ماذا قالوا عن أهل الكهف!

ماذا قالوا عن أهل الكهف!

العدد 974 صدر بتاريخ 27أبريل2026

بعد أن كتب «إبراهيم عز الدين» ملخصًا لمسرحية «أهل الكهف» - فى مقالته بجريدة «الجهاد» - يوم 14/12/1935 - تحت عنوان «الفرقة القومية المصرية على مسرح الأوبرا الملكية.. رواية أهل الكهف»، بوصفها المقالة الأولى التى تُنشر بعد العرض – تطرق إلى الإخراج، قائلًا: وفق الأستاذ زكى طليمات فى اختيار رواية كهذه يبدأ بها حياته الفنية كمخرج، فقد شاء أن يثبت لنفسه طابعًا مستقلًا فانتقى رواية لم يشهد تمثيلها وإخراجها أثناء تعلمه فى مسارح أوروبا. فأهل الكهف إذن تشهد له بأن كل ما فيها من صنع قريحته، وبأنه لم يكن فيها عالة على سواه.
والرواية عسيرة الإخراج أحجم عنها المشتغلون بالمسرح منذ صدورها خشية فشلها فوق المسرح فأشخاصها مخلوقات غريبة تتنقل بين الحقيقة والخيال والحياة والحلم فياضة بالإحساس آخذة فى مدارج الضعف والقوة والهدوء والصخب يشرف عليها من علٍ خيال قام من القدم، وتمتُّ إلى النوع الأسطورى بصلة أقوى من تلك التى تمت بها إلى التاريخ. وهى تبدأ فى كهف لا يشع إليه ضوء تختلط فيه الأحياء بأشباح الموتى فى أولئك الفتيان المؤمنين الذين عاشوا فى الكهف ثلاثمائة عام راقدين.. فالمتفرج أمام جو غامض يختلف عن مرثياته فى البيت والشارع فكان أول ما يجب أن يسعى إليه المخرج أن يقرب هذا العهد الذاهب فى أغوار القدم الغريب كل الغرابة عن مألوف النظارة إلى أذهانهم وخيالهم وقد عمد الأستاذ طليمات فى ذلك إلى شيئين: أولًا، استقبل المتفرجين بظلام يسود المسرح والصالة لا يسمع فيه إلا صوت يرتفع من ناحية مجهولة بآى الذكر الحكيم التى تحكى عن الفتيان المؤمنين الذين فروا إلى الكهف فكان هذا الصوت أقوى باعث على الرجوع بحال القارئ القهقرى إلى ذلك الزمن الغابر وكان فى آيات الكهف ما يغمر الحس واليقين فى ذلك العالم الغريب وبعد النفس إلى تلقى كل ما نسمع عنه. ثانيًا، بأن قدم للمتفرج مشاهد رائعة مما كان ينزله الوثنيون الرومان بالمسيحيين منهم السابقين إلى اعتناق الدين من تعذيب واضطهاد وهى مشاهد سبقت حادثه الرواية، بل كانت الدافع إلى هروب الفتيان المؤمنين إلى الكهف فظهرت على شكل أشباح سوداء تتحرك خلف ستار أبيض يغمره النور من الخلف، شيء يشبه «خيال الظل»، يمثل أولئك المسيحيين الأولين يسيرون مطرقين يدفعهم الإيمان إلى انتجاع مكان منفرد لإحياء شعائر دينهم فلا يکادون يستقرون حتى يحدق بهم جند الرومان فيعملوا فيهم السيف والرمح فتتهاوى أجسادهم وتتناثر أشلاؤهم ويؤتى بمن هرب منهم مسوقين فى الأغلال تعمل فى ظهورهم السياط ليلقوا حتفهم مصلوبين.. فلا يمضى إلا قليل حتى تأتى شرذمة أخرى من المؤمنين غير مبالين يحجون إلى شهداء دينهم ويستمدون من عذابهم الجلد والقوة.. ويجرى هذا التمثيل الصامت المعبر بحركته وأوضاعه على وقع موسيقى تصويرية تتناسب مع تلك الآيات المؤمنة والنغمات الوديعة المطمئنة إلى العذاب فى سبيل العقيدة. فوفق المخرج كل التوفيق فى التمهيد للرواية بشىء جديد مقتطع من هيكلها ومستلهم من وحيها ومتفق مع وقائعها بحسب ما تركه المؤلف لخيال القارئ ويعد السامع لتلقى الصوت من ممثلى الرواية، وكأنه معهم فى ما جرى عليهم وما سوف يلقون. هذه المرحلة الفنية (التحضيرية) هى أول ما ظهر من نوعها على مسرح مصرى، وهى روضتها وجمالها وأثرها تكون جزءًا من الرواية وفصلًا مضافًا إلى فصولها وسابقًا عليها لا تكاد تتصور إخراج الرواية من دونه.
