متولى وشفيقة.. محاكمة على خشبة الطليعة

متولى وشفيقة..  محاكمة على خشبة الطليعة

العدد 970 صدر بتاريخ 30مارس2026

من أول لحظة يجذبك عرض «متولى وشفيقة»، المعروض حاليًا على خشبة مسرح الطليعة - تأليف محمد على إبراهيم وإخراج أمير اليمانى - إلى عالمه الملىء بالصراع والذكريات. لا تلتقى الشخصيات على المسرح فقط، بل على الحيطان نفسها التى تبدو وكأنها شهود على كل لحظة، تراقب وتعترف وتتهم. بين الاضواء يتحرك متولى فى صراع داخلى متواصل، بينما تتجسد قصة شفيقة المأساوية ليس كحكاية شعبية محفوظة، بل كدرس حى عن الشرف، الحب، والذاكرة التى لا ترحم.
فيعيد العرض تقديم واحدة من أشهر الحكايات الشعبية فى الوجدان المصرى، لكن ليس بوصفها مجرد مأساة تقليدية، بل كمرآة تعكس صراعًا اجتماعيًا حادًا، يتجسد بصريًا من خلال ديكور مسرحى لعب دورًا محوريًا فى تشكيل دلالات العرض.
لقد نجح فريق عمل «متولى وشفيقة» فى تحويل المسرح إلى محاكمة بصرية لا تكتفى برصد الجريمة، بل تشرح آثارها فى نفس القاتل وفى روح المكان، الذى لم يعد يتسع لغير الصدى.
فلا يفتح الستار على جريمة طازجة، بل يفتح على متولى وهو غارق فى شقته، التى تتحول إلى زنزانة اختيارية؛ بيت بملامح شفيقة وتشققات تسكنها أجساد بشرية ملتصقة بالحيطان، وكأنها نبتت من الطوب لتكون الشاهد والرقيب على كل لحظة. الحيطان ليست مجرد ديكور، بل كائن حى يهمس، يتنفس، ويصنع حواجز بين متولى وشفيقة على مر السنوات. هنا يبدأ العرض من النهاية؛ متولى الذى خرج لتوه من السجن بتهمة قتل أخته، يجد نفسه أمام ضغط اجتماعى ممثل فى صالح، الذى يرى فى الجريمة مجرد غسلًا للعار يستوجب الاحتفاء، بينما يشعر متولى بالغضب والعجز والتمزق بين واجبه الأخلاقى ومطالب المجتمع. لكن المخرج أمير اليمانى والمؤلف محمد على إبراهيم يرفضان هذا التسطيح، ويأخذاننا فى رحلة فلاش باك ذهنية تتنقل بين سنوات حياة شفيقة، منذ براءتها الطفولية حتى شبابها، لتكشف عن صراع مستمر بين الحب والواجب الاجتماعى. نرى شفيقة لا كخاطئة، بل كضحية لغياب السند والدعم، وكم هى مرتبطة بمتولى منذ نعومة أظافرها، قبل أن يتركها ليذهب للجيش، لتتسلل شخصية دياب وتغويها بالحب ثم بالهروب معه إلى أسيوط، فتتحول إلى ضحية.
الحكاية تُقرأ بصريًا من خلال «المرجيحة»، تلك الأداة التى شهدت براءة شفيقة الطفلة، ثم تمايلت بصباها، وصولًا إلى كونها «مشنقة معنوية».

السينوغرافيا و أنسنة الجماد
لم يقتصر الصراع فى العرض على مستوى الأحداث، بل امتد إلى الفضاء المسرحى ذاته، حيث بدا الديكور وكأنه يعيد إنتاج حالة الحصار الاجتماعى المفروض على شفيقة، ليصبح المكان شريكًا أساسيًا فى تكوين المعنى، لا مجرد إطار خارجى للأحداث.
فأول ما يلفت انتباهك فى سينوغرافيا العرض هو ذكاء التشكيل البصري؛ فالبيت الصعيدى ليس مجرد جدران صماء ذات تشققات، بل هو حوائط بشرية. الكورس هنا ليس مجرد مؤدين للحركة، بل هم الضمير الجمعى أو شاهد الإثبات الذى التصق بالحيطان حتى صار جزءًا منها. هؤلاء الأشخاص الذين يرتدون زيًّا موحدًا يجسدون حالة الحصار التى يعيشها متولى. هناك مثل شعبى يقول «الحيطان ليها ودان» ولكن فى هذا العرض لها «أجساد» تتنفض مع كل صفعة، تشارك فى الحدث، و تلوم متولى على قتله، فتتحول إلى حواجز مادية وعاطفية تمنع التواصل بين الأخ وأخته لما سببه الأخ من فتور بينهما كأنها تحمله ذنب ما حدث لشفيقة.

