نوادى المسرح فى عالم متغير(6)

نوادى المسرح فى عالم متغير(6)

العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026

3/1/1 سرديات الشخوص
إن الشخوص فى العروض المسرحية ليست هى من يصنع الخطابات، بل إن الخطابات هى التى تصنعها(باتريس بافيس؛ 1995م؛ ص 121)، وهذه الشخوص يمكن أن تكن مجرد تمثُّلات لسردية أو أكثر فى ذات الوقت. لذلك؛ فإن اهتمامنا بها ليس ناتجًا عن كونها فاعلًا مجازيًا داخل العرض المسرحى، لكن لكونها نتيجة للخطاب.
ومن مجمل عروض المهرجان الحادى والثلاثين لنوادى المسرح برزت سردية وحيدة تمثَّلتْ فى الشخوص؛ لكن بتنوع، وهى «سردية المثقف»، والتى تكررت فى ثلاث عروض؛ هي: «الخروج عن النص» (إخراج: ماركو فؤاد؛ الشرقية)، «الجريمة والعقاب» (إخراج: أحمد يوسف؛ الإسماعيلية)، «ظلال» (إخراج: هانى يسري؛ الغربية).
ليس لدينا نموذجًا واحدًا ثابتًا ومحددًا لمفهوم «المثقف»، إذ «تتراوح ظلال معنى كلمة «مثقف» بين الشخص المتعلم إلى أن تصل إلى الشخص صاحب الفكر الذى يحسب من النخبة»(نخبة؛ 2022م؛ ص 160)، لكننا يمكن أن نؤكد على تعريف «المثقف» الذى جاء كنتيجة لدراسة «تحولات دور المثقف» للقُضَّابِّي؛ بأنه: «هو صاحب البصيرة والمعرفة والفكر، والذى يمتلك وعيًا نافذًا، وإرادة حرة، وقدرة على التعبير مؤثرة فى مجال أوسع من مجال تخصصه الدقيق أو فنه الذى يمارسه لتحقيق دور وظيفى داخل مجتمعه»(السابق؛ ص 179)، هذا مع قبول فكرة تعددية أدوار وأشكال المثقف فى المجتمع.
وقد تمثَّلتْ «سردية المثقف» فى عرض «الخروج عن النص» فى شخص (برنار) الفنان المسرحى الحامل للواء نشر المسرح بعيدًا عن سلطة المؤسسة الدينية فى العصور الوسطى، ثم بعيدًا عن غيرها من المؤسسات السلطوية فى الأزمنة اللاحقة. و(برنار) يُقدمه خطاب العرض كمثقفٍ تنويرى. وفى عرض «الجريمة والعقاب» نجد «المثقف المتعلم»، والذى يتمثَّل فى شخص (روديون راسكالنكوف) الطالب الفقير المثقف الذى يعيش فى غرفة قديمة فى مبنى متهدم فى سانت بطرسبورغ. ويقدم لنا عرض «ظلال» شكلين مختلفين من تمثُّل «سردية المثقف»، الأولى المثقف الشاعر الفقير الذى يعانى قسوة الحياة الاقتصادية وقلة الحيلة أمام المجتمع وسلطاته التى لا تقدر أمثال هؤلاء المثقفين؛ وهو «المثقف الكلاسيكي» أو «مثقف الخمسينيات» كما يصفه (جان بول سارتر)(جان بول سارتر؛ 1973م؛ ص 95: 89). وأما الثانية؛ فهى المثقف الرسام المترف الذى يحيا حياة نخبوية بعيدة عن قيم مجتمعه متحررًا من سلطاته.
