم، حيث يجمعهما هدف واحد هو خدمة العمل الفنى. فإذا كان المؤلف حاضرا، فإن أى تعديل يتم بالتوافق، انطلاقا من أرضية مشتركة تحترم الفكرة الأساسية للنص. أما فى حال غياب المؤلف، أو عند التعامل مع نصوص عالمية، فيشدد على ضرورة تجنب “التأليف على النص”، موضحا أنه لا يسعى إلى اختراع أفكار جديدة تفرض على العمل، بل يعمل على توجيه النص وإبراز زوايا معينة فيه دون الإخلال بجوهره أو تحميله ما لا يحتمل.
ويؤمن فؤاد بأن الوصول إلى نقاط مشتركة بين المخرج والمؤلف هو الخيار الأمثل، باعتبار أن المسرح فى جوهره عمل جماعى. ومع ذلك، يشير إلى أن هناك لحظات تتطلب حسما، يكون فيها القرار النهائى للمخرج، بوصفه المسؤول عن تنسيق العمل ككل، وتشبيهه بذلك بـ”سيمفونية” تتكامل فيها العناصر، يكون النص فيها أساس البناء، بينما يتولى المخرج قيادة هذا البناء وتوجيهه نحو هدف موحد.
وعن مفهوم “مسرح المخرج”، يرفض فؤاد اعتباره طغيانا على النص، بل يراه ضرورة أصيلة فى بنية العمل المسرحى. فحتى قبل ظهور مصطلح “المخرج”، كانت هناك دائما وظيفة تعنى بتنظيم العرض وتوجيه عناصره. ويؤكد أن المخرج هو العنصر الذى يجمع كل مكونات العرض - من تمثيل وديكور وإضاءة وموسيقى - ويصوغها داخل رؤية واحدة تخدم الفكرة الأساسية. لذلك، لا يمكن الاستغناء عن دوره، حتى فى أبسط أشكال المسرح، مثل عروض المونودراما، حيث يظل هناك وعى إخراجى ينظم الأداء ويشكل صورته.
أما عن معيار النجاح فيرى فؤاد أنه لا يقاس بالالتزام الحرفى بالنص بقدر ما يقاس بقدرة العرض على تقديم رؤية تضيف إلى المتلقى وتحقق تواصلا حقيقيا مع الجمهور. لكنه فى الوقت ذاته يؤكد أن النص يظل “ قاعدة الهرم”، وأن ضعف النص لا يمكن تعويضه بالكامل بأى عناصر بصرية أو إخراجية. ومن هنا، يشدد على أهمية التكامل بين نص قوى ورؤية إخراجية واعية، تحقق المتعة الفكرية والبصرية معا، دون أن يطغى عنصر على آخر.
وفيما يخص إجراء تغييرات جوهرية أثناء البروفات، يرفض فؤاد المساس بالفكرة الأساسية للنص دون الرجوع إلى المؤلف، معتبرا ذلك تجاوزا غير مقبول. ويوضح أنه لم يلجأ إلى هذا النوع من التغيير من قبل، إيمانا منه بأن النص الجيد يحمل فى داخله مساحات كافية للتأويل دون الحاجة إلى تحريف جوهره. وإذا ما تعارضت رؤيته مع الفكرة الأساسية للنص، فإنه يفضل البحث عن نص آخر يتوافق مع ما يريد تقديمه، بدلا من فرض تصور قد يخل ببنية العمل الأصلية.
بهذه الرؤية، يضع أحمد فؤاد معادلة دقيقة بين حرية الإخراج واحترام النص، قوامها الحوار، والوعى، والإيمان بأن المسرح فعل جماعى لا يكتمل إلا بتكامل عناصره.

ناصر العزبى: المؤلف سيد النص.. والمخرج سيد العرض فى جدل لا ينتهى
يرى الكاتب والناقد المسرحى ناصر العزبى أن الجدل القائم بين المؤلف والمخرج هو جدل قديم ومتجدد، ويكاد يكون محسوما من زاوية واضحة؛ فالمؤلف، فى تقديره، هو “سيد النص” داخل حدوده المكتوبة، بينما يظل المخرج “سيد العرض” كما يقدم للجمهور على خشبة المسرح. غير أن هذا الحسم النظرى لا يلغى تعقيد العلاقة بين الطرفين فى الممارسة الفعلية.