لعبت الإضاءة دورًا محوريًا فى تشكيل الحالة النفسية داخل العرض، حيث لم تقتصر وظيفتها على الإضاءة البصرية، بل تحولت إلى أداة سردية موازية تكشف أعماق الشخصيات وتُعيد تأويل الحدث. فالانتقالات بين الأزرق والأصفر خلقت تضادًا واضحًا بين واقع متولى المظلم وذكرياته الدافئة؛ الأزرق حمل دلالات الذاكرة والحقيقة، بينما عبّر الأصفر عن المجتمع وضغوطه. غير أن ذروة هذا التوظيف تجلت فى لحظة القتل، حين كسرت الإضاءة الخضراء والزرقاء حدة اللون الأحمر التقليدى، لتمنح الفعل طابعًا باردًا وغريبًا، يُخرجه من سياقه البطولى المعتاد إلى فضاء عبثى مأساوى، فى حين ظلت المرجيحة الحمراء ثابتة كشاهد بصرى وحيد على نزيف البراءة.
وتواصل الإضاءة دورها الدرامى فى مشاهد أخرى، أبرزها مشهد حينما عجزت شفيقة بمراحلها الثلاث عن لفظ جملة «أنا أحب أخي»، فى لحظة تحمل دلالة استباقية لانهيار السند قبل وقوعه. وفى مشهد الحساب، يتحول متولى إلى سجين داخل قفص اتهام مجتمعى، بينما تتصارع الألوان الباردة (الأخضر والأزرق) مع الأحمر الصارخ للمرجيحة، فى تجسيد بصرى للصراع بين الندم والعنف. كما تتكامل الإضاءة مع حركة الكورس فى مشاهد مثل ضرب متولى لشفيقة أو جلوسه خلف الكنبة وكأنه فى سجن، أو دوران الجميع حول متولى لتُعمّق الإحساس بالاختناق النفسى والضغط الاجتماعى، مؤكدة أن الإضاءة لم تكن عنصرًا مكمّلًا، بل كانت لغة قائمة بذاتها داخل بنية العرض.
المؤثرات الصوتية دعمت الجو العام بشكل ممتاز، ما منح المشاهد إحساسًا بالانغماس الكامل فى البيئة الزمانية والمكانية للعرض.
أداء الممثلين كان قويًا ومقنعًا، فقد أجاد كل منهم التعبير عن الصراع الداخلى والمشاعر المركبة؛ متولى جسد حيرة الجانى الضحية، بينما رسم تناغم أداء «شفيقات الثلاث» صورة بانورامية لأنثى حاصرها القدر والفقر قبل المجتمع. الحركة على المسرح كانت متقنة، واستخدام الكورس والمرجيحة كحواجز رمزية أضاف طبقة من التعقيد البصرى والتعبيرى، مما منح الأداء صدقًا فطريًا.
والإخراج كان عبقريًا فى دمج جميع العناصر_ديكور، إضاءة، مؤثرات صوتية، حركة- مع النص والتفاصيل الرمزية، ليخلق تجربة مسرحية متكاملة لا تُنسى. توظيفه للكورس كجدران بشرية واستخدام المرجيحة لتجسيد مرور الزمن وفقدان البراءة أظهر رؤية حديثة للحكاية التقليدية، جعلت الجمهور يشارك العاطفة والصراع النفسى للشخصيات.
أما عن الجمهور فكان متأثرًا بشدة؛ العديد منهم أبدوا إعجابهم بالأداء والإخراج، وانغمسوا فى الأحداث حتى شعروا بآلام الشخصيات وندم متولى، خاصة فى المشاهد الأخيرة حيث ارتسمت التراجيديا النفسية على وجوههم.
?لقد أثبت «متولى وشفيقة» أن المسرح الحى هو الذى لا يكتفى بحكاية الماضى، بل يفكك رموزه ليعيد تقديمها كمرآة كاشفة للحاضر، مؤكدًا أن «الطليعة» ستظل دائمًا مختبرًا للدهشة والجرأة التى تلمس الروح قبل العين.
وفى الختام، يضعنا عرض مسرح الطليعة أمام سؤالٍ أخلاقى وجماعى شديد القسوة: إلى متى سيظل مجتمعنا يكتفى بكسر الضحية (شفيقة)، بينما يغض البصر عن الجانى (دياب) الذى يظل حرًا طليقًا؟


نورهان ياسر