«لعب ولعب».. عندما تكون البساطة بوابة للنفاذ إلى عقل الطفل

«لعب ولعب»..  عندما تكون البساطة بوابة للنفاذ إلى عقل الطفل

العدد 974 صدر بتاريخ 27أبريل2026

بداية؛ الحديث عن مسرح الطفل يطول، ويحتاج لكتب ومقالات وندوات ومؤتمرات، هكذا أعتقد. وكنت أرغب فى تصدير مقالى التطبيقى هذا عن العرض بتفنيد بعض قضايا مسرح الطفل، إلا أننى - حتى لا أجور على العرض - سأكتفى بطرح سؤالين من عشرات الأسئلة التى قد تفرض نفسها: الأول؛ هل يدرك القائمون على المسرح فى مصر أهمية مسرح الطفل وأدواره؟ والثانى؛ كم مسرحية يشاهدها طفلنا على المسرح خلال مراحل طفولته؟
لا أنتظر إجابة، بل أترك لكل قارئ وضع إجابته وفق منطقته التى يعيشها داخل مصر، وسأترك رؤيتى حول ما أراه صالحًا لمسرح الطفل فى نهاية هذا المقال بعد الانتهاء من موضوعه.
وسط حالة من البهجة الممتزجة بالحنين، شاهدت مؤخرًا على خشبة المسرح القومى للأطفال العرض المسرحى «لعب ولعب»، من إنتاج البيت الفنى للمسرح، العمل يبدو للوهلة الأولى مجرد استعراض لأغانى وألعاب قديمة، إلا أنه فى حقيقته يقبض على فكرة فلسفية مدهشة، عبر مناقشته لحق الطفل فى أن يعيش طفولته، وأن يمارس حقه الطبيعى فى اللعب والشعور بالأمان والطمأنينة، بعيدًا عن قسوة المعاملة فى التنشئة والحرمان من أبسط حقوقه فى الاستمتاع بطفولته وتنميتها بشكل سوي.
فى صدر حديثى عن العرض؛ أوضح أن من الأهمية للمخرج حين يُقدم على تجربة مسرحية للأطفال أن يكون مستوعبًا لاحتياجات الطفل، ولعالم الطفولة وطبيعته التى تختلف عن جمهور مسرح الكبار، مع مراعاة الموازنة بين إشباع حاجاته وبين تحقيق المتعة الجمالية واللغوية والمعنوية، وإكسابه الخبرات الإنسانية والثقافية المجتمعية، والعمل على تفجير طاقاته الكامنة بما يساعد على تنمية الحس التأملى والقدرة النقدية والتحليلية، وصولًا لتحقيق غاية العرض المسرحي.
وفى مسرحية «لعب فى لعب»، يقدّم المؤلف/المخرج د. حسام عطا مادة خصبة لبناء الوعى بالثقافة الشعبية، وذلك إلى جانب الحرص على التوعية بحقوق الطفل فى معايشة طفولته وتنمية موهبته، النص يقبض على بعض من ملامح حكاياتنا القديمة مع استعراض الألعاب والأغانى الشعبية التراثية باعتبارها كنز لا غنى عنه لعالم الطفل، يقوم العرض بتوظيفه فى النسيج الدرامى للعمل بما يوَّلد حالة من الألفة والحنين لدى المتلقى ويزيد من تفاعله مع ما يقدم على خشبة المسرح. هذا ويبرز المخرج رؤيته لفعل اللعب الذى يتجاوز كونه مجرد تسلية طفولية، ليسلط الضوء عليها كقضية وجودية وإنسانية.