وفيما يتعلق بمسألة قراءة النص أو العرض، يميز العزبى بين نوعين من التلقي؛ فالمتفرج العادى يتعامل بالأساس مع العرض بوصفه منتجا بصريا وسمعيا متكاملا، بينما يتخذ الناقد مسارا أكثر تركيبا. فهو، كما يوضح، يحرص على قراءة النص المسرحى — إن لم يكن على معرفة مسبقة به — قبل أو بعد مشاهدة العرض، بهدف الوقوف على مساحة تدخل المخرج، وطبيعة معالجته للنص، ومدى توافق رؤيته مع رؤية المؤلف أو انحرافه عنها. ومن هنا، يصبح التقييم النقدى قائما على مقارنة واعية بين النص فى صورته الأصلية، والعرض فى تجليه النهائى.
ويشير العزبى إلى أن النص المسرحى، عند انتقاله إلى مرحلة التنفيذ، يتحول عمليا إلى ما يشبه “سيناريو إخراجي”، تتداخل فيه ملاحظات المخرج وإرشاداته، وهى مسألة يقر بأنه يميل إليها شخصيا بحكم ممارسته للإخراج، لكنه يعتبرها — من منظور مسرحى خالص — سمة قد تقيد خيال المخرج الآخر، وتحد من حريته الإبداعية، ومن ثم تعد أقرب إلى العيب منها إلى الميزة.
وعن التمييز بين “تطوير” النص و“تشويهه”، لا يطرحه العزبى كحكم مطلق، بل يربطه بمدى احترام روح النص وأفكاره الأساسية. فالتطوير، فى جوهره، هو إعادة قراءة خلاقة تفتح آفاقا جديدة دون أن تهدم البنية الفكرية للنص، أما التشويه فيحدث حين يتحول تدخل المخرج إلى قطيعة مع هذه الروح، بما يفرغ النص من مضمونه أو يعيد توجيهه بشكل يتناقض مع مقاصده الأصلية.
وفى قراءته لتحولات المسرح المعاصر، يرى العزبى أن المشهد، خصوصا فى مصر منذ تسعينيات القرن الماضى وبدايات الألفية الجديدة، شهد تغيرات عميقة، من أبرزها انتشار ظواهر مثل الإعداد الدراماتورجى، والكتابة الجماعية عبر الورش، والاعتماد على الدراما الحركية. هذه التحولات — رغم ما تحمله من تجريب — أسهمت، فى رأيه، فى تراجع حضور “التأليف الأصيل”، ومن ثم تهميش دور المؤلف تدريجيا، وهو ما ينعكس سلبا على مستوى الفكر والهوية.
ويذهب العزبى إلى أن الإشكالية الحقيقية لم تعد فقط فى العلاقة بين المؤلف والمخرج، بل فى بروز ظاهرة “المخرج المؤلف”، التى أدت — بحسب وصفه — إلى تضخم حضور المخرج على حساب النص، خاصة فى ظل انغلاق بعض مؤسسات الإنتاج المسرحى على أسماء محددة، تعمل وفق حسابات بعينها، سواء فى اختيار النصوص أو الكتاب. وقد أفرز هذا الواقع أوضاعا صعبة لعدد كبير من المؤلفين، الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما التكيف مع شروط السوق والإخراج، أو الانسحاب من المشهد.
ويحذر العزبى من أن هذه التحولات لم تؤثر فقط على شكل الكتابة، بل امتدت إلى بنية الوسط المسرحى نفسه، حيث اضطر بعض الكتاب إلى التخلى عن مشاريعهم الفكرية الخاصة، والعمل كمجرد منفذين لأفكار غيرهم، وهو ما يمثل، فى نظره، تهديدا حقيقيا لدور الكاتب بوصفه حاملا للفكر.
وفيما يتعلق بتأثير النص والإخراج على المتلقى، يقر العزبى بأن العرض المسرحى — بوصفه نتاجا نهائيا — هو ما يتفاعل معه الجمهور مباشرة، غير أن هذا لا يقلل من مركزية النص، الذى يظل الحامل الأول للفكرة. ومن ثم، فإن حكمه النقدى لا ينحاز لأحد الطرفين بقدر ما يسعى إلى تقييم درجة التكامل أو الصراع بينهما، وكيف ينعكس ذلك على جودة التجربة المسرحية ككل.
