حوار خليل مطران وأثره!

حوار خليل مطران وأثره!

العدد 967 صدر بتاريخ 9مارس2026

يستكمل «عبدالشافى» ناقد مجلة «الصباح» حواره مع خليل مطران مدير الفرقة القومية، ويسأله: من هو المخرج الذى ستعتمد عليه وزارة المعارف فى إخراج روايات الفرقة؟ فيجيب مطران قائلًا: لا زلنا نبحث فى هذه المشكلة لنقرر من هو الكفء على القيام بأعباء هذه المهمة وأنت تعرف مقدار ما سنعانيه فى هذا التدقيق.
س: ما هو نوع الروايات التى ستقدمها الفرقة مؤلفه أم مترجمة وباللغة العربية أم الدارجة؟ وماذا تقرر لتشجيع المؤلفين حتى لا يحرم المسرح من أقلام كبار المؤلفين؟ فأجاب مطران: هى باللغة الفصحى بقدر ما تكون فصيحة وسليمة، وبالطبع بقدر خدمتنا للفصاحة فيها وهى الفصاحة الشفافة من أقرب مثال يستطيع الجمهور فهمه وفهم تمثيله سواء للجانب الأدبى أم للجانب المعنوى. وإذا كانت الروايات المصرية موجودة فهى مقدمة فى الدرجة الأولى، وفى حالة عدم وجودها، ففى البرنامج الموضوع الآن مسابقات أدبية للمؤلفين ذات جوائز كبرى. لكننا فى هذا الظرف لدينا مترجمات نقدمها، نحن فى أشد الحاجة إليها، ومنها ما هو قيم وجدير بأن يسترعى أنظار الجمهور ويجعله يقبله بارتياح ويستسيغه، ولكن هذا مع ملاحظة أن كل موضوع شرقى أو مصرى مقدم عن أى موضوع آخر.
س: هل ستخصص الفرقة القومية لنوع واحد من التمثيل هو التمثيل الأدبى أم سيكون بها الأنواع الأخرى أيضًا؟ فأجاب: البرنامج الموضوع حتى الآن للفرقة لا يشمل نوعًا واحدًا من التمثيل، بل يجمع بين جميع أنواع التمثيل الراقية. والفرقة ستكون حسب استعداد أشخاصها.. فرقًا فرقًا.. فمنها فرقة للتراجيدى وأخرى للدرامة وأخرى للكوميدى من النوع الراقى. ويفهم من هذا أنه ليس من النوع المؤلف باللغة العامية الذى يحقق شهوات الجمهور فقط لأن هذا النوع موجود منه ما فيه الكفاية. وإجمالًا ستكون الفرقة كاملة تقدم نوعًا ونوعين وربما ثلاثة ما دام هذا فى المستطاع.
س: المعروف من التجارب أن هناك نزاعًا يقوم بين الممثلين والممثلات فى كل فرقة من الفرق بشأن توزيع الأدوار على الممثلين، فهل للممثلة أو الممثل حق المعارضة فى الدور الذى يعهد إليه به إن كان صغيرًا أو كبيرًا؟ فأجاب مطران: هنا الوظيفة الحقيقية لمدير إدارة الفرقة.. لماذا اختارت اللجنة أن يكون مدير الفرقة أجنبيًا عن التمثيل بعيدًا عن الممثلين والممثلات؟ لهذا الغرض أو لما يشبهه، لتكون الكلمة حاسمة لا تقبل نقضًا أو تأويلًا أو تبديلًا أو تعديلًا، أو يكون لزيد كلمة مسموعة عن عمرو! هذا أمر لن يكون له أثر بالمرة فالحكومة تقدم المعونة اللازمة، وتعمل بجميع وسائل الرقى الفنى الذى هو أمنية كل فنان صادق. فأنا لا أرى مطلقًا أن يلزمنى ممثل بتحديد دوره أو درجته بما يشاءه ويرضاه لنفسه وعليه، فعلى كل ممثل أن لا يعارض فى أى عمل يُعهد به إليه أو أى أمر يتلقاه أو يوجه إليه.
