العدد 975 صدر بتاريخ 4مايو2026
يظل المسرح، عبر تاريخه الطويل، أحد أهم الفنون القادرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، باعتباره مرآة تعكس تحولات المجتمع وتطرح أسئلته الكبرى. غير أن الساحة المسرحية فى السنوات الأخيرة شهدت جدلًا متصاعدًا حول مدى قدرة العروض الحالية على مواكبة القضايا الاجتماعية والإنسانية التى يعيشها المواطن، وحول طبيعة العلاقة بين خشبة المسرح والجمهور فى ظل تغيرات ثقافية واقتصادية متسارعة. فبين من يرى أن المسرح لا يزال يؤدى دوره التنويرى ويعالج قضايا الإنسان فى صور متعددة، وبين من يؤكد وجود فجوة واضحة بين الموضوعات المطروحة واهتمامات الجمهور، تتباين الرؤى حول أسباب هذه الحالة، ما بين هيمنة العروض ذات الطابع التراثى أو التجريبى، وضعف الاهتمام بالقضايا المعاصرة، أو تراجع عنصر المتعة الجاذبة للمتلقى..
وفى هذا السياق، يفتح عدد من النقاد والمخرجين والكتاب حوارًا صريحًا حول واقع المسرح اليوم، محاولين تشخيص التحديات التى تواجهه، والبحث عن سبل استعادة دوره الحيوى كفن يرتبط بالإنسان وقضاياه، ويعيد بناء جسور الثقة بين الخشبة والجمهور.
المسرح رسالة إنسانية سامية.. لكنه لم يقترب بعد بما يكفى من القضايا الشائكة التى يعيشها المجتمع
قال الناقد أشرف فؤاد إن المسرح فى جوهره رسالة وقضية تُقدَّم إلى جمهور المتلقى بهدف التأثير والتطهير النفسى، موضحًا أن أصحاب الرسالات يعيشون ويخلدون بأعمالهم، وأن هذا المفهوم ينطبق على جميع أنواع المسرح، حتى الكوميدى منها. وأكد أن مجرد إضحاك الجمهور يُعد رسالة فى حد ذاته، إذ يسهم الضحك فى تطهير الإنسان من مشاعر الاكتئاب والحزن، وهو ما يجعل الضحك رسالة سامية لا يمكن التقليل من شأنها.
وأوضح فؤاد أن السؤال الأهم الذى يفرض نفسه اليوم هو مدى مواكبة المسرح الحالى لخصوصيتنا المصرية بما تحمله من قضايا اجتماعية وإنسانية ملحّة يعيشها المجتمع، مشيرًا إلى أن المسرح المصرى تناول بالفعل نسبة لا بأس بها من هذه القضايا، ونجح فى تقديم أعمال تلامس الواقع وتناقش مشكلات إنسانية متنوعة، إلا أنه لم يقترب بعد بالشكل الكافى من عدد من القضايا الشائكة والمستحدثة التى باتت تشغل المجتمع بشكل مباشر.
وأضاف أن من بين هذه القضايا التى تحتاج إلى معالجة درامية أعمق قضايا الغلاء وارتفاع نسب الطلاق، إلى جانب الحاجة إلى مراجعة قانون الأحوال الشخصية، وما يرتبط به من تداعيات اجتماعية يرى البعض أنها أسهمت فى زيادة معدلات الطلاق والجريمة. كما أشار إلى أن هناك ظواهر حديثة لم تحظَ بالقدر الكافى من الاهتمام المسرحى، مثل تزايد معدلات الاكتئاب والانتحار، وتأثير التطور التكنولوجى على الصحة النفسية، والبحث فى أسباب العلاقة بين التقدم العلمى والتغيرات النفسية والاجتماعية لدى الشباب.
وأشار فؤاد إلى أن من القضايا التى تحتاج إلى حضور أكبر على خشبة المسرح أيضًا ما وصفه بالحرب الفكرية غير المباشرة التى تستهدف الشباب، ومحاولات ربط الابتعاد عن القيم الدينية والثقافية بمفاهيم التحضر والحداثة، معتبرًا أن مثل هذه القضايا تمس استقرار المجتمع وهويته، وتستحق طرحًا فنيًا واعيًا ومتوازنًا. كما لفت إلى أن المسرح لم يتناول بشكل كافٍ ظاهرة تراجع القيم والعادات والتقاليد داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع، رغم ما تمثله من تحدٍ اجتماعى واضح.