ويختتم العزبى رؤيته بالتأكيد على أن تهميش المؤلف الأصيل لا يمكن فصله عن سياقات أوسع، بعضها مرتبط بآليات الإنتاج، وبعضها الآخر بتأثيرات العولمة، التى — على حد قوله — تسعى إلى إضعاف دور “صاحب الكلمة”، باعتباره الأكثر قدرة على المواجهة بالفكر والإبداع.

خالد حسونة: المسرح ليس ساحة صراع بل فعل تكامل يعيد اكتشاف النص فى كل عرض
يرى الكاتب والمخرج خالد حسونة أن النص المسرحى يظل كيانا مكتملا بذاته طالما ظل داخل دفتى الكتاب، باعتباره مساحة خاصة بالمؤلف تعبر عن رؤيته وأفكاره. غير أن هذا الاكتمال، فى تقديره، يبدأ فى التحول بمجرد انتقال النص إلى خشبة المسرح، حيث يصبح خاضعا لإعادة تفسير وفق رؤية المخرج.
ويميز حسونة بين نمطين من المخرجين: الأول هو “المخرج المنفذ” الذى يلتزم بنقل النص كما هو، والثاني—وهو الأقرب إلى قناعته—المخرج الذى يشتبك مع ما وراء النص، فيحلل طبقاته العميقة ويعيد تقديمه من زاوية جديدة، دون أن ينفصل عن الرؤية العامة التى وضعها المؤلف. ويؤكد أن أى نص يحمل فى داخله إطارا فكريا لا يجوز الانحراف عنه كليا، حتى مع تعدد القراءات الإخراجية.
ويشدد على أن إعادة تشكيل النص ليست ترفا، بل ضرورة فنية أسهمت فى بقاء نصوص عالمية حية حتى اليوم، مستشهدا بأعمال وليم شكسبير التى ما كانت لتستمر لولا تعدد تأويلاتها عبر أجيال من المخرجين. فالمخرج، بحسب تعبيره، يقدم النص فى كل مرة “بثوب جديد”، وفق رؤيته الخاصة، ما يمنحه حياة متجددة.
وفيما يتعلق بحدود تدخل المخرج، يوضح حسونة أنه بعد كتابة النص يصبح من حق المخرج أن يتصرف فيه بحرية، وهو ما يفسر اللجوء إلى “الدراماتورج” بوصفه عنصرا أساسيا فى العملية المسرحية، يتعامل مع النص من حيث زمن تقديمه، وإطاره الإنتاجى، والفرقة التى ستقدمه. إلا أنه يضع خطا فاصلا واضحا: يبدأ الخلل حين يتم تغيير جوهر القضية التى يناقشها النص أو الانحياز إلى موقف مغاير تماما لرؤية المؤلف، معتبرا ذلك “ليا لعنق النص” وتشويها له، وهو أمر يرفضه سواء كان المؤلف حيا أو غائبا.
ويقر بمرونته كمؤلف مقارنة ببعض الكتاب الذين يتمسكون بكل تفصيلة، مؤكدا أن النص بطبيعته يترك مساحة للتأويل. لكنه يفرق بين الخلاف الفكرى والجمالي؛ ففى حين قد يؤدى الأول إلى صدام حقيقى، يترك الثانى مساحة كاملة لحرية المخرج، خاصة فى ما يتعلق بالحلول الإخراجية والشكل البصرى والإنتاجى، وهنا قد يكون التنازل لصالح العرض ضرورة.
وينفى حسونة وجود صراع حقيقى بين المؤلف والمخرج، مؤكدا أن العملية المسرحية تقوم على تكامل عناصرها، من كتابة وإخراج وتمثيل وتقنيات، بهدف تقديم عمل يليق بالجمهور. ويرى أن الحديث عن مسرح المخرج هو توصيف غير دقيق، إلا فى حالات خاصة مثل العروض التى تبنى عبر ورش كتابة، أما فى وجود نص مكتوب لمؤلف، فإن العمل يظل ملكا جماعيا لكل عناصره، وفى النهاية هو نص يقدم للجمهور.