إن شخص (برنار) فى عرض «الخروج عن النص» يُقدم تمثُّلًا لسردية خروج المثقف عن السلطة، وقد توسع العرض فى السلطات التى خرج عنها (برنار) وعارضها بصناعة المسرح، فى حين اكتفى النص (تأليف: أحمد نبيل) بسلطة المؤسسة الدينية ثم مؤسسة الحكم مع تنامى الأحداث؛ جاء فى العرض على لسان شخص (مارسيل) التى شاركت (برنار) مغامراته المسرحية: «الحكاية بقت أكبر مننا بكتير.. برنارد لما فكر فى العرض كان فاكر إنه بيخاطب الملك.. بس الحقيقة إنه كان بيخاطب كل الملوك اللى جم واللى لسه هييجوا»، فالخطاب التنوير الذى ينتجه المسرح يتعارض مع بعض السلطات الدنيوية والدينية. وممارسات (برنار) المستمرة لتقديم خطابه المسرحى داخل العرض أظهرت ثلاثة أشياء:
•  سيطرة (برنار) على أدواته الفنية المسرحية وتطويرها، وهو ما سمح له بتطوير ما يقدمه لمجتمعه من فن عبر الزمن.
•  فعل (برنار) تجاه مجتمعه هو فعل «المثقف التنويري» الساعى للارتقاء بمجتمعه من خلال قيمه الثقافية التى ينتمى إليها. وهو تمثُّل لسردية «المثقف التنويري» عبر شخص (برنار) وفعله الاجتماعى الذى يتطور مع الزمن.
•  (برنار) متسق مع ذاته، فرغم ما يتكبده من معاناة فى مقاومة السلطات الدينية ثم الدنيوية ثم الاقتصادية، فإنه يعرف دوره وهدفه، ويبذل نفسه فى سبيل تحقيقه.
وبذلك يتحول (برنار) إلى رمز للمثقف التنويرى عبر العصور، وفى عرض «الخروج عن النص» يعتمد على المسرح كأداة لمقاومة السلطات –على تنوعها- التى تحاول أن تحط من الإنسان وتجعله خاضعًا لها ببقاءه فى ظلمات الجهل وعدم الوعى.
بينما يأتى شخص (روديون راسكالنكوف) الطالب الفقير «المثقف المتعلم» فى عرض «الجريمة والعقاب»، لتظهر عبر خطابها:
•  عدم سيطرة شخص (راسكالنكوف) على الأشياء من حوله بسبب وضعيته الاجتماعية والسياق الاقتصادى الذى يعيش فيه.
•  فعل الجريمة التى ارتكبها شخص (راسكالنكوف) تجاه مجتمعه تمثُّل سردية «المثقف الخائن» الذى لا يبالى بالآخرين، لأنه يضع نفسه فى مكانة أعلى ويمنحها حقوقًا ومزايا لا تتوافر لغيرها بالمجتمع، كما يقول فى العرض: «النخب استثنائيون».
•  يعانى شخص (راسكالنكوف) من اغتراب شديد، ذلك أن المغترب يكون أكثر عرضة لقبول كل ما من شأنه أن يخفف من آلامه ويقضى على اغترابه بعد إحساسه بالتهميش والضعف فى مجتمعه، مما يجعل الجريمة حلًا يلجأ إليه الشخص لمحاولة التخلص من مشاكله. فالاغتراب كفقدان للهوية (حسن حنفي؛ 2012م؛ ص 25)، هو «انفصال الإنسان عن وجوده الإنسانى ويصاحب ذلك الشعور بالانفصال ببعض العوامل التى تتمثل فى الشعور بالعزلة والتشيؤ واللامعيارية والعجز واللاهدف والتمرد» (محمد إبراهيم عيد؛ 1987م؛ ص 36)، وهو نتيجة لأساليب التربية التسلطية (على وطفه؛ 1998م؛ ص 241)، وهو ما يذهب عرض «الجريمة والعقاب» للإشارة إليه – كتاريخ للشخص - لتوضيح لماذا وصل شخص (راسكالنكوف) إلى هذه الحالة كنتيجة لتربية دينية متسلطة.
ومن قلب جحيم الرأسمالية التى تنتهك المجتمعات وتضعها فى الظلام، تمثَّلت «سردية المثقف» فى شخصين من خلال عرض «ظلال»، هما: الشاعر المغلوب على أمره بقفره وقلة حيلته، والرسام المترف النخبوى المتعالى على مجتمعه. وخلال خطابها نجد أننا أمام تنويعات جديدة لسردية المثقف.