أما «المناظر والإضاءة»، فقال عنها: المنظران الأول والرابع من الرواية يمثلهما فجوات فى كهف الرقيم، حرص المخرج على أن يكون قطع صخورها فى خطوط منحنية متعرجة رمزًا للشك الذى يأكل أفئدة الفتيان قبل خروجهم من الكهف وبعد رجوعهم إليه فى تداخله والتوائه وعذابه فرسم للمتفرج لأول وهلة صورة صادقة للصبغة النفسية التى تنتظم اللاعبين فى هذين الفصلين. ولما كان هذا المنظر يمثل كهفًا حالك الظلمة لا ينفذ إليه شعاع من نور فقد عمد المخرج إلى استعمال الضوء الأزرق والأخضر وهما اللونان اللذان اصطلح على أنهما يمثلان الظلمة بحيث ينصب على الأماكن التى تجرى فيها أهم وقائع هذين الفصلين، وأعطى اللون الأزرق وجوه الممثلين شحوبًا جعلها كوجوه العجائز التى تحكى عنها الأساطير وجعل لهم الضوء الملقى عليهم من مقدمة المسرح ظلالًا وهيبة تتحرك على حائط الكهف من خلفهم فتكسب أشباحهم هولًا على هولها. وكذلك جعل المخرج فى المنظرين الثانى والثالث وهما اللذان يمثلان بهو الأعمدة فى قصر الملك ما يمثل الصراع الهائل الذى يقوم فى نفوس ممثلى هذين الفصلين من حب وغيرة وشك ويقين وحلم وحقيقة. فمثل هذا الصراع فى ترتيب العمد بحال متداخل مختلط وحسم هذا الصراع بالألوان التى لون بها تلك العمد وباقى الجدران فرآينا اللونين الأصفر والأزرق يمتزجان تارة، وتارة يتنافران ومعلوم أن هذين اللونين يمثلان النقيضين كالأبيض والأسود فكان اشتجارهما وافتراقهما ممثلًا أجمل التمثيل لاشتجار العواطف المتباينة المتناقضة فى قلوب الشخصيات التى تظهر فى هذين الفصلين. وكما أحيا المخرج الصبغة النفسية للرواية فى مناظرها كذلك لم يهمل الناحية التاريخية الخاصة بنمط البناء والأعمدة وخصائص الزخرفة فى الفن البيزنطى الذى جرت فى عهده حوادث الرواية. فاقتصر على إظهار ما أمتاز به هذا الفن الذى خليط من الفن الرومانى والفن الإيرانى بحرص دقيق من التورط فى الدقائق والتفاصيل التى قد تستلب بكثرتها وتعدد قطعها وألوانها التفات المتفرجين. فأظهر على حائط سلم العرش نوعًا من النحت يمثل ببغاوين متجهًا كل منهما بظهره نحو صاحبه كما أظهر على أرض المنظر رسم القيشانى (موزاييك) وهذان الرسمان ينزلان من خصائص الفن البيزنطى فى الصميم. وقد راعى المخرج فى تلوين تلك الكائنات وفى قطعها البساطة الموحية فكان مركزًا فى فنه أكثر منه محللًا. وهذا التركيز للإيحاء هو الاتجاه الذى يميل إليه الفن الحديث أكثر من ميله إلى نقل الواقع وجرت الإضاءة فى هذين الفصلين بدقة تتمشى مع الواقع ولوحظ فى توزيعها إنارة الأماكن التى تحوى أهم مشاهد هذين الفصلين.
وعن الملابس، قال الكاتب: كانت ملابس الرواية مصورة لخصائص الفن البيزنطى فى كل جزئياتها كما لوحظ فيها نفس القاعدة التى رسمت بها مناظر الرواية: قاعدة التركيز.. وبذلك كله اكتملت للرواية وحدة فى المناظر والملابس والإضاءة. وتلك فيما نعلم أول مرة يشهد فيها النظارة على مسرح مصرى شيئًا من هذا القبيل. إن النقاد المسرحيين الذين طالما نشدوا الكمال فى المسرح المصرى وسعوا إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه منه لم يغتبطوا لشيء فى تاريخ مسرحهم بقدر اغتباطهم بهذه «الطفرة» المباركة فى الإخراج المسرحى التى تفتحت عليها عيونهم فرأوها فى جمالها الرائع فجأة على يد هذا الشاب النابغ زكى طليمات. وإذا لم تكن هذه الحركة المباركة طفرة فى شريعة الرأس الذى أخرجها للناس لسبق العلم بها وتحصيلها وهضمها والثقة منها، فأنها فى شريعة المسرح المصرى طفرة كان النقاد أول المفاجئين بها العالمين بما حوت ووعت من دراسة وفهم وموهبة خالقة وخيال ملهم.