وفى تقييمه لمكانة المؤلف اليوم، يؤكد أن المسرح لم ينصفه فى الماضى فقط، بل سيظل ينصفه مستقبلا، لأن انطلاق أى عرض يبدأ من نص جذب المخرج فى الأساس. كما يشير إلى أن ضعف بعض النصوص قد يدفع أحيانا إلى بروز الرؤية الإخراجية بشكل أكبر، لكن ذلك لا يعنى تراجع دور الكاتب. ويستشهد بتجارب تقديم نصوص مثل “الملك لير”، حيث يبقى اسم المؤلف وليم شكسبير حاضرا بقوة رغم اختلاف الرؤى الإخراجية، فى دلالة على انتصار النص فى النهاية.
وعن معيار نجاح العمل، يوضح أنه لم يواجه كمؤلف موقفا يغير فيه نصه بشكل جذرى، لكنه مر بتجارب كمخرج أعاد فيها صياغة نصوص كلاسيكية، مثل “هاملت”، حيث تمكن من تقديمها فى زمن مختصر دون الإخلال بجوهرها، وهو ما نال إشادة أكاديمية معتبرة. كما يستحضر تجربته مع نص “النار والزيتون” للكاتب الراحل ألفريد فرج، حيث أعاد صياغته دراماتورجيا وأضاف إليه أبعادا جديدة، ليحظى بإشادة المؤلف نفسه، الذى اعتبر التجربة تطويرا حقيقيا للنص لا انتقاصا منه.
ويختتم حسونة بالتأكيد على أن نجاح العرض لا يقاس بمدى الالتزام الحرفى بالنص، بل بقدرته على تقديم رؤية حية ومتجددة تحافظ على جوهره، مشددا على أن اختلاف زوايا التناول هو ما يمنح العمل المسرحى استمراريته، ويجعله قابلا للاكتشاف من جديد فى كل عرض.

 أمل ممدوح: التوازن بين النص والإخراج هو معيار صدق العرض المسرحى
ترى الناقدة أمل ممدوح أن تلقى العمل المسرحى ينبغى ألا ينحصر فى قراءة النص بوصفه كيانا مستقلا، بل يجب أن يستقبل العرض بوصفه منظومة متكاملة من العناصر، يعمل فيها النص كهيكل فكرى وبنائى يحمل موضوع العمل ورؤيته. ومن ثم، فإن جودة العرض تتأسس على تماسك هذه البنية النصية، وقدرة بقية العناصر على الانسجام معها ضمن رؤية إخراجية واعية، سواء تجلت فى المعالجة أو التشكيل البصرى أو فى كليهما. وفى النهاية، يبقى المعيار الحاسم هو الأثر الكلى للعرض، ومدى خدمته لفكرته الأساسية أو إخفاقه فى ذلك.
وفيما يتعلق بحالات الاختلاف بين المؤلف والمخرج، تؤكد على ضرورة السعى إلى التوافق قدر الإمكان، بما يحفظ للنص جوهره ومضمونه، دون أن يفرغ من دلالاته. وتشدد على أهمية وضوح الرؤية، بحيث تنسب التغييرات إلى تصور المخرج إذا ما خرجت عن النص، ليتحمل مسؤوليته الأدبية. وترفض ما تصفه بـ»الهدم المجاني» للنص، الذى يمارس أحيانا بدافع إثبات الحضور، معتبرة أن هذا التوجه يفتقر إلى الفهم الحقيقى لطبيعة النص ويهدد تماسكه.
وتفرق أمل ممدوح بوضوح بين تطوير النص وتشويهه، فالتطوير فى نظرها ينطلق من فهم عميق واحترام لبنية النص وروحه، وقد يشمل حذف ما لا يخدم الفكرة أو إضافة ما يعززها، ويفضل أن يتم ذلك بالتشاور مع المؤلف. أما التغيير العشوائى الذى يفتقر إلى رؤية متماسكة، ويؤدى إلى ارتباك درامى وفقدان الاتساق، فهو فى تقديرها إخلال صريح وتشويه لا يمكن تبريره.