س: وهل سيكون للممثل الفنى المجيد فى الماضى أو صاحب الشهرة الواسعة فى الحاضر تأثير فى توزيع الأدوار على الممثلين؟ أجاب مطران: إن الماضى الفنى المجيد مهما كان فيه من العبقرية والنبوغ فنحن لا نعبأ به! كما أن الشهرة فى الحاضر مها كانت واسعة نحن لا ننظر إليها فالجمهور عندما يشاهد ممثلًا على خشبة المسرح يشاهده ساعته ولا يشاهده وهو ناظر إلى ماضيه! أو يعجب به فى دور يسقط فيه ويغتفر له هذا السقوط لما له من شهرة. لذلك لم يكن هناك تأثير عندنا لا بفن الماضى ولا بشهرة الحاضر، إنما المسألة مسألة استعداد وشيء يجدد بين كل يوم وآخر. والقائمون بالعمل سيعملون على إشباع الرغبة الفنية من هذه الناحية وكثيرًا ما يبلغ ممثل أوروبى شهرة ومجدًا ثم يسقط فى نفس الدور الذى يكون قد نجح فيه! نعم كان الممثل يقول ليوسف وهبى (الدور ده ما يعجبنيش) أو أى شىء من هذا القبيل، فيخشى يوسف من هذا التهديد والوعيد و(يدلع) هذا وذاك.. إنما هنا ليست فرقة يوسف وهبى.. إنما هنا مركز فرقة حكومية عاملة أوجدتها الحكومة لتنقذ المسرح المصرى بها، فلا يمكن أن يكون هناك تهاون بعمل ما فى أعمالها خصوصًا اللجنة التى هى المهيمن الأول على الفرقة كلها من رجال العلم والفضل والنزاهة الذين لا يرغبون إلا إحياء الفن بعيدين عن الأغراض والمآرب.. وأنا من جانبى لا أعمل إلا ما أرضى به ضميرى وواجبى. ومعى أعوانى إن أخطأت كانوا لى مرشدين، وإن أخطأوا أرجو أن يكون عندى من الإلهام ما أصلح به خطأهم.
س: نريد أن نقف على النظام المالى الذى سيسير عليه الممثلون والممثلات بالمرتبات أم بالحصص؟ أجاب مطران: النظام الأساسى هو نظام الحصص، ولكن لا يكون هذا ولا يتم إلا إذا عملت التجربة هذه السنة ويتبين من العمل من هو الممثل الجدير بالحصة وغير الجدير على أن تبقى الكرامة موفورة للجميع.. وأثناء إجراء العمل فى الفرقة سنهيئ النظم اللازمة لذلك، ثم نعرضها على اللجنة التشريعية ثم تصدر بها القوانين. فهذا عمل قانونى ولا يحتاج إلى وقت قصير لننتهى منه فى ساعات أو أيام.. والموجودون فى الفرقة سيكونون أركانها وسيؤخذ رأيهم فى لجنة إدارية لها كلمتها ثم لهم معاش مضمون فلا يمكن أن يكون هذا أمرًا صغيرًا يمكن التهاون فيه أو إنهاؤه على أى وجه كاملًا أو منقوصًا.
س: ما هى السياسة الإنشائية التى تنوى وزارة المعارف اتباعها لإيجاد عناصر جديدة يستفيد بها المسرح؟ أجاب مطران، قائلًا: فى نيّة وزارة المعارف أن تنشئ معهدًا لدراسة التمثيل وهذا المعهد لا يكون مدرسة عامة لكل من هب ودب بل سيكون للفتيان المتأدبين الذين عندهم الاستعداد الفطرى ويكون عددهم محدودًا بقدر ما أمكن بالعدد الذى نظن أن الحاجة ماسة إليه لإيجاد العناصر الجديدة بحيث إذا خرجوا من المعهد لا يشردون فى الطرق ولا يصبحون من العاطلين. وتقرر اللجنة إذا وجدت بين هؤلاء (نوابغ) أن ترسلهم فى بعثات إلى أوروبا يعودون منها ويكونون فى طليعة حركة التقدم بالفن.
س: هل يفهم من هذا أن البعثات لا توفد إلا بعد تخريج أعضاء لها من المعهد؟ أجاب مطران: الآن أصبح فى حكم المقرر أن لا ترسل بعثات إلى الخارج.. وليست للبعثات التى توفد إلى أوروبا مهمة واحدة لتكون مقصورة على المتخرجين من المعهد فمنها بعثة تختص بدرس بسيط، ومنها بعثة تعود لتعليم التمثيل، ومنها بعثة تحضر وتتولى التمثيل فى درجة عالية. وكل هذا لا يكون بسرعة الشريط السينمائى فهو فى حاجة إلى رقابة دقيقة وحسن اختيار يضمن المادة المعيشية حتى لا نأسف فى المستقبل على وقت أو مال.
