سالب واحد.. صرخة استغاثة إنسانية

سالب واحد..  صرخة استغاثة إنسانية

العدد 972 صدر بتاريخ 13أبريل2026

«بعض الآباء يدمرون أبناءهم قبل أن يدمرهم أى شىء آخر» جيم موريسون (1943- 1971)
يصور د. عماد رشاد عثمان، طبيب نفسى وكاتب، فى كتابه أبى الذى أكره آلام الأشخاص الذين تعرضوا لإساءات طفولة من طرف أبويهم سواء كانت جسدية أم لفظية: «كانت أصواتهم تطل من وراء قضبان السجن، كل زنزانة لها ذائقة خاصة، لها بصمة الجرم، ولكنهم كانوا جميعا أبرياء.. لم يكونوا يدركون أن أبواب الزنازين مفتوحة، وأن بإمكانهم الفرار، ولكنهم ألفوا هذه الزنازين ولم يتصوروا يومًا أن بالإمكان الهرب، وأن هناك حياة خارج الزنزانة. كيف وقد صنع الزنزانة أحباؤهم.. آباء وأمهات، أو أعمام وخالات، أو معلمون ومشايخ وقساوسة ورموز مجتمعية، صنعت لهم الزنانين باسم الحب أو المصلحة».
إن الإساءات الجسدية مفهومة أو معروفة رغم قسوتها، بالرغم من استنكار البعض فداحة أثرها على الطفل، والذى يستمر إلى ما بعد البلوغ، أما الإساءات اللفظية مثل التنمر والتهكم والسخرية من ملامح الطفل/ الشخص الفطرية أو سلوكياته، فيحاول الكثيرون إنكارها من الأساس، والتى يتعرض لها من أقرب الأقربين منذ نعومة أظافره من الآباء والمعلمين والأقارب حيث أنه “عادي! بنهزر مع بعض”، وامتد هذا السلوك المشين من الكبار إلى الصغار فاتسعت دائرة المتنمرين إلى الأصدقاء وإلى المتنمر عليه ذاته، فقد يتنمر على ذاته كحيلة دفاعية قبل أن يتعرض للتنمر عليه. فأسمر البشرة “بتنجانة” أو “بكار” أو “بكاكا داسا” وممتلئة الجسد أو زائدة الوزن “دبدوبة” أو “بكابوزة” أو “تخينة فشلة”، فلا عجب أن يكون ذو الهمة  “سالب واحد”.
قدم عرض سالب واحد من إنتاج المعهد العالى للفنون المسرحية لأول مرة سنة 2020، وفاز بعدة جوائز فى عدة مهرجانات محلية وعربية منذ بداية عرضه، وسيعاد عرضه فى مايو القادم.
إعداد نص وتمصير: محمد عادل النجار
إضاءة وأشعار وإخراج عبد الله صابر
ديكور: باسم وديع
ملابس:  مرام الشيمي
موسيقى: أحمد حسنى
استعراضات: مى رزيق
أداء وتمثيل:
أحمد عباس
مصطفى رشدى
سالى سعيد
يارا المليجى
عبد الرحمن محسن
أخذ النص عن رواية للكاتب الفرنسى جون - لوى فورنييه Jean-Louis Fournier بعنوان Où On Va Papa?  أين نذهب يا بابا؟ وصدرت بالعربية عن الهيئة العامة المصرية للكتاب سنة 2010 من ترجمة أيمن عبد الهادى. تدور أحداث الرواية عن أب رزق بولدين من ذوى الهمم؛ أحدهما “توماس” يردد سؤال أين نذهب يا بابا؟ دون توقف.. إنه السؤال الوحيد الذى يستطيع نطقه بوضوح، ومهما كانت الإجابة فلن تثنيه عن تكرار سؤاله الوحيد فهو باختصار شديد لا يفهم ولا يفهمه أحد، أما «ماتيو» الابن الثانى فهو لايجيد إلا أن يقذف بكرته بعيدا، ثم يطلب من والديه أن يعيداها إليه.
يبدأ عرض سالب واحد براوى(ة) تروى الأحداث عن بطل ما. ومن ثم يرسم أحمد عباس، وهو راقص فى الأساس، لوحة تعبيرية راقصة من تصميم مى رزيق لشخص يرقص بخفة وحرية، ثم يقاوم أن تنتزع حريته منه ومع تصاعد الموسيقى الحزينة من تأليف أحمد حسنى يحاول التحرر من قيوده الجسدية، لكن بلا جدوى!
تزامنًا مع الاستعراض، وفى جزء آخر من المسرح معتم قليلًا، يستخدم عبدالله صابر تقنية الفاست فورورد fast forward لتسريع أحداث ارتباط زوجين وسعادتهما بحمل الزوجة إلى أن تلد طفلهما، وهنا كانت الطامة الكبرى! فوجئ الزوج بكلمات الطبيب كسهام أصابته: «ابنك معاق ذهنيًا وجسديًا».
يعود الزوجين لبيتهما منكسى رأسيهما يتبادلان اللوم على مصابهما، ويشترك بعض المارة/الركاب فى حديثهما الخاص إشارة إلى نظرة المجتمع القاسية لذوى الهمم. يتناحر الأب والأم فيما بينهما عن سبب إعاقة الابن ويتنابزان بالألقاب وفتح بطن تاريخهم العائلى عن جد سكير من طرف وجدة متصابية من الطرف الآخر تسرف فى استخدام المساحيق التجميلية دون وعى حقيقى لما أصابهم.
وتستمر الحياة مع أم صابرة وزوج بائس إلى أن ينطق ابنهما بكلماته الأولى: «هنروح فين يا بابا؟»، ولكنها ظلت الكلمات الوحيدة التى رددها، ولم ينطق بغيرها.
يصيب الأبوين أشد اليأس ويتجلى ذلك فى مونولوجات منفصلة لكل من الأب والأم تكشف صراعاتهما الداخلية، وما يموج فى ذواتهما من مشاعر سلبية كالسخط والكره ناحية ابنهم ذو الهمة، فى حين أن الراوية تطرح تساؤلها: “ماذا لو كان هو مثل بقية الخلق؟ طفل جميل يبتسم ابتسامة ملائكية....”
تبدأ الأم فى التعاطف مع ابنها واستجداء أقل القليل من التواصل معه، والرضا بهذا القليل، أما الأب فى ظلام إنكاره، يحاول بشتى الطرق أن يغير من ابنه “ذو الهمة” كى يصبح ولده الذى انتظره بفارغ الصبر أربعة سنوات «طبيعي” فيستعين بمدرس “محصلش” وطبيب نفسى ودجال أيضا! دون جدوى.... تتصاعد الأحداث بعد محاولات الأب المخيبة للآمال ومقاومة الأم ودفاعها عن صغيرها وتصل لأوجها حين تصعد روحها إلى بارئها.
فهل يعى الأب الدرس قبل فوات الأوان؟