وعن ملامح المسرح المعاصر، تشير إلى أن بعض العروض تميل بالفعل إلى تغليب رؤية المخرج، أحيانا دون مبرر فنى حقيقى، فى محاولة لإثبات الذات، وهو ما قد ينعكس سلبا على العمل قبل أن يمس النص ذاته. وترى أن الجرأة فى التغيير ليست قيمة فى حد ذاتها، بل تقاس بمدى وعيها وضرورتها. كما تؤكد أن التجديد لا يقتصر على إعادة كتابة النص، بل يمكن أن يتحقق عبر أساليب التقديم، والأداء التمثيلى، وإبراز لحظات بعينها داخل العمل، بما يمنحه حياة جديدة دون المساس بجوهره.
وفى تقييمها لتأثير كل من النص والإخراج على المتلقى، تلاحظ أن إيقاع العصر السريع وما يفرضه من تدفق بصرى وإبهار دائم قد جعل شريحة من الجمهور تنجذب إلى الشكل وأساليب العرض. غير أنها تؤكد فى المقابل بقاء جمهور آخر يبحث عن القيمة الحقيقية، تلك التى تتحقق من خلال توازن دقيق بين نص درامى متماسك ورؤية إخراجية قادرة على تجسيده فى صياغة ممتعة وعميقة. وتختتم بالتأكيد على أن هذا النوع من الجمهور هو الرهان الحقيقى، إذ يمكنه أن يقود الذائقة العامة تدريجيا نحو تقدير الفن الأصيل، الذى سيظل مطلوبا مهما تغيرت أنماط التلقى، سواء كان فى إطار الكوميديا أو التراجيديا.

السيد فهيم: النص المسرحى رسالة لا تحتمل التشويه والتوافق مع المخرج شرط لنجاح العرض
يرى الكاتب والمؤلف السيد فهيم أن النص المسرحى، بوصفه لونا أدبيا مستقلا، قد مر بمراحل متعددة عبر تاريخ المسرح؛ فمنذ البدايات فى المسرح الإغريقى وحتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان مؤلف النص هو نفسه المخرج، وأحيانا الممثل الرئيسى، كما فى تجارب شكسبير وموليير، حيث كان النص يكتب خصيصا للعرض، ويخضع للتعديل وفق ظروفه، وطبيعة الجمهور، وإمكانات الممثلين.
غير أن هذا الوضع تغير مع ظهور مفهوم المخرج المسرحى بصيغته المعاصرة عام 1874 فى ألمانيا على يد الدوق جورج الثانى، إذ أصبح هناك فصل بين كتابة النص وإخراج العرض، وصار المخرج يعيد قراءة النص ويحوله إلى صورة مرئية وفق رؤيته وفكره. ومن هنا اكتسب النص المسرحى سمة خاصة تميزه عن سائر الأجناس الأدبية، إذ يمكن نشره كعمل أدبى قائم بذاته، وفى الوقت نفسه يظل قابلا للتجسيد على خشبة المسرح برؤى متعددة، قد تتقاطع مع تصور الكاتب أو تختلف عنه، دون أن تكون بالضرورة نقلا مباشرا لما دار فى خياله أثناء الكتابة.
وفى هذا السياق، يؤكد فهيم أن تحقيق التوافق الفكرى والفلسفى بين المؤلف والمخرج يعد أمرا ضروريا، فالنص فى جوهره رسالة من الكاتب إلى المخرج، بينما العرض المسرحى يمثل رسالة المخرج إلى الجمهور. غير أن هذا التمايز فى الأدوار لا يعفى المؤلف من مسئوليته الفكرية والأدبية، خاصة إذا خالف المخرج رؤيته أو تعامل مع النص بصورة تخل برسالته الأصلية، لا سيما فى القضايا الكبرى ذات الأبعاد المجتمعية أو الأخلاقية. وفى حال تعارضت رؤية المخرج مع ما يطرحه المؤلف، يرى أن الخيار الأنسب هو البحث عن نص آخر يتسق مع توجهاته، بدلا من إعادة تشكيل النص بشكل يفرغه من مضمونه.