س: هل لا تجدون الحاجة ماسة إلى اقتراحات أو أقوال تسمعونها من الممثلين والممثلات؟ فأجاب مطران: لقد قضينا طوال الموسم الماضى فى سماع اقتراحات كبار الممثلين والممثلات، ولا زالت محفوظة لدينا لنبحثها وليس هذا فقط بل وجميع الاقتراحات التى أبداها الممثلون والممثلات على صفحات الصباح وغيرها اقتطفتها اللجنة لبحثها أيضًا، وها هى لا زالت أمامى ونحن على استعداد لقبول كل اقتراح نافع مفيد.
واختتم مطران حواره بكلمة قال فيها: «إن مطلبنا الأول والأخير هو إحياء فن أمه عزيزة لدى، ولها المكانة العظمى فى نفسى وفى نفس كل محب لها ومحبوها هم السواد الأعظم من العالم والتفانى فى سبيلها أمر مقدس فمن العبث أن يكون هناك تهاون واستهتار فى أمانة معلقة فى أعناقنا ومن عرض نفسه دون أن يكون عرضه متفقًا مع هذا المطلب الأسمى فهو جاهل بتقاليد الواجب وحب الخير للأمة والوطن».
وفى العدد التالى من مجلة «الصباح» وجدت تعليقين على حوار مطران، أحدهما من الممثل «محمد يوسف» قال فيه: إلى الأستاذ خليل مطران.. حكمة فى حزم وقوة فى حق وصراحة فى نزاهة، ذلك الحديث القيم الذى تفضلتم بالإدلاء به إلى مكاتب الصباح الغراء. فوالحق أقول إن ما احتواه ذلك الحديث المستفيض ليملأ النفوس غبطة ويشعرنا بالمنهج القويم الذى تعتزمون انتهاجه للنهوض بالمهمة القومية الخطيرة. لقد كان لآرائكم الصائبة ونظركم الصادق وتفكيركم الحكيم أطيب الأثر فى نفوس الفنانين الذين حمدوا للحكومة الجليلة عهدها إليكم بتلك المهمة الكبرى فأعطت القوس باريها. لقد كان فى حياتكم الأدبية للمسرح نصيب كبير وآثاركم فيه خالدة وخبرتكم وعلمكم الغزير كل ذلك يجعلنا نؤكد من الآن إننا قادمون على عصر تمثيلى من أزهى العصور ونهضة فنية قومية ترقى بالمسرح إلى السماء بفضل مجهودكم وحضرات السادة زملائكم أعضاء اللجنة الموقرة وكلهم من ذوى الرأى والفكر الخصيب. وأن تصريحاتكم التى سداها العدل ولحمتها الخبرة والنزاهة لتجعل الممثل الكفء ينام ملء جفنيه معتقدًا أن الوقت قد أذن لينال حقه كاملًا محاطًا بصولة الحق والإنصاف. فسيروا على بركة الله.
أما «نجيب الريحانى» فقال: كان فى حديث الأستاذ خليل مطران مع (الصباح) بعض الغموض والإبهام، على أننا جميعًا كنا ننتظر أن يكون فى حديثه من الصراحة أكثر مما قرأنا.. والنقطة الوحيدة التى فهمتها جيدًا لأنه أوضحها لنا فى حديثه هى ما ذكره عن الروايات المسرحية التى ستقوم الفرقة الحكومية بتمثيلها، إذ قال: «هى باللغة العربية الفصحى بقدر ما تكون فصيحة وسليمة وبالطبع بقدر خدمتنا للفصاحة فيها، وهى الفصاحة الشفافة من أقرب مثال يستطيع الجمهور فهمه وفهم تمثيله سواء للجانب الأدبى أم للجانب المعنوى». ولا أدرى على أى أساس يقول الأستاذ خليل مطران هذا الرأى.. ما اللغة العربية الفصحى؟ وما اللغة الشفافة التى يقصدها؟ هل يقصد بكلمة الشفافة يعنى (المرشحة خالص)، يعنى اللى يفهمها الجمهور.. ومنها تحور التعبير فالمعنى واحد، وهو أن الحكومة لا تمثل رواياتها إلا باللغة العربية.. وأنا كممثل أعطى للجمهور صورة من الحياة.. صورة من الأخلاق.. صورة من المجتمع.. لا يمكننى مطلقًا بأى حال أن أقدم للشعب المصرى أو لجمهور المسرح روايات بهذه اللغة التى يقولون عنها عربية أو عربية شفافة.. إنما أقدمها له باللغة الدارجة الظريفة.. تلك اللغة الجميلة العذبة التى يفهمها ويستسيغها ويعجب بها ويصفق لها! باللغة التى نأكل ونشرب بها ونتحدث بها فى كل مكان وبين كل وسط ومع أى إنسان فى البيت أو فى الشارع أو فى الحارة أو فى الوزارة أو فى أى مكان نشاء وأى عقل يقول بأنه يوجد شعب من الشعوب يتقبل رواية تمثيلية بلغة غير اللغة المتداولة بين أفراده؟ لا..لا.. هذا خطأ! وإذا كانت هذه هى نيّة الفرقة القومية الأخيرة من جهة الروايات المسرحية ولغتها. فأنا أول من يُضرب ويمتنع عن الاشتراك فيها.. وإننى أقول هذا كممثل كوميدى عن التمثيل الكوميدى.. وأترك لصديقى وزميلى الأستاذ يوسف وهبى أن يقول كلمته عن التمثيل الدرام، ولزميلى الأستاذ جورج أبيض عن التمثيل التراجيدى.