الشاعر الفقير «مثقف كلاسيكي» لديه أسرة لا يستطيع تلبية احتياجاتها الاقتصادية، لكن لا يتعالى على مجتمعه ولا يضع نفسه أعلاه مثلما فعل شخص (راسكالنكوف) فى عرض «الجريمة والعقاب»، ولم يقم الشاعر بأى أدوار تجاه مجتمعه الذى يسحقه، فقط اكتفى باجترار مرارات هزيمته اليومية وبثها فى أوراقه وقصائده. بينما ذهب الرسام «المثقف النخبوي» المتعالى على مجتمعه وأفراده إلى تحقيق رغباته ونزواته مستغلًا من يقع تحت يده من أفراد هذا المجتمع، إنه لا يقتل ماديًا كما يفعل شخص (راسكالنكوف) فى «الجريمة والعقاب»، لكنه يقتل ضحاياه معنويًا.
ويمكن تصنيف تمثُّلات «سردية المثقف» من خلال الشخوص فى العروض الثلاثة إلى ثلاثة أصناف؛ هي:
•  إحداها تُمثُّل للعالم المحسوس؛ حيث «المثقف النخبوي» المتعالى الذى يشترى تحقيق رغباته غير مهتم بما يعترى ضحاياه، مثله مثل منظومة الرأسمالية التى تهتم بدوران عجلات الإنتاج والأرباح غير مبالية بالأثمان التى يدفعها الأفراد أو المجتمعات مقابل هذا الدوران المستمر لتروس الرأسمالية.
•  الثانية تَمثُّل للممارسات الاجتماعية، حيث أفسدت التربية التسلطية شخص (راسكالنكوف) وجعلت منه مثقفًا متعاليًا مغتربًا عن مجتمعه، يبرر لنفسه فعل أى شيء، فسلطة المجتمع ممثلًا فى مؤسسة الأسرة والكنيسة والمدرسة وغيرها غير خفى دورها فى التنشئة الفاسدة التى جعلت من (راسكالنكوف) مثقفًا مغتربًا عن نفسه وعن مجتمعه. وممارسات مؤسسات المجتمع التى لا تهتم بمثقفيها، وتضغط عليهم اقتصاديًا دون توفير قدر حقيقى من الرعاية الاجتماعية والضمانة الاقتصادية لتوفير حياة كريمة لهؤلاء المثقفين الذى لا يملكون إلا الكلمة، فسحقت ممارسات مؤسسات المجتمع الشاعر فى عرض «ظلال» وطحنته بأزماتها الاقتصادية الطاحنة.
•  الثالثة تَمثُّل للممارسة نفسها؛ وهى هنا الممارسة المسرحية نفسها كفن أداء، فتمثَّل المثقف المسرحى فى شخص (برنار) الساعى والطامح إلى تغيير شكل ومضمون العرض المسرحى بعيدًا عن ممارسات المؤسسات التسلطية على تنوعها واختلافها على امتداد الزمن، والتى تحاول تقييد المسرح وجعله مجرد أداة للترفيه والتسلية أو مجرد فنٍ متحفى.
ويظهر «التخلع البنيوي» جليًا فى عرض «ظلال» حيث تحولات البنية الاجتماعية للمجتمع المصرى التى تعكس تغير العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المصرى، وكذلك تغير الأدوار الاجتماعية التى جعلت من المدرس (المعلم) شخصًا انتهازيًا فى أدنى السلم الاجتماعى متخليًا عن دوره التربوى إلى دور الآلة التى تعمل على حشو عقول التلاميذ بمعلومات وتدربهم على طرق تفريغها مقابل المال، وأيضًا تغير بنية وأداء المؤسسات الاجتماعية التى تُشكل نسيج المجتمع كمؤسسة الأسرة ومؤسسة الإعلام التى أكد عرض «ظلال» تشوه بنيتها وأدائها.