وأكد الناقد أشرف فؤاد أن من أبرز التجارب التى اقتربت من هذه القضايا الاجتماعية والإنسانية تجربة المخرج خالد جلال من خلال عروض فرقته بمركز الإبداع الفنى، حيث اهتمت هذه العروض بطرح قضايا المجتمع بصورة مباشرة. كما أشار إلى أن المخرجة الدكتورة دينا أمين تُعد من الشخصيات التى اتسمت عروضها بقدر كبير من الجرأة فى تناول القضايا الشائكة التى يواجهها الشباب، لافتًا إلى أن عملها داخل إطار المسرح الجامعى، وبخاصة فى الجامعة الأمريكية، أتاح لها مساحة أوسع من الحرية فى طرح موضوعات حساسة.
وأوضح فؤاد أن عدم التوسع فى تناول هذه القضايا يعود، من وجهة نظره، إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما تخوف بعض المؤلفين من القيود الرقابية أو رفض النصوص الجريئة، وثانيهما ما وصفه باستسهال اقتباس الأفكار من النصوص العالمية وتقديمها على خشبة المسرح المصرى، وهو ما يُبعد المسرح عن خصوصية مشكلات المجتمع المحلى ويحد من قدرته على التعبير عن واقعه الحقيقى.
وفى سياق حديثه عن القضايا المعاصرة التى تناولها المسرح مؤخرًا، قال فؤاد إن هناك عددًا من العروض التى نجحت فى طرح موضوعات إنسانية مهمة، من بينها مسرحية «الأرتيست» على مسرح الهناجر، التى تناولت معاناة الفنان وصراعه بين الحفاظ على صورته أمام الجمهور وبين حاجته إلى العمل لتوفير حياة كريمة. كما أشار إلى مسرحية «سجن اختيارى» التى ناقشت قضية طمع الإنسان وتضحيته بسعادته ومبادئه فى سبيل المال، إضافة إلى عروض أخرى مثل «كازينو» و«ابن الأصول» و«الملك لير»، والتى تطرقت جميعها إلى قضايا إنسانية واجتماعية متنوعة.
واختتم الناقد أشرف فؤاد حديثه بالتأكيد على أن الساحة المسرحية تشهد حراكًا ملحوظًا يستحق التقدير، لكنه شدد فى الوقت نفسه على ضرورة أن يقترب المسرح بشكل أكبر من القضايا المستحدثة والملفات الاجتماعية الحساسة التى يعيشها المجتمع المصرى، حتى يظل المسرح معبرًا حقيقيًا عن نبض الناس وهمومهم اليومية.
الإبداع لا يُحاصر فى رسالة واحدة.. والإنسان يظل القضية الأساسية للمسرح
قال الكاتب سامح عثمان إن الإجابة عن سؤال مواكبة المسرح للقضايا الاجتماعية والإنسانية هى نعم بشكل قاطع، مؤكدًا أن ألوان الإبداع لا تنتهى ولا يمكن حصرها فى رسالة محددة، فالقضايا المصيرية الكبرى من المهم مناقشتها جنبًا إلى جنب مع القضايا النفسية والسلوكية، بل تمتد لتشمل الأعمال البوليسية والكوميدية وغيرها من الأشكال الفنية. وأوضح أن فكرة حصر الفن فى رسالة بعينها تُعد رؤية قديمة أو “ديناصورية”، لأن المبدع بطبيعته يميل إلى التنوع، كما أن جهات الإنتاج نفسها تنوع فى روافدها الإنتاجية ما بين الأعمال التوجيهية والأعمال القائمة على الإبداع الخالص.
وأضاف عثمان أن المجتمع والإنسان بحاجة إلى كل ألوان الفن دون استثناء، مشيرًا إلى أن من يحاولون خنق الفن تحت مفهوم الرسالة الأخلاقية وحدها يشبهون من يختزل فائدة هواء الكون فى عملية التنفس فقط، متجاهلين بقية وظائفه الحيوية. وأكد أن فى الفن تتجاور الرسالة مع القضايا القومية، ومع الضحك والإثارة والغناء والرقص، وأن جميع هذه العناصر تمثل أشكالًا مشروعة ومتنوعة من الإبداع الذى يخاطب الإنسان فى احتياجاته المختلفة.