علق «حبيب جاماتى» - فى جريدة «الجهاد» - على كلمة الريحانى، قائلًا: كلمة يفهم منها أن الأستاذ نجيب الريحانى عازم على الامتناع عن الاشتراك فى الفرقة الحكومية، لأن مديرها الفاضل صرح بأن لغة الروايات ستكون لغة فصيحة بقدر المستطاع. فإن امتناع الأستاذ نجيب الريحانى عن الاشتراك فى الفرقة لسبب مثل هذا يعد من جهته خطأ يربأ به أن يقدم عليه. فالفرقة فى حاجة إليه فى النوع الذى امتاز به ونبغ فيه، وحرام أن نحرمها من مواهبه - لا لأنها لا تريده - بل لأن إدارة الفرقة ترغب فى المحافظة على سلامة اللغة العربية فى رواياتها. ونرجو من ناحية أخرى أن توفق إدارة الفرقة إلى الاتفاق مع الأستاذ يوسف وهبى بضمه إليها، وأن لا يكون فيما يقترحه عليه، وهو الذى قام التمثيل على كتفيه بضعة أعوام! فغير لائق بكرامته ومكانته ونبوغه وقدرته فى ميدانى التمثيل والإدارة.
حوار «عبدالشافى» ناقد مجلة «الصباح» مع خليل مطران، فتح المجال لحوار آخر نشره الناقد تحت عنوان «ماذا يقول الممثلون والمؤلفون عن الفرقة الحكومية واختيار أعضائها ورواياتها»! وقد بدأه الناقد بمقدمة، قال فيها: يُفهم من حديث الأستاذ خليل مطران عن الفرقة القومية أن جميع الاقتراحات التى اقترحها الممثلون والممثلات فى الماضى موضوعة تحت البحث والدرس وكذلك كل ما يقدم الآن أو ينشر من المقترحات لذلك رأينا أن نستطلع آراء الممثلين عن الوسيلة التى يقترحونها لاختيار الممثلين والممثلات الصالحين للعمل بالفرقة الحكومية!
قال «حسين رياض»: إن عدد الممثلين والممثلات فى مصر محدود فلماذا لا تضمهم جميعًا فرقة واحدة خصوصًا وأنهم لا يكفون إلا فرقة واحدة؟ إنه فى الوقت الذى كانت تعمل فيه فرقة رمسيس وفرقة فاطمة رشدى فى وقت واحد انقسم الممثلون والممثلات قسمين فكانت كل فرقة ضعيفة من جانبها، لذلك يجب أن تضم فرقة الحكومة جميع العناصر الموجودة الآن وهى ليست كثيرة وتضعهم حسب درجاتهم. وأنا لا أقصد طبعًا ضم ممثلى روض الفرج أو أمثالهم وإنما أقصد الصالحين للنوع الحكومى.. أما إذا اقتصدت فى عدد الممثلين وضمت للفرقة مجموعة لا تخرج عملًا كبيرًا.. فإن هذا يكون فضيحة بلا شك تقلل من ثقة الجمهور وهذا لا نرضاه مطلقًا، لأن وزارة المعارف تريد القيام بعملية إنقاذ مهمة. وحقيقة أنها ستضحى بهذه العملية، لكنها فى الوقت نفسه تخرج عملًا حكوميًا مشرفًا يرفع رأسها.


سيد علي إسماعيل