إن هذا «التخلع البنيوى» الذى يظهر فى عرض «ظلال» ربما يكون نتيجةً لعوامل متعددة، منها:
•  التطورات التكنولوجية التى فرضتها العولمة على العالم كواحدة من أنجع أدواتها فى عولمة المجتمعات المحلية، وإعادة تشكيل الهوية للفرد والمجتمع، وتراجع معها دور المثقف وتأثيره، وتفتت وتشتت «سردية المثقف»، والتى تظهر فى عرض «ظلال» كسرديتين متضادتين، تمثّل شخصية الشاعر المقهور المغلوب على أمره إحداها، وتمثّل شخصية الرسام سردية «المثقف النخبوي» المُستغِل.
•  الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التى تضرب المجتمع كموجات متدافعة، بدءًا من سياسات الانفتاح التى اجتاحت مصر فى أعقاب اتفاقية السلام مع الاحتلال الصهيونى فى نهاية سبعينيات القرن العشرين، مرورًا بسياسات الخصخصة وتبديد مكاسب الاشتراكية فى تسعينات القرن ذاته، عبورًا إلى الاقتصاد المعولم وما تفعله الشركات متعددة الجنسيات فى الاقتصاد المصرى بالقرن الحادى والعشرين. كل هذه الأزمات أعادت تشكيل الطبقة المتوسطة، كما أنها وسعت الهوة بين طبقة الأثراء وطبقة المعدمين (الأكثر احتياجًا) وجعلت الرأسمالية العالمية من محاولة تقليص هذه الهوة أمرًا مستحيلًا وعبثيا.
•  الحروب المستمرة والمتلاحقة التى أحدث بعضها تغيرات هامة ومؤثرة على أفراد المجتمع المصرى منذ هزيمة الجيوش العربية بفعل الخيانة فى 1948م، ثم هزيمة يونيو 1967م، وانتصار أكتوبر 1973م وما تبعه من اتفاقيات سلام مزعوم، ثم الغزو الصهيونى للبنان واجتاح عاصمة بيروت فى 1982م، ثم غزو العراق للكويت فى 1990م، وما تبعه من تصدعات فى الأمن العربى وحروب انتهت بالغزو الأمريكى للعراق فى 2003م، وأخيرًا تأتى حروب الجيل الرابع التى تشهدها المنطقة العربية فى عدة بلدان، تأتى سوريا فى مقدمتها، والحرب الأهلية فى السودان أحدثها فى عام 2024م. هذا الحروب المستمرة التى لا يخلو عقدٌ من إحدى؛ كان لها تأثيراتها على الأفراد وسلوكياتهم وأحدثت العديد من التحولات فى القيم والتفاعلات بين الأفراد والمؤسسات حاول عرض «ظلال» تمثِّل بعضها من خلال شخوصه، وكذلك أحداثه.
•  التغيرات الثقافية والتى تمثّلت فى تغير الكثير من عادات وتقاليد الأسرة المصرية مع تقلص حجمها، وتزايد الحريات الشخصية، وتغيرات فى أساليب التعليم والترفيه، مما سمح بإعادة تنظيم البنية الاجتماعية للمجتمع نفسه وكيفية تنظيم موارده وثرواته وعلاقاته الداخلية والخارجية، وهو ما أدى إلى أمرين متناقضين تمامًا؛ أحدهما فتح الباب للابتكار والعديد من التغيرات الايجابية، والثانى كان مصدرًا للاضطرابات والصراعات سواء كانت نفسية أو اجتماعية.
إن شخوص عرض «ظلال» كانت تقدم تمثلات لهذا «التخلع البنيوى» الذى ضرب فى قلب المجتمع المصرى المعاصر، وليست «سردية المثقف» وتمثلاتها سوى إحدى تجليات هذه التغيرات الجوهرية فى بنية المجتمع المصرى، عبر تمثّل السرديات من خلال بعض الشخوص بالعروض الثلاثة.


أحمد عادل القضابي