وأوضح الكاتب سامح عثمان أن الإنسان يظل القضية الأساسية للمسرح وللفنون عامة، باعتباره محور الاهتمام الأول، بكل ما يحمله من هموم وتناقضات، وأحلام ونواقص، وخير وضعف، مؤكدًا أن هذه الجوانب الإنسانية كانت ولا تزال وستظل أبرز القضايا التى ينشغل بها المسرح فى الماضى والحاضر والمستقبل.
وأشار عثمان إلى أنه يتحفظ على السؤال المتكرر حول “ما يشغل الجمهور فى حياته اليومية”، موضحًا أن الجمهور ليس كيانًا واحدًا يمكن اختزاله فى اهتمامات محددة، بل هو جمهور متنوع فى حاجاته واهتماماته، وما يشغله يتعدد ويختلف من شخص إلى آخر. وأضاف أنه إذا كان المقصود قضايا المواطنة أو الهوية، فهى قضايا كلية بالضرورة تشغل المبدع حتى وهو يقدم قصة حب، أو عرضًا كوميديًا، أو عملاً بوليسيًا، أو تجربة طليعية، لأن هذه القضايا ترتبط بتكوين المبدع نفسه قبل أن ترتبط بمحتوى العمل الفنى.
وأكد عثمان أن الخلاف القديم بين من يرون أن الفن رسالة سامية ومن يرونه مجرد متعة هو خلاف ظاهرى، لأن الحقيقة أن الفن يجمع بين الأمرين معًا؛ فالرسالة تتجسد فى تكوين المبدع ذاته، وفى منظومته القيمية والوطنية، وليس فى شكل العمل الفنى أو نوعه. وأوضح أن المبدع السوى لا يمكن أن يكون طائفيًا أو معاديًا لوطنه، وأن مبادئه ستنعكس بطبيعة الحال على إبداعه، حتى لو قُدم فى إطار ترفيهى أو ممتع.
ولفت الكاتب سامح عثمان إلى أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فى وجود فجوة بين الفن والواقع، بل فى الخلط بين مبادئ تكوين المبدع وشكل العمل الذى يقدمه، مؤكدًا أنه لا توجد مبادئ ثابتة لشكل الإبداع، وإنما توجد سمات ثابتة فى تكوين المبدع نفسه. كما أشار إلى ظاهرة بدأ يرصدها منذ ما يزيد على عشر سنوات، تتمثل فيما وصفه بـ”التغريب غير المبرر” لبعض الأعمال المسرحية المصرية، حيث تُستخدم مسميات وجغرافيا أجنبية داخل نصوص كتبها مؤلفون مصريون، بدلاً من تمصير النصوص العالمية أو تقديم أعمال تعبر بوضوح عن البيئة المحلية.
واختتم عثمان تصريحه بالتأكيد على أن المسرح يظل مسرحًا فى جوهره، سواء ناقش قضية كبرى بحجم القضية الفلسطينية، أو تناول تفصيلة إنسانية بسيطة مثل خدش صغير فى ذراع طفل، لأن القيمة الحقيقية للفن تكمن فى قدرته على التعبير عن الإنسان فى مختلف حالاته وتجربته الإنسانية الواسعة.
هناك فجوة بين خشبة المسرح والجمهور.. ونحتاج إلى توازن بين العروض العالمية وهويتنا الثقافية
قال الدراماتورج والمخرج ياسر أبوالعينين إنه لا يرى علاقة مباشرة بين ما يقدمه المسرح فى كثير من الأحيان وبين القضايا الاجتماعية أو السياسية الدائرة، سواء على المستوى المحلى أو العالمى، موضحًا أن معظم العروض فى الآونة الأخيرة تميل إلى تناول قضايا إنسانية عامة تخاطب المشاعر والأحاسيس أكثر مما تخاطب العقل والمنطق.
وأوضح أبوالعينين أن الحوار فى عدد كبير من هذه العروض يتجه إلى المعانى المطلقة والعامة التى تصلح لأى إنسان فى أى مكان، وهو ما يجعلها تفتقر إلى خصوصية المتفرج المصرى أو حتى العربى، مؤكدًا أن غياب هذه الخصوصية يضعف الصلة المباشرة بين العمل المسرحى وواقع الجمهور واهتماماته اليومية. وأشار إلى أنه على الرغم من هذه الملاحظة، فإن هناك استثناءات محدودة لا تنفى القاعدة العامة، مستشهدًا بعدد من العروض التى استطاعت الاقتراب من هموم المجتمع وقضاياه. وذكر من بينها عرض «أفراح القبة»، الذى رغم ارتباطه بزمن قديم، نجح فى ملامسة كثير من القضايا المعاصرة وأوجاع الإنسان، وكذلك عرض «الحفيد»، وإن كان الإعداد – بحسب رأيه – قد لجأ إلى المط والتطويل على نحو يشبه أسلوب الدراما التليفزيونية، مع تعدد التفريعات الدرامية التى قد تشتت تركيز المتلقى.