ويرفض فهيم فكرة تنازل المؤلف عن رؤيته أو فكرته الأصلية، معتبرا أن ذلك لا يصب فى مصلحة العرض، فالمؤلف هو الأقدر على فهم طبيعة الموضوع وتطور الأحداث والشخصيات بما يتسق مع الفكرة الأساسية. وأى اختلال فى هذه الفكرة، من وجهة نظره، يؤدى إلى إخراج منتج مشوه سرعان ما يكتشف الجمهور زيفه واضطرابه.
أما عن واقع المسرح اليوم، فيرى أنه لم يعد ينتصر للنص بقدر ما ينحاز إلى العرض والمخرج، خصوصا القادرين على التواصل مع جهات الإنتاج. ويشير إلى أن كثيرا من العروض تحقق نجاحا جماهيريا، لكنها تمر مرور الكرام دون أن تترك خلفها نصا محكما يمكن إعادة تقديمه برؤى مختلفة، لأنها فى الأصل لا تستند إلى نص مسرحى بالمعنى المتعارف عليه، بل إلى ورش كتابة مرتبطة بظروف مؤقتة تنتهى بانتهائها. وعلى النقيض، يلفت إلى أهمية النصوص الأدبية المكتوبة بوعى وفلسفة، والتى يمكن توثيقها فى كتب مطبوعة، بما يتيح إعادة تقديمها من قبل فرق مختلفة، سواء فى الوقت الراهن أو بعد عقود طويلة.
وفيما يتعلق بمعايير النجاح، يؤكد فهيم أن المقياس الحقيقى لأى نص مسرحى هو قدرته على إيصال رسالته إلى الجمهور، وأن ينال إعجابهم بما يحمله من تفاصيل فنية وأفكار نابعة من تجربة إنسانية صادقة بث فيها الكاتب روحه وشجونه. فالمسرح، فى الأساس، يكتب للجمهور، ولا تكتمل قيمته دون تفاعلهم. لكنه يشدد فى الوقت ذاته على ضرورة ألا يتحقق هذا النجاح على حساب تشويه النص أو التحايل عليه لصالح الفرجة، لأن النجاح الجماهيرى فى هذه الحالة يحسب للمخرج لا للمؤلف. ويضيف أنه، ككاتب، لا يمكن أن يشعر بالرضا عن نجاح لا يعبر عن فكره الحقيقى، حتى لو حمل العمل اسمه، ما دام قد تم تغييره بصورة تفقده هويته الأصلية.
ويختتم فهيم بالتأكيد على أن العلاقة بين المؤلف والمخرج ينبغى أن تقوم على التوافق والتناغم، من خلال الحوار المستمر، والقراءة المتعمقة، وتبادل الرؤى، والعمل المشترك على تطوير النص، باعتباره الأساس البنائى لأى عرض مسرحى ناجح، وما يليه من عناصر إنما يبنى عليه.

منار زين: المخرج هو المؤلف الجديد ولا أؤمن بالمخرج الناقل
ترى المخرجة منار زين أن النص المسرحى ليس كيانا مغلقا أو مرجعا ملزما، بل مادة أولية قابلة لإعادة التشكيل وفق الرؤية الإخراجية، مؤكدة إيمانها بأن المخرج يصبح المؤلف الجديد منذ اللحظة التى يقرر فيها الاشتغال على النص. فبرأيها، يترك الكاتب نصه على الورق، ليبدأ المخرج فى إعادة قراءته واكتشاف مفرداته من زاوية قد تختلف جذريا عما قصده المؤلف، وهو ما يمنح المخرج – من وجهة نظرها – أحقية واسعة فى التصرف داخل النص بما يخدم رؤيته وأفكاره وما يسعى إلى قوله عبر العرض.
وتؤكد أن التعديل على النص يصبح ضرورة فنية عندما يمتلك المخرج رؤية محددة يريد إيصالها، إذ قد يتطلب ذلك التدخل فى البناء أو الصياغة لتحقيق هذا الهدف. لكنها تشدد فى الوقت نفسه على أهمية احترام وجود المؤلف، خاصة إذا كان على قيد الحياة، حيث ترى أن من حقه أن يكون طرفا فى الحوار، وأن يتم التواصل معه ومناقشة طبيعة العرض وأفكار المخرج قبل إجراء أى تعديل، حتى لا يفاجأ بتغييرات قد تتنافى مع رؤيته الأصلية. وتعتبر أن الحل الأمثل يكمن فى النقاش المشترك للوصول إلى منطقة وسط تحقق التوازن بين الطرفين.