تحكى المسرحية عن «غريب الصياد»، ذلك الرجل المعقد الذى عاش الحرمان فى طفولته، وعانى قسوة معاملة الأب له والمنع من اللعب (ممنوع اللعب، ممنوع الضحك، ممنوع الابتسام). فورث القسوة عن أبيه، ما ترتب عليه عزلته عن الناس وعدم وجود أصدقاء له، وفى ذات الوقت منع الأطفال من اللِّعْب بأن حبس الألعاب واللعب داخل قفص كبير، وعين حارس عليها، وفى المقابل نجد اللِعَب تعانى من حبسها، فنراها تتحول إلى كائنات حية تثور على الحبس، وترفض قبول عزلها عن القيام بدورها فى إسعاد الأطفال ومشاركتهم طفولتهم، تساعدهم القطة «بسة» فى الهرب، فيتحرر (البطة «كوكى” والكلب «كلبوش» والعصفور «زقزق»، ونقرباز والجمل..)، ويلجأون لفناء مدرسة النجاح كملاذ آمن، حيث تستقبلهم (ملك) معلمة الأنشطة فيلعبون ويغنون ويرقصون، يستعرضون ألعابًا قديمة مثل (شد الحبل، والأونه، كهربا، هنا مقص وهنا مقص، ..)، مع التغنى بكلمات مع أغان من التراث، لينشروا حالة من البهجة تمتد لصالة العرض، فيتفاعل أطفال الصالة معهم، يشاركونهم الغناء والرقص، إلا أن تلك الحالة لم تستمر طويلا، إذ سريعا ما تنبه «غريب» لهروبهم، والعثور عليهم ليبدأ فى جمعهم، وأثناء ذلك يصدمه «موتسيكل» بالشارع، ليتسبب ذلك الحادث فى خلاصه من عقدة الماضى القاس ويكون بمثابة الولادة الجديدة له، إذ يتأثر بسلوك الجميع وسرعة تحركهم لإنقاذه، ليشعر بالدفء والمودة، فيقرر الخروج من عزلته، وإطلاق سراح اللعب بدلًا من حبسها، وفتح دار للألعاب، ما يجعل نهاية العرض بمثابة الاحتفاء بالحياة.
ولا يفوت العرض التأكيد على أهمية ممارسة أنشطة الموسيقى والرسم والألعاب لما لها من مردود إيجابى على الطلاب، وذلك فى إشارة إلى ما يحدث بالمدارس من اهمال لحصص الأنشطة، وذلك على لسان المعلمة التى تبدى رفضها فكرة استبدالها بحصص مواد دراسية. كما لم يفت العرض الإشارة إلى بعض الممارسات التى جعلت الشارع لم يعد آمنًا، والتى تسببت فى فقد الطفل «علي» وكذلك إصابة «غريب».
ويُحسب لمخرج العرض توفيقه فى اختيار العناصر المساعدة التى حققت التكامل الفني؛ حيث جاءت أشعار أحمد زيدان مغزولة من نسيج البناء الدرامى، متميزة بقربها من عالم الطفل النفسى واللغوي. وقد اتسمت القصائد ببساطة المفردة وحيوية الصورة المعتمدة على المفارقة، كما فى قوله: (بذمتى شفت الكتكوت/ فتوة وبيمسك نبوت/ واك واك.. وهوهو.. صوصو صو/ اضحك تلاقى اللعب احلو/ وحصان حلاوة يطير ف الجو). ولم يتوقف دور الأشعار عند ملاحقة الموقف، بل امتد لاستحضار الذاكرة الشعبية عبر استلهام مفردات التراث وإعادة صياغتها برؤية معاصرة، كما تجلى فى تقاطعه مع تيمات مثل (على عليوة)، و(حطه يا بطه يا دقن القطة/ هوهو كلب وجت له زغطه)، إذ لم تكن الأغنية مجرد فاصل ترفيهى، بل تحولت إلى أداة لاستعادة الألعاب الشعبية ومنحها صبغة فنية تضمن تواصل الأجيال مع هويتها.