وأضاف أبوالعينين أن عرض «الأرتيست» يمثل نموذجًا آخر لعمل استطاع أن يتجاوز موضوعه الظاهرى، إذ تناول سيرة الفنانة زينات صدقى، لكنه فى جوهره كان يوجه رسالة إنسانية لكل مبدع يعانى من أجل تقديم فنه رغم صعوبة الظروف، وهو ما جعله قريبًا من مشاعر قطاع واسع من الجمهور.
وأكد الدراماتورج والمخرج ياسر أبو العينين أن هذه الحالة أدت فى النهاية إلى نشوء فجوة بين خشبة المسرح والجمهور، حتى فى ظل وجود مستوى فنى جيد للعروض، موضحًا أن المشكلة لا تكمن فى جودة التنفيذ، وإنما فى ابتعاد الموضوعات المطروحة عن اهتمامات المواطن العادى وقضاياه اليومية.
ولفت إلى أن الساحة المسرحية شهدت تقديم عدد من العروض العالمية المهمة مثل «كارمن» و«البؤساء» و«الملك لير» و«الحب فى زمن الكوليرا» و«أحدب نوتردام»، وهى أعمال وصفها بأنها جيدة للغاية وقدّمها مخرجون يمتلكون خبرة وثقلاً فنيًا واضحًا، إلا أنه تساءل فى المقابل عن ضرورة تحقيق توازن حقيقى بين هذه العروض العالمية وبين تقديم أعمال تستلهم الثقافة والتراث والهوية العربية والمصرية.
واختتم أبو العينين حديثه بالتأكيد على أن المسرح فى حاجة إلى إتاحة مساحة متوازية للاهتمام بالتراث الثقافى والحضارى، سواء العربى أو الفرعونى أو الإسلامى، باعتباره جزءًا أصيلاً من هوية المجتمع، وركيزة أساسية لتعزيز علاقة المسرح بجمهوره واستعادة حضوره فى الوجدان العام.
المسرح فى الأقاليم يفتقر إلى العروض المعاصرة.. وعلينا الاعتراف بوجود أزمة حقيقية
قال الكاتب والشاعر أشرف عتريس إن المسرح الذى يُعرض حاليًا فى أقاليم الدلتا والصعيد لا يطرح فى معظمه قضايا اجتماعية معاصرة، موضحًا أن غالبية الفرق والمخرجين يميلون إلى تقديم عروض تاريخية أو تراثية، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح من خلال مراجعة خطط إنتاج المسرح خلال الموسم الماضى. وأضاف عتريس أنه لا توجد – بالقدر الكافى – عروض معاصرة “بنت زمانها”، تعبر عن الواقع الراهن، وتناقش هموم المجتمع وتحدياته اليومية، مشيرًا فى الوقت نفسه إلى أن هناك استثناءً مهمًا يتمثل فى عروض نوادى المسرح للشباب، التى تنجح فى تقديم قضايا جيلها بلغة قريبة من الشباب، معتبرًا هذا المشروع من التجارب الناجحة التى تستحق الاستمرار والتطوير والدعم.
وأكد الكاتب والشاعر أشرف عتريس أن هناك فجوة واضحة بين العروض المسرحية والجمهور، لافتًا إلى أن هذه الفجوة لها أكثر من سبب؛ أولها تقاعس الجمهور نفسه عن الحضور وهجره للمسرح فى كثير من الأحيان، مهما قدمت الفرق من عروض، وثانيها غياب عنصر المتعة فى بعض الأعمال، وهو العنصر الذى يبحث عنه المتلقى قبل أى شيء آخر عند اتخاذ قرار مشاهدة العرض.
وشدد عتريس على ضرورة الاعتراف بوجود أزمة حقيقية فى المشهد المسرحى، مؤكدًا أن التغافل عنها أو الادعاء بأن الأمور تسير على ما يرام لن يسهم فى حلها، بل إن البداية الحقيقية لأى إصلاح تكمن فى تشخيص المشكلة بوضوح، والعمل على تطوير المحتوى المسرحى بما يحقق التوازن بين القيمة الفنية ومتعة الجمهور، ويعيد بناء جسور الثقة بين المسرح ومشاهديه.
