العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026
يشارك عرض «على الجانب الآخر من العلبة» ضمن مهرجان الاكتفاء الذاتى للمسرح بجامعة عين شمس، وهو عرض مقدَّم من طلاب كلية الحاسبات، يستلهم معالجته الدرامية من فيلم (A Christmas Carol).
ينطلق العرض من الحكاية المعروفة لشخصية سكروج معتمدًا على رحلة الماضى والحاضر والمستقبل بوصفها إطارًا أساسيًا للتحول، دون الخروج عن الخط الدرامى الأصلى. ومن خلال هذه المعالجة يسعى العرض إلى تقديم رؤية مسرحية واضحة ومباشرة، تضع المتلقى أمام تجربة مألوفة وهو ما يفتح المجال لقراءة نقدية تتوقف عند حدود الاقتباس، وطبيعة الاختيارات الإخراجية، ومدى قدرتها على تحويل النص المرجعى إلى عرض مسرحى مستقل.
يلتزم العرض إلى حدٍّ كبير بالبنية الأصلية لحكاية الفيلم سواء فى ترتيب الأحداث أو فى مسار التحول الذى يمر به سكروج. يبدأ العرض بتقديم أرواح الماضى والحاضر والمستقبل بوصفها عناصر فاعلة منذ اللحظة الأولى، وهو اختيار يُفصح عن منطق العرض مبكرًا، ويجعل الرحلة الدرامية قائمة على التتبع لا الاكتشاف. كما يحتفظ بالمشاهد الأساسية للحكاية، من رفض سكروج للعيد وتعاملاته القاسية، مرورًا برحلات الزمن الثلاث، وصولًا إلى التحول النهائى، دون إجراء تفكيك حقيقى للبنية أو إعادة صياغة دلالية واضحة. وبهذا تبدو المعالجة أقرب إلى نقل الحكاية إلى خشبة المسرح منها إلى إعادة تأويلها، مكتفية بالمباشرة السردية والرسالة الأخلاقية الواضحة، وهو ما جعل المعالجة تركز على تتبع الأحداث أكثر من الغوص فى الدوافع النفسية للشخصية، أو تقديم قراءة جديدة تضيف إلى الحكاية الأصلية.
تُقدّم شخصية سكروج فى العرض بشكل مباشر، مع التركيز على صفات البخل والقسوة دون الغوص الكافى فى دوافعه الداخلية أو خلفيات سلوكه. نراه يرفض منح إجازة للموظف، ويستهين بالعيد، وكل ذلك يظهر بوضوح للجمهور، لكنه لا يوفّر مساحة لفهم لماذا أصبح بهذا الشكل أو ما الصراع النفسى الذى يعيشه داخليًا. التحول النهائى، الذى يتمثل فى توزيعه الهدايا والاعتراف بأهمية العلاقات الإنسانية، يبدو سريعًا ومباشرًا، دون مسار داخلى متدرج يسمح للمتلقى بالانغماس فى رحلة التغيير العاطفى. وهكذا، يظل سكروج فى العرض أقرب إلى رمز أخلاقى واضح منه إلى شخصية إنسانية مركبة، ويعتمد العرض على وضوح الأحداث والرسالة بدلًا من التأمل النفسى العميق.
الأزمنة الثلاث
يعتمد العرض على تقديم الماضى والحاضر والمستقبل بوصفها عناصر فاعلة منذ البداية، وهو اختيار يختلف عن النص المرجعى الذى يعتمد على الكشف التدريجى للأرواح.
ففى الماضى، يُظهر لحظة مع حبيبته القديمة، وتبرز الصناديق كحاجز بصرى بينهما، ما يرمز إلى انغماسه فى العمل وتفضيله الالتزام والواجب على اللحظات العاطفية. يسهم هذا المشهد فى تعريف المتلقى بتجارب سكروج السابقة التى شكلت شخصيته، مع إبراز لحظات صغيرة مثل هدية الحبيبة أو محادثاتها معه، مما يعكس صراعه الداخلى بطريقة واضحة وبصرية.
وفى الحاضر، يُنقل سكروج إلى حياة الآخرين، حيث يراقب العائلات ويشاهد التفاعل بين الناس فى منازلهم، ويلاحظ تفاصيل مثل البهجة البسيطة والهدايا الصغيرة التى تُسعد الأشخاص المحيطين به. يسمح هذا الجزء له بملاحظة الفارق بين حياته وعلاقات الآخرين، ويعمل كمرآة تعكس له أثر اختياراته اليومية دون الحاجة لتدخل مباشر، مما يجعل التجربة تعليمية ومؤثرة.
أما فى المستقبل، يُقدّم بمشهد مباشر يظهر الموت والنتائج التى تركها بخله، لكنه يعرض أيضًا فرصة للتغيير وإعادة التوازن قبل فوات الأوان. يُظهر هذا الجزء كيف يمكن للقرارات الأخلاقية واللحظات الإيجابية أن تُحدث فرقًا، ويمنح التحول شعورًا بالاكتمال والارتياح، مع الحفاظ على سرعة الإيقاع التى تجعل المشاهدين مرتبطين بالأحداث ومتابعين لها بسهولة.