جاءت ألحان الموسيقار الدكتور صلاح مصطفى كواحدة من أبهى مفردات العرض، حيث اتسمت ببساطة الجملة اللحنية ورشاقتها بما يتسق مع مدارك الطفولة وذائقتها. اعتمد الملحن استراتيجية الجمل الموسيقية القصيرة (Motifs) التى تيسّر للطفل استيعابها وترديدها بعفوية، مع تقديم تنويعات وتوزيعات مبتكرة لبعض تيمات ألحان تراث أغانى الأطفال. وقد برزت مهارة التوزيع فى التوظيف الدرامى لخدمة المواقف، والاستخدام الواعى لآلات بعينها كالأكورديون والكمان والربابة، ليدير بينها حوارًا آليًا ممتعًا جعل الموسيقى محركًا أساسيًا للفعل المسرحي. ولم يقف تفاعل الأطفال عند حدود الاستمتاع العابر، بل تجلى فى انخراطهم بالرقص والترديد الجماعى، وصولًا إلى استحضار الألحان وتكرارها عقب الخروج من المسرح، كما فى نموذج أغنية «يا على يا بني».
وفيما يخص الرؤية البصرية، فقد حشد المخرج كتيبة من المبدعين صاغت تجربة بصرية جاذبة؛ حيث نجح ديكور الراحل ناصر عبد الحافظ فى تجسيد الصراع الدرامى بين (المنع والحرية). تجلى ذلك فى المقابلة البصرية بين ‹القفص› الذى يُحتجز فيه اللعب فى مكان محدود على يسار المسرح، وبين الفضاء المفتوح لفناء المدرسة، وصولًا إلى فوضى الشارع المزدحم بإشارات المرور وأعمدة الإنارة. لم يجنح الديكور نحو الواقعية الحرفية، بل مال فى بعضها للتعبيرية، بما يسمح لإتاحة مساحات لحرية حركة الممثلين وكذلك انطلاقهم نحو الصالة. وقد وُظفت الألوان بذكاء؛ فبينما سيطرت الألوان المبهجة والمحفزة بصريًا - للطفل - على الفضاء العام، اختُصت منطقة (غريب) وملابسه بالألوان الباردة، وليظل «قفص الألعاب» - بألوانه الباردة أيضًا - رمزًا بصريًا باقيًا للقمع. وقد اكتملت حيوية هذا المشهد بتضافر جهود فنانين محترفين؛ فجاءت عرائس جمال الموجى، وأقنعة مجدى ونس، ورسوم علاء الحلوجى، وملابس إيمان الشيخ، لتتناغم جميعًا تحت إضاءة محمد عبدالمحسن التى منحت الكتل الدرامية أبعادها الجمالية بما يحقق الثراء البصرى لسينوجرافيا العرض.
هذا؛ وتحتل الرؤية الحركية التى صاغتها المصممة كريمة بدير مكانة محورية بين عناصر نجاح العرض؛ إذ ابتعدت عن قوالب الرقص التقليدى لتعوضها بفلسفة «اللعبة الجماعية». فقد اتسم الأداء الحركى للممثلين بمحاكاة ذكية للعفوية الطفولية، من خلال استلهام حركات (القفز، وشد الحبل، والتخفى، والجرى الدائرى)، ودمجها فى نسيج الدراما دون انفصال بين «الممثل» و«الراقص»، ما خلق حالة من الوحدة العضوية على الخشبة. وقد نجحت كريمة بدير فى ابتكار لغة حركية مزجت فيها بين التكوينات الرشيقة والتفاعل المباشر مع المتلقى، مما جعل الاستعراضات تبدو كفعل تلقائى غير مصطنع، يسهل على الطفل محاكاته. ولعل مشهد أغنية (هنا مقص وهنا مقص) كان كاشفًا لقدرة المصممة على ابتكار صور حركية من مفردات بسيطة، محولةً خشبة المسرح إلى فناء مدرسى واسع يضج بالحياة، مما حقق التناغم المنشود بين الإيقاع الموسيقى والحركة المسرحية.