المسرح مرآة الواقع ومؤشر المستقبل.. والانفصال عن الحياة اليومية يصنع فجوة بين الخشبة والجمهور
قال الدكتور محمود سعيد إن من الطبيعى أن يواكب المسرح أبرز القضايا المجتمعية بشكل تلقائى، مؤكدًا أن المسرح الذى يبتعد عن الإطار الحياتى المحيط بالإنسان لا يُعد مسرحًا من الأساس، لأن هذا الفن يُمثل مقياسًا حقيقيًا للواقع ومؤشرًا ملموسًا للمستقبل. وأوضح أن المسرح بطبيعته لا يمكن أن يفصل بين قضية وأخرى، فكل ما يتناوله على خشبته يظل مرتبطًا بالواقع المعاصر، حتى عندما يعود إلى التاريخ أو التراث، إذ يمتلك أدواته الخاصة التى تُمكّنه من استحضار الحدث التاريخى واختراق الواقع الراهن بصورة طبيعية. وأضاف سعيد أن تناول القضايا التى تطفو على سطح المجتمع بين الحين والآخر يُعد جزءًا أساسيًا من مسؤولية صُنّاع المسرح، خاصة إذا أرادوا اللحاق بركب الحياة ومواكبة تحولات المجتمع. لكنه أشار فى الوقت نفسه إلى أن بعض صُنّاع العروض يقعون أحيانًا فى ما وصفه بـ”هوة الغرابة”، بدافع السعى إلى مواكبة التقدم أو تقديم أشكال مسرحية مختلفة، ليجدوا أنفسهم فى نهاية المطاف بعيدين عن الواقع، وهو ما يؤدى إلى خلق فجوة واضحة بين خشبة المسرح والمتلقى والواقع الحياتى المشترك.
وأوضح الدكتور محمود سعيد أن هناك نماذج من العروض المسرحية التى تتشبث بالتجريب بصورة شكلية أو زائفة، فتقدم للمتلقى صورة مشهدية غريبة ومبالغًا فى تعقيدها، إلى درجة قد يعجز بعض المتخصصين أنفسهم عن تفسيرها، وكأن العرض يحتاج إلى ترجمة لفهمه، فقط لأنه يحمل صفة “العرض التجريبي” أو لأن مخرجه يُصنف ضمن المخرجين التجريبيين.
وأكد سعيد أن التجريب فى المسرح ليس أمرًا طارئًا أو مستحدثًا، بل هو جزء أصيل من تاريخ هذا الفن منذ نشأته الأولى على يد كبار رواده مثل إسخيلوس ويوربيديس وسوفوكليس، غير أن التجريب الحقيقى – فى رأيه – يجب أن يرتبط دائمًا بالواقع المعاش، وألا ينفصل عن هموم الناس وقضاياهم اليومية.
واختتم الدكتور محمود سعيد حديثه بالتأكيد على أن فن المسرح يظل فى جوهره فنًا يُشاكس الحياة ويطرح الأسئلة حولها بصورة واعية ومحسوبة، بهدف الوصول إلى آفاق أوسع ورؤى أعمق للواقع الإنسانى، بما يُسهم فى تقليل المسافة بين خشبة المسرح والجمهور، ويعزز الصلة بين العمل الفنى والواقع الحياتى المشترك.
المسرح رؤية فلسفية تتجاوز اللحظة.. لا يكرر الواقع بل يكشف ما خفى فيه
يرى المخرج أحمد فؤاد أن المسرح ليس ملزمًا بالضرورة بمواكبة القضايا الاجتماعية والإنسانية بشكل مباشر أو آنى، موضحًا أن الأعمال المرتبطة بظروف زمنية ومكانية محددة قد تفقد قدرتها على الاستمرار مع مرور الوقت أو عند انتقالها إلى سياقات مختلفة. لذلك، يميل إلى تقديم أفكار عامة ذات بعد فلسفى وإنسانى، قادرة على العيش لفترات أطول، وتجاوز حدود اللحظة الراهنة، بحيث يجد الجمهور فى أماكن مختلفة صلة مشتركة مع مضمون العرض.