وحول «التمثيل» قال الكاتب: لعب الأستاذ زكى طليمات مخرج الرواية دور ميشيلينيا فكان أول ما يلمحه الناظر إليه أن الطريقة التى يأخذ بها تختلف عن طريقة ممثلى الأدوار الأخرى فى تصويره المعانى بالإلقاء وتجسيمه الشعور الذى يحسه بالحركات ولا ريب أن دراسته فى مسرح الأوديون أكسبته ثقافة تمثيلية مختلفة عن ثقافة غيره من الممثلين المصريين وكان يجنح فى إلقائه إلى التركيز أيضًا أى إلى اختصاص أهم الألفاظ بالتلوين والتفصيل والعبور بغيرها على وجه السرعة أو البطء بحسب المقام ليجمع إلى وحدة الإخراج وحدة الإلقاء. وكذلك اختلف عن غيره من الممثلين بفترات الصمت التى كانت أفصح تعبيرًا من اللفظ والحركة. والفصلان اللذان خص بهما المؤلف دوره هما الثالث والرابع. وفيهما يبلغ الممثل طلبات أصدق وأروع ما يصور به ممثل دور مشيلينيا وإلى القارئ موقفًا من مواقفه على أثر الصدمة التى تصدمه إياها بريسكا قائلة له: «لست هى اذهب ماذا تنتظر بعد فى هذا المكان؟ قلبك لم يعد بعد هنا»، ليدرك صعوبة التصوير الواجب لهذا الدور فإنه يقول لها: «بريسكا عزيزتى.. تعالى.. أنت هى.. رباه! أنت لست هى، ألست هى؟ ومن تكونين إذن.. أنت؟ أانا نائم؟ أانا حى؟ أانا فى حلم مشوش مختلط؟ إلهى.. إلهى.. أيها المسيح.. أيها الإله.. أعطنى عقلى أرى به.. أعطنى النور أو أعطنى الموت.. اليقظة.. النوم.. العقل.. مرنوش.. أين أنت يا مرنوش؟ أين نحن الآن.. أحلام الكهف؟ أهى أحلام الكهف؟ أأنا فى حقيقة؟ أأنا فى الكهف؟ ما هذه الأعمدة (يتخبط فى بهو الأعمدة) إليّ يا مرنوش.. يا يمليخا إنّا لا نصلح للحياة.. إنّا لا نصلح للزمن.. فليست لنا عقول.. لا نصلح للحياة». وعندما يعود إلى بريسكا لأنه أحبها هى ولا يهمه من تكون فتصده ثانيًا وتقدفه بذكر الثلاثمائة عام التى تفصلهما وتذكره بحكم الحسد الذى يختلف عن حكم القلب وتحذره من لمس جسمها.. عندئذ يتلقى طليمات كلماتها كما يتلقى طعنات خنجر ويصدها عن وجهه بيديه وتفصح حركات جسمه وصوته المخنوق عما لا يبين عنه كلام وعندما يتركها ويترك معها قلبه وأمله وحياته يخرج صاعدًا سلم البهو وهو ينزع قدميه من الأرض نزعًا ويجر جسمه جرًا وكأنه يحمل حقًا على ظهره وقر ثلاثمائة عام. وفى الفصل الرابع عندما تأتيه بريسكا فدعوه إلى الحياه يتحامل على قدميه ويهم واقفًا يجالد الموت ويرفع صدره ويرفع رأسه فترى صراع الموت والحياة فى صورة من الوضوح تروعك وتأخد بكل إعجابك. وهنا لا يسعنا إلا أن نضم إعجابنا وتهنئتنا لطليمات بتمثيله إلى إعجابنا وتهنئتنا إياه بإخراجه الفنى الذى نراه ونعجب به لأول مرة على مسرح مصرى. وقام الأستاذ منسى فهمى بدور يمليخا الراعى فكان موفقًا فى جميع موقفه وكان صورة صادقة للمسيحى المؤمن الذى يعيش بإيمانه و يموت لإيمانه وكان فى موقفه بالفصل الثانى وهو يصيح بصاحبيه مشيلينيا ومرنوش أن عودا إلى الكهف فليس هذا الزمن زماننا ولا هؤلاء الناس منا، مالكًا لناصية الموقف مصورًا هول ما ينطق به أصدق التصور. وكذلك قام الأستاذ حسين رياض بدور مرنوش فأتقنه وأحسن تصوره وكان صادق التعبير عن كل معنى من معانى دوره وأعطى صورة واضحة للرجل العاقل المفكر الذى يختلط فى رأسه الحقائق وتمتزج الحياة بالحلم