اتسم الأداء التمثيلى بحالة من «القبول» والبهجة لدى فريق العمل، قاده حضور لافت للنجمة جيهان قمرى التى جسدت دور القطة «بسة» برشاقة وحضور راقٍ، بينما شكل الفنان القدير أحمد صادق (فى دور غريب) ثقلًا فنيًا بخبرته الواسعة. وبرزت شيماء حسن (المعلمة ملك) كفراشة تتحرك بخفة ظل وقدرات استعراضية لافتة، أما الفنان القدير منير مكرم (أبوعلى)، فقد استدعى روح شخصية «جحا» التراثية بلمسة أبوية حانية، مستفيدًا من مشاهد بدت ‹ارتجالية› بذكاء، نجح عبرها فى كسر الحائط الرابع وإثارة حماسة الأطفال للمشاركة والرد والاشتباك مع الحدث، تميز هؤلاء جنبًا إلى جنب مع الأداء المتوازن من الفنانين؛ أكمل المعداوى «الحارس»، ملك حمدى «كوكى”، وأيمن إسماعيل «نقرباز»، وضياء زكريا «كلبوش»، وياسمين الموجى «الجمل»، ومعهم الفنان القدير أشرف عزب، وبقية الفريق من الشباب والأطفال الذين انصهروا جميعًا فى بوتقة العمل الجماعى، ليقدموا عرضًا متناغمًا لا يطغى فيه فرد على المجموعة، بل يخدم الجميع فكرة ‹اللعب› التى هى جوهر العرض.
ختامًا، إن عرض ‹لعب ولعب» لا يقدم مجرد استراحة ترفيهية، بل هو صرخة جمالية تؤكد أن مسرح الطفل هو أخطر أنواع الفنون وأكثرها قداسة؛ لكونه يشكل الوعى فى مرحلة التكوين الأولى. وقد نجح العرض فى تجاوز الخطاب الوعظى المباشر، مستبدلًا إياه بلغة فنية بليغة تحترم عقل الطفل وتخاطب وجدانه. ويُحسب للفنانة إيناس نور، مدير عام المسرح القومى للأطفال، أن يكون هذا العرض المبهج هو باكورة إنتاجها، بما يحمله من رؤية تراهن على الجودة والقيمة. إن تضافر الجهود الإبداعية تحت إشراف الفنان مدير الإنتاج أحمد شحاته، وبجهد دؤوب من المخرج المنفذ ياسر محمود، جعل من هذا العمل تجربة متكاملة الأركان، تعيد للمسرح القومى للأطفال دوره الريادى كحارس لذاكرة التراث وصانع لمستقبل الوعي.
ومع وصولنا للفقرة الأخيرة، أعود لاستكمال تلك الأسئلة التى طرحتها فى مستهل المقال، وأستفسر عن جدوى مسرح الطفل وإبداعاته؛ وكيف لنا أن نلمس أثرًا أو صدىً حقيقيًا لتلك الفنون ونحن نفتقر للمسارح المخصصة والمجهزة للطفل؟ هل نكتفى بمواصلة الكتابة والتنظير بينما الواقع يفرض تحدياته؟
إننى هنا، ومن منطلق المسؤولية الثقافية، أضع أمام لجنتى المسرح وثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، وكل المعنيين بفنون الطفل، وقبلهم؛ أمام معالى وزيرة الثقافة، مقترحًا إنشاء (البيت الفنى لمسرح الطفل)؛ كيان مستقل يختص بالمسرح والفنون الاستعراضية الموجهة للصغار، ويعمل على زيادة الإنتاج المسرحى، وبناء بنية تحتية تليق بقدسية هذا الفن من مسارح مجهزة بكل ما تتطلبه من تجهيزات، بما يضمن توسيع قاعدة المستفيدين منه. إن الاستثمار فى مسرح الطفل هو استثمار فى «طفل الغد» - حامل راية مستقبل الأمة - الذى يستحق فضاءً مسرحيًا آمنًا ومبدعًا يشكل وعيه ويصقل هويته.


ناصر العزبي