ويؤكد فؤاد أن قوة المسرح تكمن فى رؤيته الفلسفية العميقة مقارنة بوسائط أخرى مثل السينما أو التلفزيون، إذ يمتلك القدرة على مناقشة قضايا إنسانية ممتدة عبر الزمن، وليس فقط التفاعل مع حدث اجتماعى أو سياسى عابر. ويرى أن المسرح ليس مؤسسة ذات استراتيجية موحدة، بل هو فعل إبداعى فردى بالأساس، يرتبط بالهم الشخصى للمخرج أو الفنان، وباختياره لما يريد أن يشاركه مع الجمهور، وبالطريقة الجمالية التى يحوّل بها هذا الهم إلى صورة مسرحية.
ويضيف أن التحدى الحقيقى فى الإخراج لا يكمن فى تقديم عرض يتمتع بجماليات شكلية فحسب، بل فى امتلاك رؤية واضحة وهمّ حقيقى يمكن صياغته فى شكل فنى مؤثر، وهو ما يختلف من مخرج إلى آخر. ويشير إلى أن من أبرز القضايا التى تشغل الإنسان المعاصر اليوم، قضية وجوده فى ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعى، وتأثيرها على حياته اليومية، مؤكدًا أن توظيف هذه الظاهرة داخل العمل المسرحى، سواء على مستوى الفكرة أو التقنية، يعد فى حد ذاته معالجة لقضية معاصرة.
ويختتم المخرج أحمد فؤاد حديثه بالتأكيد على أن دور المسرح لا يتمثل فى تكرار ما يعرفه الناس أو تقديم خطاب تقريرى مباشر عن همومهم، بل فى تقديم رؤية مختلفة تكشف لهم ما قد لا يدركونه عن أنفسهم. فالمسرح، فى رأيه، لا يشرح الواقع بقدر ما يضيء مناطق كامنة فى وعى الإنسان ووجدانه، وإذا نجح الفنان فى الإشارة إلى هذه المناطق بدقة، فإنه يكون قد أحدث تغييرًا حقيقيًا وأضاف قيمة إنسانية وفكرية للجمهور.
المسرح مساحة للحوار لا للمنع.. والاستماع لقضايا الناس هو الطريق الحقيقى لتأثير الفن فى المجتمع:
قال الناقد أحمد خميس إن هناك فارقًا جوهريًا بين القضايا الاجتماعية والقضايا الإنسانية، موضحًا أن القضايا الاجتماعية ترتبط بما يعيشه المجتمع من مشكلات يومية واحتكاكات مباشرة، سواء مع مؤسسات الدولة أو مع التحولات الاقتصادية والسياسية، فضلًا عن القضايا الملحّة التى تفرض نفسها فى لحظة زمنية معينة أو تلك الممتدة عبر التاريخ وتبقى حاضرة فى وجدان الناس.
وأشار خميس إلى أن القضايا الإنسانية تتعلق بجوهر الإنسان الداخلى، مثل مشاعر الحب والكره، والطموح والإحباط، والعلاقات الإنسانية داخل الأسرة ومع الأصدقاء، وكذلك قضايا معاصرة مثل تأثير وسائل التواصل الاجتماعى والتكنولوجيا الحديثة فى عزلة الإنسان أو تقاربه مع الآخرين، مؤكدًا أن المسرح يتعامل مع هذين النوعين من القضايا، لكن لكل منهما أدواته وطرقه فى المعالجة الفنية.
وأضاف أن مناقشة القضايا الاجتماعية داخل المسرح المصرى ظلت محل جدل مستمر، خاصة فى ظل الدور الذى تمارسه الرقابة على المصنفات الفنية، متسائلًا عما إذا كانت هذه الرقابة مفيدة للمسرح أم أنها تضعف طموحه فى طرح القضايا الكبرى. وأكد أن ابتعاد المسرح عن القضايا التى تشغل الناس قد يكون نتيجة مباشرة للخوف من التأثيرات السلبية للرقابة على اختيار الموضوعات، وهو ما يؤدى فى بعض الأحيان إلى تقليل سقف الطموح الفنى والاكتفاء بمعالجات سطحية لا تمس جوهر المشكلات.