وفى حال تعارضت الرؤى بشكل حاد، تميل منار زين إلى البحث عن نقطة التقاء، لكنها تضع حدا واضحا لذلك؛ فإذا أصر المؤلف على تقديم النص كما هو دون أى تدخل، ورأت أن ذلك يتناقض مع رؤيتها، فإنها تفضل الانسحاب من التجربة بدل تقديم عمل لا تعبر عنه. وتلفت إلى أن تجاربها السابقة اتسمت بقدر كبير من التفاهم، حيث منحها بعض المؤلفين حرية التعديل، بل وأسندوا إليها صياغة التغييرات، وهو ما قابلته بالحرص على الأمانة للنص، بحيث لا تهدم بنيته، بل تضيف إليه بما يخدم رؤيتها الإخراجية.
وتتحفظ على مصطلح مسرح المخرج، معتبرة أنه تقسيم غير دقيق، وتفضل بدلا منه التأكيد على أن المخرج هو حلقة الوصل بين النص والمتلقى، وهو المسئول عن تحويل الكلمات إلى صورة مسرحية حية عبر أدواته الفنية. وتشير إلى أن التمييز الحقيقى بين المخرجين لا يكمن فى الالتزام الحرفى بالنص، بل فى امتلاك رؤية إخراجية قادرة على قراءة النص بعمق وتقديمه بشكل مختلف. لذلك ترفض فكرة المخرج الناقل، وتؤمن بأن الإبداع الإخراجى هو ما يصنع الفارق، من خلال إعادة تأويل النص وتوظيف عناصر العرض فى إطار رؤية متكاملة لا يطغى فيها عنصر على آخر.
وترى أن نجاحها كمخرجة يقاس بقدرتها على خلق علاقة حقيقية بين العرض والمتلقى، من خلال تقديم رؤية فكرية وبصرية تثير اهتمام الجمهور وتدفعه للتفاعل مع النص. فكلما امتلك المخرج أدواته، وآمن بقضية النص، ونجح فى بناء هذا الجسر مع الجمهور، ازدادت القيمة الفنية للعمل وتأثيره. وتستشهد بتجربتها فى عرض التغريبة، حيث جاء النجاح نتيجة حوار وتكامل مع المؤلف، ما انعكس إيجابا على قوة النص وحضوره، وأسهم فى تتويجه بجوائز، مؤكدة أن المخرج يمتلك القدرة على إبراز جماليات النص أو طمسها بحسب رؤيته.
وعلى مستوى التجربة العملية، تشير إلى أنها خاضت بالفعل مغامرات إخراجية تضمنت تغييرات جوهرية فى بعض النصوص، من بينها معالجتها لنص عالمى لـ“الأب” للكاتب أوجست ستريندبرج، حيث أعادت بناء العمل بشكل تجريدى معاصر، واختزلت الشخصيات، وغيرت ترتيب الأحداث، وقدمت قراءة مختلفة للصراع تقوم على كونه صراعا على السلطة بين الرجل والمرأة، بدلا من الانحياز لطرف ضد الآخر كما فى النص الأصلى. وقدمت من خلال هذه المعالجة رؤية إنسانية أكثر شمولا، متجاوزة السياق الضيق للنص.
كما تستحضر تجربة أخرى فى عرض “حلم يوسف”، حيث اختلفت رؤيتها عن رؤية المؤلف بهيج إسماعيل، وقدمت معالجة إنسانية واقعية تخلو من الطابع الميتافيزيقى الذى انطلق منه النص، وهو ما لم يلق قبولا لدى المؤلف. وتعلق على ذلك بأن اختلاف الرؤى بين المخرج والمؤلف أمر وارد، لكنه يفرض ضرورة الوضوح منذ البداية، حتى لا يشعر أى طرف بأن عمله قد تم تغييره بصورة لا يقبلها.