والحقيقة بالخيال فيضطرب وتثقل رأسه بما تحمل فيدعو الله أن يأخذ عقله أو ينزع حياته. وقام الأستاذ زكى رستم بدور الملك فأحسنه وكان منتبها إلى كل موقف فهمًا لكل ما يقول. وأحب أن ألفته إلى أن دوره - وهو ملك جليل مهيب - يدعو النظارة إلى الابتسام مما يقع بينه وبين فتية الكهف من عدم التفاهم فإذا هو جسّم الخوف الذى يلقاه من هؤلاء الفتية واستغاث مؤدب ابنته غالياس بصوت مروع فإن ذلك يقلب الابتسام إلى ضحك وضجيج فحلّ كل ذلك بجلال الدور ورهبة الموقف. وقام الأستاذ عمر وصفى بدور مؤدب الأميرة غالياس ففهمه وأجاده، ولكن الملاحظة التى مرت عن دور الملك تلقى شبيهة لها فى دور المؤدب. فالدور بطبيعته تكسوه مسحة خفيفة من المسرح أو خفة الظل فإذا زادت دعت إلى الضحك والقهقهة أيضًا فأخل كل ذلك بالروح الداكنة الباكية الدامية التى تسيطر على أغلب مواقف الرواية. ولعبت السيدة عزيزة أمير دور بريسكا وطبيعة الدور تختلف عن طبيعة الممثلة فى السن والروح. ولا نقول إن السيدة عزيزة أمير كبيرة أو عجوز ولكنها تقول إن الفتاة التى تلعب دورها يجب أن تظهر أصغر سنا مما أظهرته هى بكثير وأخف حركة وألين أعضاء وأكثر شيطنة، كما أن هذا الدور هو أشق أدوار الرواية كلها بل هو أشق دور أقدمت على القيام به ممثلة مصرية منذ أن كان فى مصر تمثيل [توقيع] «إبراهيم عز الدين المحامي».
هذه كانت تفاصيل أول مقالة نقدية تُنشر حول عرض «أهل الكهف»، وهناك عشرات المقالات التى نُشرت بعد ذلك بأيام قليلة حول العرض، وبالأخص سلسلة مقالات الناقد «محمد على حماد» فى جريدة «كوكب الشرق». وكنت أتمنى أن أكتب عنها، ولكن المرحوم الدكتور «رمسيس عوض» سبقنى إلى ذلك، عندما جمع كل المقالات التى نُشرت حول مسرحية «أهل الكف» نصًا وعرضًا فى كتابه «ماذا قالوا عن أهل الكهف»!! لذلك سأختتم حديثى عن هذا العرض بالكلمة التى وجهها المؤلف «توفيق الحكيم» إلى مدير الفرقة «خليل مطران»، ونشرتها جريدة «الجهاد»، قال فيها الحكيم:
«عزيزى الأستاذ خليل بك مطران، أحب أن أثبت كتابة تهنئتى إياك بهذا الفوز المبين.. لقد شاهدت رواية الافتتاح فى ليلتها الرابعة وتبينت أن الأمر أجلّ من أن يكون أمر قصة وفرقة، وإنما هو أمر إبراز مذهب من مذاهب التمثيل لم يكن مألوفًا فى مصر والشرق العربى. فقد كان المعروف لجمهورنا من قبل أن المسارح تؤم للمتعة الرخيصة الزائلة، لا للمتعة العقلية الباقية. حتى قصص شكسبير وأمثالها ما كانوا يشاهدونها لذاتها ولحوارها بل لما أدخل عليها من غناء وألحان. أو لما جاء فيها من مواقف مثيرة تهز أعصابهم، دون أن ينال حوارها الأدبى من أذهانهم منالًا. إلى أن أمسك بالزمام أمام الصناعتين، وكأنما أراد القدر أن يضعه أمام صناعة ثالثة فبين للناس موقعة حاسمة أن التمثيل إن هو الأفضل مجيد من كتاب الأدب العالى. نعم لقد كانت موقعة لا بينى أنا وبين الجمهور كما قال صديقنا الدكتور طه حسين. ولكنها بينك أنت وبين المذهب السابق البائد للتمثيل. وقد كان لك النصر وبانتصارك انتصر الفن الحقيقى فأهنئك مرة أخرى، وأهنئ معاونيك، ومحققى فكرتك البارعين مخرجى وممثلى الفرقة القومية الزاهرة والسلام». [توقيع] «المخلص توفيق الحكيم».


سيد علي إسماعيل