وشدد خميس على أن النقاش الحى والحيوى حول قضايا المجتمع داخل المسرح مسألة ضرورية، لأن الاستماع لآراء الناس وتبادل وجهات النظر يفتح الباب أمام حلول مبتكرة وغير مكلفة، وقد تكون بسيطة أو معقدة، لكنها فى النهاية تسهم فى تحسين الواقع. وأوضح أن المنع لا يؤدى إلا إلى تعقيد المشكلات، بينما يتيح الحوار والتفكير بصوت عالٍ فرصًا حقيقية لإيجاد حلول، مؤكدًا أن سماع صوت الفرد من خلال الفنون يمثل ضرورة ملحّة حتى يكون للمسرح دور مؤثر فى مستقبل الوطن.
وضرب الناقد أحمد خميس عددًا من الأمثلة لعروض مسرحية عالجت قضايا معاصرة بوعى فنى، من بينها عرض «هبوط اضطرارى» للمخرج عمر المعتز بالله، الذى قُدم فى سينما راديو، حيث تناول تأثير الآلة والتكنولوجيا فى الإنسان المعاصر وعزلة الأفراد عن بعضهم البعض، مقدمًا فكرة تحول الإنسان إلى كائن فاقد للإنسانية فى إطار درامى ذكى، مستفيدًا من طبيعة المكان المهدّم ليجعل الجمهور جزءًا من الحدث، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى المتلقى، رغم أن العرض، بحسب خميس، لم يمثل مصر فى المهرجان التجريبى، الأمر الذى يثير تساؤلات حول معايير اختيار العروض.
كما أشار إلى عرض «أوبرا العتبة» للمخرج هانى عفيفى، الذى انطلق من فكرة مبتكرة تقوم على تقديم الغناء الأوبرالى داخل فضاء شعبى مزدحم مثل سوق العتبة، فى تناقض فنى مقصود مع الأغانى الشعبية السائدة، موضحًا أن العرض ناقش قضايا متعددة، من بينها خوف الأسرة من المستقبل، ومعاناة الزوجة التى يعيش زوجها مغتربًا، فضلًا عن حالة العشوائية والانفصال الاجتماعى داخل الشارع المصرى، وقدّم هذه القضايا فى إطار كاريكاتورى ساخر يعكس واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا معقدًا. وتطرق خميس إلى عرض «مش روميو وجولييت» للمخرج عصام السيد، الذى تناول قضية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين من خلال توظيف حكاية عالمية داخل سياق محلى، عبر تقنية «مسرحية داخل مسرحية»، مؤكدًا أن العرض نجح فى طرح أسئلة مهمة حول التعايش والوحدة الوطنية، وإمكانية حل التوترات الاجتماعية من خلال الفن والعلاقات الإنسانية البسيطة. كما استشهد بعرض «الرجل الذى أكله الورق» للمخرج محمد الحضرى، واصفًا إياه بأنه من العروض المهمة التى عالجت قضية الإنسان كترس صغير داخل منظومة اقتصادية ضخمة، حيث يصبح الفرد عرضة للاستغناء عنه بسبب المرض أو ضعف القدرة الإنتاجية، وهو ما يضعه فى مواجهة أزمات مالية وإنسانية قاسية، مشيرًا إلى أن البناء الدرامى للعمل جاء متماسكًا، وأن اختيار مسرح نهاد صليحة لعرضه كان مناسبًا لطبيعة الفكرة والطرح الفنى.
وأكد خميس أن هناك فجوة واضحة بين ما يُعرض على خشبة المسرح وما يشغل الجمهور فى حياته اليومية، مرجعًا ذلك إلى تأثير الرقابة التى تدفع بعض العروض إلى تناول القضايا من سطحها دون التعمق فى جوهرها، حتى لا تتعارض مع القيود المفروضة، وهو ما يؤدى إلى تقديم أعمال سهلة التكوين والهدم، تركز على الشكل الفنى أكثر من المضمون الاجتماعى. واختتم الناقد أحمد خميس حديثه بالتأكيد على أن بعض العروض نجحت فى تقليص هذه الفجوة، مثل عرض «يمين فى أول شمال» الذى طرح فكرة بسيطة حول إمكانية صناعة السعادة بوسائل غير مكلفة، وكذلك عرض «حواديت» للمخرج خالد جلال، الذى اعتمد على طاقة الممثلين الشباب وقدرتهم على تقديم شخصيات متعددة فى بناء درامى سريع ومتنوع، ما جعله يحافظ على حضوره الجماهيرى لفترة طويلة، ويؤكد أن المسرح يظل قادرًا على التأثير حين يقترب من الناس ويعبر عن قضاياهم بصدق ووعى فنى.