بهذه الطريقة، يتحوّل الزمن فى العرض إلى أداة تفاعلية للتأمل والملاحظة، والأرواح تصبح وسائط تساعد سكروج على اكتشاف نفسه وعلاقاته مع الآخرين. كل روح تقدم منظورًا مختلفًا، يجمع بين التعاطف والفهم العميق، ما يجعل رحلة سكروج تجربة غنية واضحة المعالم، لكنها ممتعة وسهلة المتابعة للجمهور.
نهاية سكروج: الفيلم مقابل المسرحية
يشارك كل من العرض المسرحى والفيلم فى تقديم تحول شخصية سكروج واكتشافه لقيمة العلاقات الإنسانية، إلا أن أسلوب كل منهما فى معالجة هذا التحول يختلف بشكل واضح. ففى الفيلم، يُظهر التحول تدريجيًا، مع مساحة واسعة لتفصيل الصراع الداخلى للشخصية، مما يتيح للمشاهد متابعة دوافع سكروج النفسية وتأملاته الداخلية، وفهم كيف أثرت خبراته السابقة وخياراته فى تكوين شخصيته قبل أن يصل إلى قراراته النهائية.
أما فى العرض المسرحى، فتم تقديم التحول بسرعة ووضوح، مع التركيز على الأحداث الخارجية والنتائج المباشرة، مثل توزيع الهدايا والاحتفال مع العائلة. هذا الأسلوب يجعل النهاية سهلة المتابعة وواضحة للجمهور، لكنه يقلل من عنصر العمق النفسى ويختصر التدرج الداخلى الذى يعكس رحلة التأمل العاطفى. بالتالى، يظل سكروج فى المسرحية أقرب إلى رمز أخلاقى يُجسد قيمة العطاء والتواصل الإنسانى، بينما يمنح الفيلم المتلقى فرصة للتعرف على دوافعه الداخلية وفهم تحوله العاطفى بشكل أعمق.
السينوغرافيا
تميز العرض فى السينوغرافيا بتوظيفه عناصر بسيطة لكنها فعّالة فى نقل الجو العام للقصة، حيث كان ديكور الكريسماس التقليدى حاضرًا ليضفى طابع الاحتفال والدفء على المسرح. من بين أبرز العناصر الرمزية فى العرض كانت الصناديق فى مشهد الحبيبة القديمة، إذ تمثل حواجز بين سكروج وعلاقته العاطفية. مع كل صندوق يُرص، يظهر الانغماس المتزايد لسكروج فى العمل وتفضيله الالتزام على اللحظات العاطفية، لتصبح هذه الصناديق امتدادًا بصريًا لحالته النفسية وانغلاقه الداخلى.
كما ظهرت بعض الرموز الأخرى المهمة، مثل السلاسل المعلقة، التى ذكّرت المشاهد بسلاسل مارلى، لتصبح جزءًا من لغة العرض الرمزية وتساعد فى نقل مفهوم الانغلاق الذى يعيشه سكروج.
الأداء التمثيلى
كان من أبرز عناصر العرض، إذ قدم الممثلون الشخصيات بطريقة حيوية ومتقنة، مع إبراز الفروق بين الماضى والحاضر والمستقبل، ما جعل رحلة سكروج ممتعة وواضحة. ولم تخلُ بعض المشاهد من لقطات كوميدية خفيفة أضفت تنوعًا وإيقاعًا مرحًا على العرض، فساهمت فى شد انتباه الجمهور وخلق توازن بين الجدية والمرح.
الإخراج
كان المخرج (حسام خالد) موفقًا فى توظيف الفضاء المسرحى والتنقل بين المشاهد بسلاسة، مع الحفاظ على وضوح الحبكة وتسلسل الأحداث.
ومن خلال تكامل هذه العناصر مع الملابس والإضاءة والمكياج، استطاع العرض أن يقدّم تجربة مسرحية متماسكة ومتكاملة، يتجاور فيها البعد الرمزى مع الأداء التمثيلى والإخراج، بما يخدم السرد الدرامى ويجعل القصة واضحة المسار، وسلسة التلقى وقريبة من المتفرج.
فى النهاية، يضعنا العرض أمام تساؤل جوهرى حول أثر الانغماس فى العمل والروتين اليومى، وكيف يمكن لهذا الانغماس أن يحجب عنا تقدير اللحظات الصغيرة والفرح البسيط مع من حولنا. هذه الفكرة تمثل جوهر رحلة سكروج، إذ يكشف العرض تدريجيًا تحوّله من شخصية أسيرة للمال والنظام الصارم إلى إنسان قادر على إدراك قيمة العلاقات الإنسانية والتفاصيل اليومية التى غالبًا ما تُهمَل.
ويأتى هذا التحول ليذكّر الجمهور بأن السعادة لا تُختزل فى المال أو الالتزام الأعمى بالروتين، بل تتجسد فى الاهتمام بالآخرين، ومشاركة الفرح، وبناء تواصل إنسانى حقيقى.