وفى المجمل، تؤكد منار زين أن العلاقة بين المؤلف والمخرج يجب أن تقوم على الحوار والاحترام المتبادل، مع الحفاظ على مساحة إبداعية لكل طرف، لأن نجاح العرض فى النهاية هو نتاج هذا التفاعل الخلاق، لا صراع الهيمنة بين النص والرؤية الإخراجية.

ساندرا سامح: النص المسرحى كائن حى بين سلطة المؤلف ورؤية المخرج
ترى المخرجة ساندرا سامح أن النص المسرحى لا يمكن اختزاله فى كونه وثيقة مغلقة أو مرجعا جامدا، بل هو فى جوهره كيان مزدوج الطبيعة؛ يحمل فى بنيته الدرامية وشخصياته وحواره ما يجعله مرجعا أساسيا، وفى الوقت ذاته يظل مادة خاما قابلة لإعادة التشكيل والتفكيك وإعادة التركيب وفق الرؤية الإخراجية.
وتوضح أن تعاملها مع النص لا يقوم على فكرة التقديس، وإنما على اعتباره كائنا حيا يمكن تطويره وتجديده باستمرار، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على روح المؤلف والبنية الأساسية والرسالة الجوهرية. فهى تلتزم بما تسميه “الخطوط الكبرى” للنص، لكنها تمنح لنفسها مساحة واسعة لإضافة طبقات بصرية وسمعية تعيد إنتاج المعنى داخل العرض.
وتستند ساندرا فى رؤيتها إلى مقولة موت المؤلف لــ رولان بارت، موضحة أن سلطة النص لا تعود إلى نية الكاتب وحدها، بل إلى عملية التأويل داخل العرض المسرحى، سواء من قبل المخرج أو حتى المتلقى. ومن هنا يصبح النص مساحة مفتوحة لإعادة القراءة، لا مجرد نص مغلق يحمل معنى واحدا ثابتا.
وتضيف أن هذا الفهم يفتح المجال أمام تحويل العرض المسرحى إلى تجربة معاصرة تتجاوز حدود الكلمة المكتوبة، إذ يمكن أحيانا الاستغناء عن الحوار لصالح التعبير الجسدى أو الوسائط البصرية مثل تقنيات العرض الرقمى أو توظيف الفضاء المسرحى نفسه كعنصر درامى فاعل، بما يعزز تفاعل الجمهور ويخرجه من موقع المتلقى السلبى إلى شريك فى التجربة.
وفى الوقت ذاته، تؤكد ساندرا أنها مع تطوير الشكل المسرحى، لكنها تحذر من تحول العرض إلى “استعراض للمخرج” على حساب النص، لأن ذلك يفقد العمل روحه وارتباطه بجذوره الأدبية، وقد يؤدى إلى إرباك المتلقى بدل فتح أفق جديد له. لذلك فهى ترى أن احترام النص ضرورة أخلاقية وفنية، وأن العرض المسرحى يجب أن يظل حاملا لقيمته الأدبية، حتى فى أكثر صوره تجريبا.
وتصف ساندرا نفسها بأنها لا تتعامل مع النص كمفسرة حرفية له، بل كمخرجة تعيد خلقه، معتبرة إياه نقطة انطلاق لتحليل وتفكيك وبناء تجربة بصرية وصوتية جديدة، تتيح اكتشاف أبعاد غير مرئية فى النص الأصلى، وتمنح العمل طاقة معاصرة تتجاوز الورق المكتوب.
وتشير إلى أن عملية التغيير داخل البروفات ليست مجرد تعديل شكلى، بل هى لحظة كشف حقيقية لطبيعة العلاقة بين المخرج والنص والممثلين والفضاء المسرحى. فالبروفة، فى نظرها، ليست تكرارا جامدا للنص بل مختبرا حيا تتولد فيه الأفكار من الارتجال والأخطاء والمناقشات، ومن خلالها قد تتغير مسارات العرض بشكل طبيعى.
وترى أن المخرج الناجح هو من يمتلك القدرة على التقاط لحظة التحول، واتخاذ قرار التغيير حين يصبح ضروريا للحفاظ على حيوية العرض وتأثيره،مع تحقيق توازن دقيق بين احترام النص وإعادة خلقه، وبين الالتزام بروحه وعدم الوقوع فى تعد يفقده هويته الأصلية.


سامية سيد