القتل من أجل المتعة.. سعيد الوزان قاتل هذا الزمان

القتل من أجل المتعة.. سعيد الوزان قاتل هذا الزمان

العدد 557 صدر بتاريخ 30أبريل2018

أعتقد أن مسرحية “حكاية سعيد الوزان” للكاتب المسرحي إبراهيم الحسيني المطبوعة بالهيئة العامة للكتاب سنة 2014، كان الدافع وراء كتابتها هو صورة الدم المتزامنة مع تأليف النص، حيث تكاثرت تلك الصورة منذ 25 يناير بشكل لم يعتد عليه الشعب المصري من قبل في العصر الحديث من تلاحق أحداث تكررت فيها صورة الدماء لكثير من أبرياء هذا الوطن.. وأيا كان الدافع للكتابة فإن اعتماد تاريخ النشر له مناسبته حيث يلقي بظلاله على الواقع أو يلقي عليه الواقع بظلاله، الأمر الذي لا يمكن تغافله في قراءة النص، على الرغم من أنه يتناول موضوعا إنسانيا عاما لا يرتبط بواقع محدد أو واقعة بعينها، إنما قصد إلى حالة القتل قصدا متعمدا لينبش تلك النفس الإنسانية محاولا الكشف عن الأسباب الدفينة لقيامها بارتكاب هذا الجرم الذي يعد هو الأعتى في تاريخها.  
لعب الحسيني على عدة عوامل مختلفة في معالجة الموضوع، لكنه ركز على الناحية النفسية التي تحيط بالقاتل نفسه؛ حيث يجد متعة غريبة في قتل النفس خاصة في اللحظات الأخيرة التي تحاول فيها الضحية استعطافه وترجوه أن يرحمها.. إن إنسان بمثل تلك التركيبة لن تردعه قوة ولن يثنيه عن ارتكابه تلك الجريمة إلا بعودته إلى فطرته الإنسانية والإنصات لضميره ومساءلة نفسه دائما عما يفعله قبل القيام به، كما يردد في النص: “فكر قبل ما تعمل”.
عمد الحسيني إلى ادخار الطاقة النفسية لدى الإنسان في دفعه إلى الخير، وتخير استبطان الجانب الصوفي الذي لا يتوقف على أحد دون الآخر، ويسمح للجميع بالعودة إلى الطبيعة الفطرية للخير في الإنسان، مركزا على رحلته باتجاه الخير المحض واجتياز المشقة التي حتما يواجهها في طريقه، دون اللجوء للفعل الخارق الذي قد يلا يتقبله العقل بسهولة.. تبدأ رحلة “سعيد” (البطل المأزوم بالذنب) مع “صالح الحداد” (القطب الذي يساعد سعيد في اكتشاف خلاصه) حيث يواجه سعيد بالسؤال المحير الذي يحول حياته من النقيض إلى النقيض “فكر قبل ما تعمل”، ومحاولته تفجير طاقة الخير بداخله حين يقول له: “مش عارف ليه برغم البطش والجبروت إللي طالل من عينيك قادر ألمح ضي نور خفيف وبريء بيعافر عشان يظهر”.
لا تنفصل تلك الرؤية عن الدوافع السياسية والعقائدية في توريط “سعيد الوزان” لارتكابه فعل القتل، ويشير في تلك المساحة إلى استغلال سعيد أسوأ استغلال من قبل المؤسستين: “ماتنساش إنك بتقدم خدمة كبيرة للبلد وللدين”، ليتضح لنا مدى ما يمكن أن تستخدمه في السيطرة على العقل ومن ثم الروح، ليتحول المرء إلى مجرد أدة للقتل، وهي واهمة أنها تؤدي واجبا مقدسا.
وإذا كانت المؤسسة (السياسية أو الدينية) المنوط بها زرع الوعي والتعليم في نفس المواطن، هي نفسها من تخلت عن دورها لتحوله إلى مسخ وآلة للبطش تضرب بها على يد كل من يعارضها، فإن الحسيني لا يجد بديلا عن الحل الروحاني لتخليص هذا المواطن من متاهته التي وضعته فيها المؤسسة. فيلجأ إلى شخصية “بتول” التي تشبه كثيرا شخصية “رابعة العدوية” المتصوفة الأكبر في التاريخ الإسلامي، لتضع “سعيد” على طريق الخير وترشده إلى اتباع إشاراته وتفسيرها بنفسه ليهتدي إلى سبيل الخلاص.
بتول: “فكر يا سعيد يا وزان.. إوزن بفطرتك إللي مش قادر توزنه بعقلك.. صدق إشاراتك وإمشى وراها وشوفها توديك لغاية فين”. ثم تحاول أن توضح له ما يمكن أن يستغلق على عقله فتقول له: “كل واحد مننا يا سعيد ليه حياتين، واحدة منهم هوه إللي بيختارها وبيصنعها بنفس، وهيه دي إللي بتمشي خطواته وبتحدد تصرفاته وسكته، والتانية هيه فطرته المستخبية جواه وإللي ما بتظهرش إلا من خلال الإشارات.. إلإشارات هيه إحنا من غير كذب ولا نفاق، الفطرة يا سعيد هيه آخر جزء فينا لسه بيقاوم الموت”.
إبراهيم الحسيني كاتب يدرك المساحة الإبداعية التي يمارس فيها كتابته، يعي تماما أنه يقدم صورة مسرحية تعتمد في المقام الأول على الحركة في حيز ضيق عليه أن يجتهد في جعله حيزا يسع العالم كله ليستطيع في النهاية أن يطرح رؤيته من خلال ذلك العالم الذي صنعه بنفسه، وما يتبع ذلك من ديكور وإضاءة وحركة ممثل، فهو من كتاب المسرح المعدودين الذين يضعون خشبة المسرح في خيالهم لتكون هي الوعاء الصالح الذي يحتوي على أفكارهم.


عادل العدوي