ترانيم الجسد: عندما تصبح الحركة صدى الموسيقى
على أنغام البيانو والكمان الحزين، تسمع أشعار عبد الله صابر:
هنروح فين يا بابا؟
وبكرة هنعمل ايه؟
باتكلم معاك ومش سامعنى ليه؟
ماما راحت فين؟
وليه الناس ساكتين؟
احنا على فين رايحين؟
ودلوقتى هنعمل ايه؟

تفسر الراوية ما شعر به الطفل ذو الهمة وما كان يعنيه بكلماته “هنروح فين يا بابا؟»  فى محاولاته المستمرة والتى كانت هباء منثورا للتواصل مع ذويه حيث تتماهى تماما مع الابن فى نهاية العرض فى لوحة تعبيرية أخرى وكأن الراوية روح حية لجسد الابن العاجز.  تأخذ الراوية _ يارا المليجي_ مكان الابن على الكرسى المتحرك، يتحرك ذراعيها فى بطء واحدا تلو الآخر متجردة من فستانها الحالم ليكشف عن نفس ملابس الابن من تيشرت أبيض مهترئ وبنطال كاكى قصير. تميل ركبتيها لتواجه أحدهما الأخرى فى عجز تام عن الحركة، وتصارع لسانها لاستكمال كلماتها وكأنها الابن ذاته.

رؤى بصرية: سيمفونية المشهد المسرحى
لم يتغير المنظر طوال العرض فيما يدل على رتابة حياة الأسرة، فهو هذا البيت الذى تصدعت أركانه؛ ففى أحد جوانبه، لوحات مهترئة تصور دوائر من التيه بألوان حمراء وبنية وسوداء متداخلة فى بعضها وتتدلى من سقفه ثريا احترقت مصابيحها وتدلت منها بعض أجزاء ألعاب الأطفال المتكسرة مع بعض الإنارة المعتمة بعض الشئ التى تنبعث من أبليكين - إضاءة حائط - متفرقين.
تتناثر ألعاب الأطفال على الأرضية وبعضها ممزقة ومعلقة فى حبال دائبة لا تستطيع يد الطفل أن تصل إليها. كما يتدلى من نفس الحبال قفص عصفور صغير مغلق!  لا بد وأن يرمز إلى السجن الذى حبست فيه أفكار الطفل وكلماته فلا يجد مهرب للتعبير عن ذاته.
يتناغم ديكور باسم وديع من قلب وشرايين وأوردة موزعين حول المسرح - البيت- مع ملابس مرام الشيمى؛ حيث يرتدى الأب والأم ملابس سوداء قاتمة عليها قفص صدرى مجوف دون قلب. وتضاف بعض القطع الملونة لملابس الأم لاحقا مع تطور الأحداث وقبولها للواقع، والتصالح معه. أما الراوية، فترتدى فستانًا كلوش «منفوش» ناعم اللون كالذى ترتديه الأميرات أو الأطفال وحذاء باليرينة بسيط ما يدل على براءتها ونقائها وشخصيتها الحالمة.
«هنروح فين يا بابا؟» لم تكن مجرد كلمات لا معنى لها، ولكنها كانت استغاثات طفل لا ذنب له لأن يرى كما هو ويحب كما هو. إن عجز الابن عن الكلام ليس فراغًا، بل هو لغة مكتملة الأركان لمن يتقن الإنصات بغير أذنيه. فإذا كانت الكلمات تشكل 7? فقط من التواصل الفعال، فلا يزال هناك 93? من التواصل غير اللفظى من إيماءات وتعبيرات الوجه وغيرها من أدوات لغة الجسد.
يتركنا العرض مع التساؤل الحقيقى: من هو «السالب واحد»؟ الأبناء من ذوى الهمم من لا حول لهم ولا قوة أم الآباء ممن لم يقدموا الحب الكافى والقبول لاحتواء من هم فى أمسّ الحاجة إليهم؟


مريم سلمان العركي